في الوقت الذي تحدث فيه المنقلب السفيه، عبد الفتاح السيسي عن أن معايير التوظيف في مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية قد «استُبيحت»، تعود إلى الواجهة واقعة تعديل تشريعي أثارت، منذ عام 2022، تساؤلات حول شروط استمرار شقيقه الأكبر، المستشار أحمد سعيد حسين خليل السيسي، في رئاسة مجلس أمناء وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
فالواقعة لا تتعلق بمجرد تغيير في صياغة مادة قانونية، وإنما بتعديل طال تحديد الجهة أو الفئة التي يمكنها تولي رئاسة واحدة من الوحدات المعنية بمكافحة الجرائم المالية، في وقت كان شقيق السيسي يتولى بالفعل رئاسة مجلس أمنائها منذ عام 2016.
وتُظهر نصوص القانون أن المادة الثالثة من قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 خضعت لتعديل جوهري بموجب القانون رقم 154 لسنة 2022، إذ انتقل النص من اشتراط أن يرأس الوحدة "أحد أعضاء الهيئات القضائية" إلى اشتراط أن يكون رئيس مجلس الأمناء "أحد الخبرات القضائية" ممن لا تقل خبرته عن 15 عامًا في محكمة النقض أو إحدى محاكم الاستئناف.
من "عضو هيئة قضائية" إلى "خبرة قضائية"
قبل تعديل عام 2022، كانت المادة الثالثة من قانون مكافحة غسل الأموال تنص على إنشاء الوحدة بالبنك المركزي، وإلحاق عدد من الخبراء بها، مع إصدار قرار تشكيلها ونظام إدارتها من رئيس الجمهورية.
أما التعديل الجديد، فقد أنشأ للوحدة مجلس أمناء ونص صراحة على أن يرأسه "أحد الخبرات القضائية" الذي لا تقل مدة خبرته عن 15 عامًا في محكمة النقض أو إحدى محاكم الاستئناف.
وبذلك أصبح معيار شغل المنصب قائمًا على الخبرة القضائية وليس مجرد كون الشخص عضوًا عاملا في إحدى الهيئات القضائية.
وهذه النقطة تحديدًا كانت محور تقرير نشرته «مدى مصر» في أغسطس 2022، قبل أسابيع من انتهاء مدة تشكيل مجلس الأمناء آنذاك، واعتبر أن التعديل قد يسمح باستمرار أحمد سعيد خليل السيسي في رئاسة الوحدة حتى بعد خروجه من الخدمة القضائية.
شقيق السيسي في المنصب منذ 2016
كان أحمد سعيد حسين خليل السيسي قد تولى رئاسة مجلس أمناء وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في أكتوبر 2016، بقرار من رئيس الوزراء آنذاك شريف إسماعيل، وكان وقتها نائبًا لرئيس محكمة النقض.
ونص قرار تشكيل المجلس على أن يستمر التشكيل لمدة عامين، فيما أوردت وسائل إعلام مصرية رسمية وشبه رسمية في ذلك الوقت اسم أحمد سعيد خليل رئيسًا لمجلس الأمناء، مع الإشارة إلى صلته العائلية بالسيسي.
وكانت "مدى مصر" قد أشارت في تقريرها عام 2022 إلى أن مدة تشكيل المجلس كانت مقررة للانتهاء في 19 سبتمبر من ذلك العام، وأن التعديل التشريعي جاء قبل هذا الموعد بأسابيع، في وقت كان فيه أحمد خليل يقترب من سن التقاعد القضائي.
تعديل في توقيت شديد الحساسية
أصدر السيسي القانون رقم 154 لسنة 2022 بتعديل بعض أحكام قانون مكافحة غسل الأموال، ونُشر القانون رسميًا في يوليو من العام نفسه.
ولم يكن التعديل متعلقًا فقط بإعادة تنظيم عمل الوحدة، وإنما استبدل نص المادة الثالثة بالكامل، وأضاف تشكيلًا جديدًا لمجلس الأمناء، إلى جانب استحداث منصب المدير التنفيذي للوحدة.
أما النقطة الأكثر إثارة للجدل فكانت صياغة شرط رئيس مجلس الأمناء، التي أتاحت قانونيًا اختيار صاحب "الخبرة القضائية" حتى إذا لم يكن عضوًا حاليًا في إحدى الهيئات القضائية.
ومن هنا جاء تفسير "مدى مصر" بأن التعديل يمكن أن يسمح باستمرار شقيق السيسي في منصبه بعد انتهاء خدمته القضائية، وهو ما كان سيكون أكثر صعوبة في ظل الصياغة السابقة، بحسب التقرير.
لكن التعديل التشريعي، في حد ذاته، لا يثبت أن الغرض المعلن منه كان شخصيًا ضمان بقاء شقيق السيسي ؛ فالنص الرسمي لا يذكر أحمد خليل بالاسم، كما لم يظهر في المصادر الرسمية التي راجعناها ما يثبت وجود اعتراف حكومي بأن التعديل صُمم خصيصًا من أجله.
وهنا تكمن المسألة التي أثارتها الواقعة: هل كان تغيير معيار شغل المنصب تعديلًا عامًا لتطوير الإطار القانوني للوحدة، أم أن توقيته وسياقه جعلا منه عمليًا وسيلة لتمكين شاغل المنصب الحالي من الاستمرار؟
القانون لا يذكر «السيسي».. لكن الوقائع تربط بينهما
تكتسب الواقعة حساسية إضافية من كون رئيس مجلس الأمناء الذي استفاد عمليًا من الصياغة الجديدة هو نفسه شقيق رئيس الجمهورية.
