مع اقتراب طرح هواتف «آيفون 18» في السوق المصرية، يعود ملف أسعار الهواتف المحمولة إلى الواجهة، في ظل فارق كبير بين أسعار بعض الأجهزة في مصر ونظيرتها في الأسواق العالمية، بالتزامن مع استمرار فرض رسوم وضرائب مرتفعة على الأجهزة المستوردة، وطرح الحكومة سياسة توطين صناعة الهواتف باعتبارها أحد مبررات دعم الإنتاج المحلي.
وبحسب تقديرات رسمية أوردتها المادة، لا تتجاوز نسبة المصريين الذين يمتلكون هواتف آيفون نحو 8%، ما يعني أن الحديث عن ارتفاع أسعار هذه الأجهزة لا يتعلق بسلعة يستخدمها غالبية المواطنين، لكنه يكشف في الوقت نفسه طبيعة أوسع لسوق الأجهزة الإلكترونية في مصر، وما يرتبط بها من ضرائب ورسوم، وتوزيع، ومنافسة بين الشركات.
وتبدأ أسعار بعض طرز الآيفون في مصر، وفق الأسعار المتداولة، من نحو 100 ألف جنيه وقد تتجاوز 200 ألف جنيه لبعض الفئات وسعات التخزين، في حين تبدأ الأسعار في الولايات المتحدة من مستويات أقل، بما يفتح باب التساؤلات حول أسباب الفجوة السعرية، وما إذا كانت الضرائب وحدها تفسرها.
ضرائب ورسوم.. هل تساوي فارق الأسعار؟
تفرض السلطات الانقلاب مجموعة من الضرائب والرسوم على الهواتف والأجهزة الإلكترونية المستوردة، تشمل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية ورسوم تنمية الموارد ورسوم مرتبطة بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إلى جانب رسوم أخرى.
وتشير البيانات الواردة في المادة إلى أن إجمالي هذه الأعباء قد يصل إلى نحو 39%، موزعة بين 14% ضريبة قيمة مضافة، و10% رسوم جمركية، و5% رسم تنمية موارد، و5% رسوم للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إضافة إلى نحو 3.8% رسوم أخرى.
وتقول حكومة الانقلاب إن هذه السياسات ترتبط، من بين أهدافها، بتشجيع التصنيع المحلي والحد من الاستيراد، في وقت تسعى فيه مصر إلى زيادة نسبة الأجهزة المصنعة أو المجمعة محليًا.
لكن هذه السياسة تثير تساؤلات حول مدى انعكاسها على المستهلك، خصوصًا إذا كانت تكلفة الاستيراد المرتفعة ترفع أسعار الأجهزة المستوردة، وفي الوقت نفسه تزيد تكلفة بعض المكونات والأجهزة التي تدخل في عمليات التجميع المحلي.
توطين الصناعة.. إنتاج محلي أم تجميع؟
تطرح حكومة الانقلاب توطين صناعة الهواتف المحمولة باعتباره أحد الأهداف الصناعية خلال السنوات الأخيرة، وتشير البيانات الرسمية إلى وصول الإنتاج المحلي إلى نحو 10 ملايين جهاز سنويًا في 2025.
غير أن النقاش لا يتعلق فقط بعدد الأجهزة التي يتم إنتاجها أو تجميعها داخل البلاد، وإنما بحجم القيمة المضافة المحلية داخل كل جهاز، ومدى مساهمة المصانع المصرية في مراحل التصميم والتطوير والتكنولوجيا المتقدمة، مقارنة بالاعتماد على مكونات مستوردة.
وتزداد أهمية هذا السؤال في صناعة الهواتف الذكية، التي تعتمد على سلاسل توريد عالمية معقدة تشمل المعالجات والشاشات والذاكرة والكاميرات والبرمجيات ومكونات أخرى، بما يجعل مجرد التجميع المحلي مختلفًا عن امتلاك قاعدة تكنولوجية متكاملة.
ومن ثم، فإن تقييم نجاح سياسة التوطين لا يتوقف عند عدد الهواتف التي تحمل عبارة "صنع أو تجميع في مصر"وإنما يمتد إلى نسبة المكون المحلي، وحجم الاستثمارات التكنولوجية، وفرص العمل ذات القيمة المضافة، ونقل المعرفة، وقدرة الصناعة المحلية على المنافسة والتصدير.
