أدى طرح وزير الدولة للإعلام بنظام الانقلاب ونقيب الصحفيين الأسبق ضياء رشوان لفكرة إنشاء كيان موحد للمواقع الإلكترونية إلى إشعال صراع علني مفتوح مع نقابة الصحفيين.
ورغم توضيح الوزير أن الكيان المقترح ذو طبيعة مؤسسية تقتصر عضويته على الإدارات والملاك لحل مشكلاتهم اللوجستية —على غرار غرفة صناعة السينما— وليس نقابة موازية للأفراد، إلا أن الطرح أثار غضباً عارماً في الأوساط الصحفية.
وحذر عضو مجلس النقابة محمود كامل من توظيف هذه الدعوة لإنشاء كيان نقابي موازٍ يمس وحدة الجماعة الصحفية ويضعف قدرتها على الدفاع عن حقوقها، مؤكداً أن النقابة تفتح حواراً مستقلاً لتوسيع مظلة الحماية للممارسين الفعليين للمهنة.
وانتقد كامل تناول خالد صلاح @Youm7Khaled، رئيس تحرير موقع "يوليو"، لتصريحات الوزير، معتبرًا أنه أعاد طرح الحديث عن صحفيي المواقع رغم التوضيح المتعلق بالمؤسسات، وحذّر من أن الدعوات إلى إنشاء كيانات نقابية موازية تمس وحدة الجماعة الصحفية وتضعف قدرتها على الدفاع عن حقوقها.
وفي هذا السياق، ركز مراقبون على طبيعة الأطروحات التي يسوقها ضياء رشوان، و«مقترحات الفضفضة» السياسية التي تتجنب النفاذ إلى جوهر الأزمة الوجودية التي تعصف بالحقل الصحفي المصري.
وبينما يقر رشوان في لقاءاته بوجود تحديات كبرى تلاحق الصناعة، جاء رد الناقدين وصناع الصحافة الرقمية حاسماً؛ حيث اعتبروا أن الدعوة لتأسيس كيان يمثل أصحاب العمل وإدارات المواقع يغفل تماماً "أم المشاكل" والمتمثلة في غياب الحماية القانونية والنقابية لآلاف الصحفيين الإلكترونيين الممارسين فعلياً للمهنة.
وأكد المنتقدون أن الأزمة الوجودية لا تحتاج إلى مجالس جديدة أو جولات من النقاش الشكلي، بل تتطلب حلاً جذرياً ينهي الانفصام التشريعي عبر تعديل قوانين القيد البالية، والتوقف الفوري عن ممارسات الحجب التعسفي وعرقلة التراخيص التي تطال المنصات المستقلة من قِبل الأجهزة التنفيذية.
مذكرة الجارحي وجدول غير المشتغلين
دخلت المعركة طوراً إجرائياً متقدماً بتقدم الصحفي محمد الجارحي بمذكرة رسمية عاجلة إلى نقيب الصحفيين وأعضاء المجلس، مطالباً بإدراجها في أقرب اجتماع لمناقشة تداعيات مقترح الوزير رشوان وما يمثله من التباس واسع داخل الوسط المهني نتيجة تداخل القضايا المؤسسية بمشكلات الأفراد الفعليين.
وتضمنت مذكرة الجارحي شقاً قانونياً بالغ الحساسية يطالب بالنظر في أوضاع القيد لأعضاء النقابة الذين يشغلون مناصب تنفيذية، مثل منصب وزير الدولة للإعلام الذي يشغله ضياء رشوان، وبحث مدى قانونية الجمع بين العمل التنفيذي والمشتغلين، مطالباً بنقله إلى جدول غير المشتغلين بناءً على هذه الصفة الحكومية.
كما انتقد الجارحي في مذكرته القرارات الجماعية التي أُعلنت بمنع التغطية التامة للجنازات والعزاءات ومعاقبة المخالفين حتى لو نُشرت المواد على صفحاتهم الشخصية، معتبراً أن هذه القرارات تمس صلب اختصاصات النقابة وتفرض قيوداً غير مدروسة على الممارسين المهنيين.
صراع الهوية الرقمية
وأحيا مقترح الوزير المظالم المتراكمة لآلاف الصحفيين الإلكترونيين المستبعدين من مظلة الحماية النقابية، مبرزاً التناقض الصارخ الذي يمر به المشهد الصحفي في البلاد.
فبينما تحولت المواقع الإلكترونية إلى متن الصحافة المصرية الحقيقي والأكثر تأثيراً ومهارة، انزوت الصحافة الورقية وتقلصت تماماً إلى هامش المشهد الصحفي العام.
ومع ذلك، لا تزال المنظومة القانونية تمنح الصحافة الورقية وحدها الحق الحصري في قيد كوادرها بالنقابة والتمتع بامتياز الاعتراف والحماية والبدل النقدي، في حين يظل صناع الصحافة الرقمية بلا مظلة حماية.
ملاحقة الكيانات الوهمية
وبالتزامن مع السجال الذي خلقه مقترح ضياء رشوان، اتخذت المعركة مناحي قضائية حاسمة لحماية الهوية النقابية ومواجهة انتحال الصفة، حيث تقدم نقيب الصحفيين خالد البلشي ببلاغين رسميين إلى النائب العام ووزير الداخلية ضد كيان غير قانوني يطلق على نفسه "النقابة العامة للعاملين بوسائل الإعلام".
