5 أعوام و573 قتيلا بالاعدام الميداني .. جبال أكاذيب الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026)

- ‎فيحريات

ترجمت وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب  الصلاحيات الممنوحة لها بموجب المادة 102 إلى حصاد دموي واسع النطاق خلال الفترة الأخيرة من عمر الاستراتيجية الوطنية، وهو ما رصدته السجلات الحقوقية بدقة بالأرقام والنسب.

ولجأ ضباط الداخلية إلى استخدام واستدعاء المادة 102 لتبرير القوة المميتة 69 مرة خلال الفترة الممتدة من يناير 2025 إلى يونيو 2026. وأسفرت هذه المطاردات والمداهمات الأمنية عن مقتل 573 شخصاً تصفيتهم جسدياً خارج إطار القانون والقضاء.

أشار التقرير إلى نمط ثابت ومكرر في البيانات الرسمية لوزارة الداخلية؛ حيث يتم وسم وتصنيف الضحايا عقب تصفيتهم بأنهم "هاربون من تنفيذ أحكام" أو "أصحاب معلومات جنائية سابقة"، وهي الديباجة الجاهزة التي تُستخدم كغطاء سياسي وقانوني لتبرير تصفيتهم بمزاعم "الاشتباك وتبادل إطلاق النيران".

ومع إسدال الستار على المدى الزمني المحدد لـ "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026)"، كشفت تقارير حقوقية وميدانية متقاطعة عن إخفاقات بنيوية حادة تحولت بموجبها بنود الاستراتيجية إلى ما يشبه "جبالاً من الأكاذيب"، لا سيما في أكثر الملفات مساساً بالحق في الحياة: عقوبة الإعدام ووقائع القتل خارج نطاق القضاء. 

وأظهرت القراءة الفنية للمشهد الحقوقي أن الاستراتيجية لم تكن سوى واجهة دبلوماسية للتغطية على قفزات غير مسبوقة في وتيرة التصفية الجسدية والتوسع التشريعي والأمني في سلب الحياة خارج مظلة المحاكمات العادلة.

مستهدفات "ميكروسكوبية" وتجاهل للواقع

أكد التقرير الحقوقي أن الغرض الأساسي من الصياغة التشريعية للاستراتيجية الوطنية في ملف عقوبة الإعدام كان الالتفاف على التزامات مصر الدولية، عبر وضع أهداف محدودة للغاية واقتصارها عملياً على رصد بعض ضمانات التقاضي الظاهرية، ومراجعة نطاق "الجرائم الأشد خطورة".

مظاهر الإخفاق في ملف الإعدام

تجاهل التوسع الممنهج: غضت الاستراتيجية الطرف تماماً عن الاتساع الأفقي المرعب في إصدار أحكام الإعدام من قِبل محاكم الجنايات ومحاكم أمن الدولة العليا طوارئ وتنفيذها الفعلي.

غياب الرؤية بعيدة المدى: لم تضع الوثيقة الرسمية أي هدف استراتيجي أو جدول زمني لخفض نطاق تطبيق هذه العقوبة، حتى على المدى الطويل، مما يعكس غياب الإرادة السياسية في الإصلاح.

غياب الاستقلالية للملفات الحرجة: أسقطت الاستراتيجية من حساباتها التعامل مع الانتهاكات الجسيمة كملفات مستقلة تستوجب المعالجة الجنائية والمؤسسية الشاملة.

المادة 102 وقوننة التصفية الجسدية

يمثل ملف القتل خارج إطار القضاء الفجوة الأعمق بين الشعارات الرسمية والواقع الميداني، حيث يثبت التقرير الحقوقي وجود "غطاء تشريعي" يمنح رجال الأمن رخصة مفتوحة للقتل بناءً على التقدير الشخصي دون حسيب أو رقيب.
ثغرة قانون الشرطة: يستند رجال وزارة الداخلية إلى المادة 102 من قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971، التي تمنح قوات الأمن الحق في "استعمال القوة بالقدر اللازم -وفق تقديرهم- لأداء واجبهم، إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء هذا الواجب".

سلطة التقدير المطلقة: تحول شرط "التقدير الشخصي" الوارد في القانون إلى أداة إفلات تام من العقاب، حيث تصبح القوة المميتة هي الخيار الأول والوحيد في مواجهة المشتبه بهم تحت ذريعة أداء الواجب الأمني. 