بعيدًا عن الضرائب.. ابحث عن التوزيع
لكن أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في سوق الهواتف المصرية يتعلق بهيكل التوزيع نفسه، ومدى وجود منافسة حقيقية بين الموزعين والوكلاء.
وفي هذا السياق، يبرز اسم رجل الأعمال صافي وهبة ومجموعة «الصافي جروب»، التي تعمل في مجالات توزيع الأجهزة الإلكترونية، وترتبط بعلاقات تجارية مع عدد من العلامات التجارية الكبرى.
وبحسب ما أوردته منصة «صحيح مصر»، يمتلك صافي وهبة شركة «سويتش بلس»، التي تعمل في مجال توزيع أجهزة آيفون، كما ترتبط المجموعة بتوزيع منتجات علامات تجارية أخرى، بينها شاومي وسامسونج.
وتكتسب هذه المعلومات حساسية إضافية بسبب ما أوردته تقارير إعلامية عن صلة قرابة بين صافي وهبة وعائلة السيسي، وهي صلة ينبغي التعامل معها باعتبارها خلفية للعلاقات التجارية محل النقاش، لا باعتبارها دليلًا بذاتها على ارتكاب مخالفة أو حصول الشركة على امتيازات غير قانونية.
"سويتش بلس" و"ABM" خطوة جديدة في سوق آبل
ووفقًا لما نشرته «صحيح مصر»، استحوذت شركة «سويتش بلس» المملوكة لصافي وهبة، بالتزامن مع فتح باب حجز هاتف آيفون الجديد في الولايات المتحدة، على حق إدارة فروع شركة «ABM»، الموزع المعتمد لمنتجات آبل في مصر والخليج والعراق.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن الشركة تستعد لافتتاح مركز توزيع في مصر، مع تحديد أواخر أكتوبر المقبل موعدًا لانطلاقه.
وتعني هذه الخطوة، في حال استكمالها وفق الترتيبات المعلنة، توسعًا إضافيًا لمجموعة الصافي داخل سوق منتجات آبل، بعد نشاطها السابق في توزيع الهواتف والأجهزة الإلكترونية.
وبحسب «صحيح مصر»، بدأ صافي وهبة نشاط توزيع الآيفون عبر «سويتش بلس» التي تأسست عام 2014، بينما حصلت الشركة في 2018 على حصة كبيرة من توزيع منتجات سامسونج.
كما تشير المعلومات المنشورة إلى أن وزارة التربية والتعليم المصرية أبرمت في العام نفسه صفقة لتوريد نحو 708 آلاف جهاز تابلت للمدارس عبر شركة الصافي، وهي واقعة تجارية تستحق النظر إليها ضمن سياق توسع المجموعة في السوق المصرية.
من موزع إلى بوابة للسوق؟
ونقلت «صحيح مصر» عن مصدر في شعبة المحمول باتحاد الغرف التجارية أن شركة «ABM» كانت تتعامل سابقًا مع موزعين مختلفين، كبارًا وصغارًا، بحيث تقوم باستيراد الأجهزة وإضافة الضرائب والرسوم وهامش الربح قبل إعادة توزيعها.
وبحسب المصدر، كانت الشركة تركز تعاملاتها مع عدد محدود من الشركات، من بينها شركات تابعة لصافي وهبة.
وهنا تظهر القضية الأساسية: هل يؤدي تركّز توزيع العلامات التجارية الكبرى في يد عدد محدود من الشركات إلى تقليص المنافسة ورفع الأسعار؟
السؤال لا يتعلق بشركة واحدة أو بعلامة تجارية واحدة، وإنما بطبيعة السوق نفسها، ومدى قدرة الموزعين المستقلين والصغار على الوصول إلى المنتجات ذات الطلب المرتفع، ومدى وجود شروط متساوية أمام جميع المتنافسين.
سابقة لجهاز حماية المنافسة
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية أكبر في ضوء سابقة تعود إلى عام 2019، عندما تدخل جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية بشأن ممارسات مرتبطة بسوق الهواتف.