وأوضح سكرتير عام النقابة جمال عبد الرحيم أن هذا الكيان انتحل صفة مهنة الصحافة وغيّر المهن بالبطاقات لمسميات صحفية إعلامية عبر بوابة إلكترونية غير شرعية. واستندت النقابة لقانون إنشائها رقم 76 لسنة 1970 والدستور لحظر تعدد النقابات المهنية.
وتابع أن الكيان يستخدم اسم مهنة الصحافة بما قد يوحي للجمهور بوجود صلة بالنقابة، وأنه يقوم، بحسب ما رصدته، بتغيير المهنة في استمارات بطاقات الرقم القومي إلى "محرر صحفي" و"محرر إعلامي"، وأعلن إطلاق بوابة إلكترونية لقبول طلبات العضوية والقيد بالصحف الخاصة والإلكترونية.
واستندت النقابة في موقفها إلى قانون إنشائها رقم 76 لسنة 1970، وإلى النص الدستوري الذي يقضي بألا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة واحدة، مطالبة بالتحقق من المخالفات المنسوبة إلى الكيان واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، ولا تتضمن المواد المتاحة ردًا من القائمين عليه بشأن هذه الاتهامات.
https://x.com/armediaobserver/status/2102378579765989738
https://x.com/Garhey25/status/2102428596245598308
أزمة التراخيص والحجب التعسفي
رصدت منصة "الموقف المصري" الواقع الفعلي الذي تواجهه الصحافة الرقمية، مؤكدة أن أزمات المواقع تتلخص في صعوبة الحصول على التراخيص، وسهولة التعرض للحجب، والتمويل الطاحن.
وأشارت المنصة إلى أن القانون رقم 180 لسنة 2018 يعترف صراحة بالصحافة الإلكترونية ويحظر فرض الرقابة أو الإغلاق، إلا أن السلطة التنفيذية تنتهك هذه النصوص وتعرقل التراخيص عبر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للمواقع التي لا تأتي على هواها السياسي.
واعتبرت المنصة أن حل الأزمة لا يتطلب كيانات جديدة للفضفضة يطرحها الوزير، بل يتطلب التوقف عن انتهاك الدستور وتطبيق القوانين القائمة، متسائلة عن جدوى تمثيل المؤسسات وأرباب العمل مع تجاهل حقوق الأفراد والعاملين الممارسين.
تعديل التشريعات العقيمة
طرح عضو مجلس النقابة أيمن عبد المجيد مقترحاً؛ بوضع شروط مؤسسية صارمة للمؤسسات الرقمية الراغبة في إدخال صحفييها للنقابة، تشمل اشتراط وجود كيان مؤسسي مرخص، ومقر رسمي، وعقود عمل، وانتظام مالي يحمي حقوق العاملين.
واعتبر عبد المجيد أن العقدة الحقيقية تكمن في أن قانون نقابة الصحفيين الحالي موروث من بداية سبعينيات القرن الماضي قبل اختراع شبكة الإنترنت، ويعالج واقعاً بائداً لم يعد له وجود، مما يسبب انفصاماً نكداً في البيئة التشريعية للمهنة.
وتتفق الرؤى الحقوقية على أن تعديل هذا القانون بات ضرورة حتمية لتوسيع مفهوم الصحافة ليشمل المواقع المستقرة، مع إمكانية إنجاز دمج الصحفيين الإلكترونيين بالتدريج وعلى دفعات متتالية، لضمان حماية حقوقهم دون إشعار صحفيي الصحافة الورقية بأي تهديد لمكتسباتهم المادية والتاريخية.
ويبدو كيان رشوان "للصحفيين الالكترونيين" لبحث مشكلات المواقع الإلكترونية ويتكلم باسمها، دون التحول لنقابة موازية لنقابة الصحفيين. إلا انه دعا لإحياء دعوة إدارات الموقع الإلكترونية ومُلّاكها بإنشاء تجمع ما، النقاش حول غياب مظلة الحماية النقابية عن الصحفيين الإلكترونيين!
وبحسب تعديلات أدخلها السيسي بقانون في 2018 يضع مسارا محددا لترخيص المواقع من خلال المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وحدد مدة للبت في طلب الترخيص لا تتجاوز 90 يوما من استيفاء الطلب، ومع ذلك تعرقل الأجهزة طلبات الترخيص في كتير من الحالات.
https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/2103062146187726921
واستند وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان في دعوته لـ "الفضفضة" إلى الشعار الذي رفعه عبد الفتاح السيسي مؤخراً لإيجاد حلول لمنظومة الإعلام، زاعماً في تصريحات أدلى بها قبل أيام أن الإعلام المصري يعاني من "أزمة وجودية" تستوجب البحث عن مسارات جديدة للهيكلة والتنظيم.
وجاء رد المراقبين والحقوقيين حاسماً بتفنيد هذا التشخيص؛ حيث أكدوا أن الأزمة الوجودية الحقيقية التي تخنق الصحافة والإعلام لا تكمن في غياب الكيانات المؤسسية أو آليات التنظيم، بل تعود أساساً إلى غياب الحرية، واستمرار سياسات الحجب التعسفي للمنصات الرقمية، وعرقلة التراخيص للمواقع المستقلة من قِبل السلطة التنفيذية.
وأشار المراقبون إلى أن محاولة اختزال أزمة الإعلام في مجرد نقاشات شكلية أو "كيانات لأرباب العمل" هي التفاف على البيئة القمعية التي أغلقت المجال العام وصادرت التعددية، مشددين على أن إطلاق الحريات الصحفية وإلغاء القوانين المقيدة وتوفير الحماية القانونية والنقابية للممارسين الفعليين هو السبيل الوحيد لإنقاذ المهنة من انهيارها الوشيك.