وينتهي التقرير الحقوقي إلى أن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026) مثلت فشلاً مؤسسياً ذريعاً وعجزت عن تقديم أي إصلاح تشريعي أو هيكلي حقيقي لوقف نزيف الأرواح، لافتة إلى أن استمرار العمل بالقوانين الاستثنائية مثل المادة 102 من قانون الشرطة يثبت أن العقيدة الأمنية الحالية قائمة على "التصفية الميدانية المباشرة" بدلاً من الحفظ التدريجي للأمن وتقديم المتهمين لمحاكمات عادلة، مما يضع مصداقية الدولة المصرية في المحافل الدولية على المحك.

ووضعت ما يسمى بـ"الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" أهداًفًا محدودة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، واقتصرت عملًيًا على بعض ضمانات التقاضي ومراجعة نطاق الجرائم الأشد خطورة. وتجاهلت اتساع إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها، ولم تضع هدًفًا لخفض نطاق العقوبة حتى على المدى الطويل، ولم تتعامل مع القتل خارج نطاق القضاء* بوصفه ملًفًا مستقًلًا يحتاج إلى إصلاح تشريعي ومؤسسي.

 

https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/

موقع مصر على مؤشرات الإعدام العالمية

تتقاطع البيانات المحلية المرصودة خلال فترة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026) مع تقارير دورية صادرة عن كبرى المنظمات الدولية مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) وهيومن رايتس ووتش (HRW)، التي تؤكد وجود فجوة هائلة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني.

وتصنّف تقارير منظمة العفو الدولية السنوية الخاصة بعقوبة الإعدام جمهورية مصر العربية بانتظام ضمن القائمة العالمية لأكثر خمس دول تنفيذاً وإصداراً لأحكام الإعدام في العالم. 

وتؤكد المنظمات الدولية أن التوسع في إصدار هذه الأحكام يأتي نتاجاً لـ "محاكمات جماعية افتقرت لأدنى معايير العدالة"، ولا سيما تلك الصادرة عن دوائر الإرهاب المتخصصة ومحاكم أمن الدولة عليا طوارئ، والتي تعتمد بشكل شبه كلي على تحريات قطاع الأمن الوطني واعترافات يُنتزع بعضها تحت وطأة التعذيب أو الاختفاء القسري. 

ووصفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقييماتها المتتابعة الاستراتيجية الوطنية بأنها "أداة للعلاقات العامة والبروباغندا السياسية الموجهة للغرب"، حيث عجزت تماماً عن خفض وتيرة الإصدار أو التنفيذ الجنائي للأحكام.
وتذهب التقارير الدولية الموازية إلى ما هو أبعد من مجرد رصد أرقام ضحايا المادة 102 من قانون الشرطة؛ حيث تُفكك النمط المكرر لبيانات وزارة الداخلية حول "تبادل إطلاق النيران": 

وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية حالات عديدة لأشخاص أعلنت وزارة الداخلية مقتلهم في مداهمات مسلحة باعتبارهم "هاربين أو عناصر إرهابية وجنائية خاضت اشتباكاً مع القوات"، في حين ثبت بالدليل القاطع أن هؤلاء الضحايا كانوا قيد الاحتجاز الفعلي أو الاختفاء القسري لدى الأجهزة الأمنية قبل تاريخ الإعلان عن مقتلهم بأيام أو أسابيع.
وتؤكد كبرى المنظمات الدولية أن الصياغة الفضفاضة للمادة 102 تمنح حصانة مطلقة لرجال الأمن؛ حيث لم تشهد أي من الواقعات الـ 69 المرصودة بين عامي 2025 و2026 أي تحقيق قضائي علني ومستقل يحاسب أفراد الشرطة على استخدام القوة المميتة كخيار أول بدلاً من الاعتقال والتقديم للمحاكمة.

مطالب وتوصيات دولية ملزمة
تُجمع الهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية على حزمة من المطالب العاجلة لوقف تآكل الحق في الحياة بمصر، وتتمثل في تعليق العمل فوراً بعقوبة الإعدام كخطوة انتقالية نحو إلغائها تماماً من القوانين والتشريعات الجنائية المصرية.

إلغاء أو تعديل المادة 102 من القانون رقم 109 لسنة 1971، لتتماشى بدقة مع "مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية" من جانب موظفي إنفاذ القوانين.

السماح للمقررين الخواص التابعين للأمم المتحدة بزيارة مصر وتشكيل لجان تحقيق مستقلة لتقصي الحقائق حول الـ 573 حالة تصفية جسدية المرصودة أخيراً.