وبحسب ما أوردته «صحيح مصر»، سبق للجهاز أن وصف بعض الممارسات بأنها أدت إلى عزل السوق عن المنافسة، وربطها بمخالفة المادة 7 من قانون حماية المنافسة، مع ما ترتب عليها من تأثيرات في أسعار هواتف آيفون.
لكن وجود قرار أو تدخل رقابي سابق لا يعني تلقائيًا ثبوت وجود احتكار في الوضع الحالي، إذ يتطلب ذلك فحص هيكل السوق الراهن، والعقود المبرمة بين الشركات، وحصص التوزيع، وشروط التعامل، وأي ممارسات يمكن أن تؤثر في المنافسة.
وهنا تظهر أهمية دور جهاز حماية المنافسة وغيره من الجهات الرقابية في مراقبة السوق، بصرف النظر عن أسماء الشركات أو علاقاتها التجارية.
أين يقف المستهلك؟
في النهاية، فإن المعادلة لا تتوقف عند علاقة الدولة بالمستوردين أو المصنعين والموزعين، وإنما تنتهي عند المستهلك الذي يدفع التكلفة.
فالمواطن الذي يشتري هاتفًا مستوردًا يتحمل الضرائب والرسوم، بينما يتحمل مشتري الهاتف المجمع محليًا تكلفة المكونات المستوردة وغيرها من عناصر الإنتاج. وإذا أضيف إلى ذلك ضعف المنافسة أو ارتفاع هوامش التوزيع، يمكن أن تتسع الفجوة بين السعر المحلي والأسعار العالمية.
ومن هنا، فإن النقاش حول أسعار الآيفون في مصر لا يمكن اختزاله في نسبة الضرائب وحدها. فهناك ثلاثة مستويات تحتاج إلى التدقيق: تكلفة الاستيراد والضرائب والرسوم، وكفاءة التصنيع أو التجميع المحلي، ثم هيكل التوزيع والمنافسة داخل السوق.
أما صلات القرابة بين رجال الأعمال والمسؤولين، فتظل في حد ذاتها مسألة تحتاج إلى أدلة على وجود منفعة أو تدخل أو مخالفة قانونية حتى تتحول من مجرد تضارب محتمل في المصالح إلى واقعة فساد مثبتة.
حماية المنافسة.. الاختبار الحقيقي
يضع توسع الشركات الكبرى في سوق الهواتف والأجهزة الإلكترونية أجهزة الرقابة أمام اختبار مهم: هل تستطيع ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، ومنع أي شركة من استغلال موقعها أو علاقاتها التجارية لإقصاء منافسين آخرين؟
فالاحتكار، إذا ثبت قانونًا، لا تكون مشكلته فقط في هوية المستفيد منه، وإنما في أثره المباشر على السوق والمستهلك؛ من ارتفاع الأسعار، وتقليص الخيارات، وإضعاف قدرة الشركات الصغيرة على المنافسة.
وفي المقابل، فإن وجود رجل أعمال ذي علاقات أو صلات اجتماعية أو عائلية بمسئولين لا يكفي وحده لإثبات احتكار أو فساد، ما لم تكشف التحقيقات أو الأدلة عن استخدام تلك العلاقات للحصول على ميزة غير مشروعة.
لذلك، فإن القضية الأهم ليست فقط: من يبيع الآيفون في مصر؟ وإنما: هل يعمل سوق الهواتف وفق قواعد منافسة متساوية وشفافة، وهل تخضع الشركات الكبيرة والصغيرة للقواعد الرقابية نفسها؟
وفي بلد يواجه فيه المستهلك ارتفاعًا متواصلًا في تكلفة السلع والأجهزة، تصبح شفافية السوق ووضوح الرسوم وفعالية أجهزة حماية المنافسة عناصر أساسية، لا مجرد تفاصيل تنظيمية.
فالضرائب يمكن أن تكون جزءًا من سياسة الدولة الصناعية والمالية، والتصنيع المحلي يمكن أن يكون هدفًا مشروعًا، لكن نجاح السياسات الاقتصادية يُقاس في النهاية بمدى قدرتها على تحقيق توازن بين الإيرادات العامة، وتوطين الصناعة، والمنافسة، وحماية المستهلك من الأسعار غير المبررة والممارسات الاحتكارية.