ففي عام 2016، عندما صدر قرار تعيينه، كانت وسائل الإعلام المصرية تشير صراحة إلى أنه شقيق عبد الفتاح السيسي. كما نقلت "الوطن" وقتها عن مصدر قضائي أن اختياره جاء بناءً على خبرته القضائية في المجالات التجارية والبنكية، في محاولة لتفسير أسباب اختياره للمنصب.
وبالتالي فإن الجدل لا يدور حول وجود صلة عائلية فحسب، وإنما حول التقاء ثلاثة عناصر في توقيت واحد: شقيق السيسي يشغل المنصب بالفعل، ومدة تشكيل المجلس كانت تقترب من نهايتها، ثم جاء تعديل القانون ليغير معيار الأهلية لشغل رئاسة مجلس الأمناء.
من "معايير التوظيف" إلى سؤال تضارب المصالح
تعيد هذه الواقعة فتح ملف أوسع يتعلق بمعايير اختيار شاغلي المناصب العامة في مصر، خصوصًا عندما يكون المرشح أو شاغل المنصب من أقارب رأس السلطة.
فالجدل حول التعيين لم يبدأ في 2022؛ فمنذ الإعلان عن تولي أحمد خليل رئاسة وحدة مكافحة غسل الأموال عام 2016، أثار وجود شقيق السيسي في موقع ذي طبيعة رقابية ومالية تساؤلات حول تضارب المصالح، رغم أن مسؤولًا قضائيًا وقتها قال إن الاختيار استند إلى خبرته القضائية.
وتكتسب وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أهمية خاصة بحكم طبيعة اختصاصها، إذ تعمل داخل البنك المركزي وتختص بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويضم مجلس أمنائها ممثلين عن النيابة العامة والبنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية وغيرها من الجهات.
"معايير استُبيحت".. وواقعة تستحق إعادة الفحص
حديث السيسي عن «استباحة» معايير التوظيف يفتح، في المقابل، الباب أمام إعادة النظر في الوقائع التي شهدت تغييرًا في قواعد شغل المناصب العامة، خاصة عندما يأتي تعديل تشريعي ليغير شروط المنصب الذي يشغله بالفعل أحد أقارب رئيس الجمهورية.
والسؤال هنا ليس فقط: هل كان تعديل المادة الثالثة قانونيًا؟
فالإجابة من الناحية الشكلية واضحة؛ التعديل صدر بقانون رسمي وأصبح جزءًا من التشريع المصري.
لكن السؤال الأوسع هو: لماذا تغيرت الصياغة في ذلك التوقيت تحديدًا، ومن استفاد عمليًا من تغييرها؟
وحتى الآن، تكشف المصادر التي تناولت الواقعة عن التزامن بين تعديل القانون واستمرار شقيق السيسي في رئاسة الوحدة، لكنها لا تقدم دليلًا علنيًا قاطعًا يثبت أن الهدف الوحيد أو المعلن للتعديل كان تمكين شخص بعينه.
صافي وهبة.. واقعة أخرى تثير أسئلة القرابة والمصالح
ولا تقف الأسئلة حول تداخل دوائر السلطة والمصالح عند حالة شقيق السيسي.
ففي تقرير حديث، تناول موقع "صحيح مصر" توسع نشاط رجل الأعمال صافي وهبة في قطاعات مرتبطة بتجارة وتوزيع السيارات والهواتف، وأشار إلى ارتباطه بعائلة السيسي من خلال زواج نجله محمد من مريم، ابنة المستشار أحمد السيسي، شقيق السيسي، عام 2018.
وفي أحدث تقرير للموقع حول سوق هواتف "آيفون 18"، تناول "صحيح مصر" حصول شركة مرتبطة بصافي وهبة على حق إدارة أفرع شركة ABM، الموزع المعتمد لمنتجات «آبل» في مصر والخليج والعراق، مع الإشارة إلى توسع نشاط وهبة في هذا القطاع.
لكن الربط بين هذه المصالح التجارية وبين قرارات حكومية بعينها يظل بحاجة إلى أدلة مستقلة ومباشرة، ولا يكفي فيه مجرد وجود علاقة مصاهرة أو تزامن زمني.
من يحدد المعايير؟
في النهاية، تعيد هذه الوقائع طرح السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحًا مع حديث السلطة نفسها عن معايير الاختيار والتوظيف: هل تُوضع القواعد العامة أولًا ثم يُختار الأشخاص على أساسها، أم يجري تعديل القواعد بما يسمح باستمرار أشخاص يشغلون المناصب بالفعل؟
في حالة وحدة مكافحة غسل الأموال، الثابت قانونيًا أن المادة الثالثة تغيرت عام 2022، وأن الصياغة الجديدة انتقلت من "أحد أعضاء الهيئات القضائية" إلى "أحد الخبرات القضائية" ممن يمتلكون خبرة لا تقل عن 15 عامًا في النقض أو الاستئناف.
والثابت كذلك أن أحمد سعيد خليل، شقيق السيسي ، كان يتولى رئاسة مجلس أمناء الوحدة منذ 2016، وأن تقارير صحفية في 2022 ربطت بين التعديل وإمكانية استمرار رئاسته للمنصب بعد خروجه من الخدمة القضائية.
أما ما إذا كان التعديل قد صُمم أصلًا لضمان بقائه، فذلك يظل استنتاجًا سياسيًا يحتاج إلى قرائن ووثائق إضافية، وليس حقيقة يمكن إثباتها من نص القانون وحده.
وهنا تظل المفارقة قائمة: في الوقت الذي يُطرح فيه حديث رسمي عن ضرورة استعادة معايير التوظيف، فإن ملفًا يعود إلى أربع سنوات يطرح بدوره سؤالًا عن حدود العلاقة بين القانون، والمنصب، والقرابة، وتغيير القواعد أثناء وجود شاغل بعينه في موقعه.