مع التوسع المتسارع في إنشاء الجامعات الأهلية منذ الانقلاب العسكرى لحرمان المصريين من التعليم العالى المجانى ، برزت تساؤلات داخل الأوساط الأكاديمية حول طبيعة إدارة هذه المؤسسات وآليات اختيار قياداتها، خصوصًا في ظل اختلاف الإطار القانوني الذي يحكم الجامعات الأهلية عن ذلك المنظم للجامعات الحكومية.
وتتركز إحدى أبرز الإشكاليات حول تولي رئيس الجامعة الحكومية رئاسة جامعة أهلية تابعة لها في الوقت نفسه، وما قد يترتب على ذلك من تداخل في الاختصاصات وتضارب محتمل في المصالح، فضلًا عن التساؤلات المتعلقة بمدى قدرة رئيس واحد على إدارة مؤسستين جامعيتين بكفاءة وتفرغ كامل.
توسع في الجامعات الأهلية واختلاف في الإطار القانوني
جاء التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية باعتباره أحد مسارات زيادة الطاقة الاستيعابية للتعليم العالي، مع تقديم نموذج تعليمي يستهدف الاقتراب من المعايير الدولية، وتقليل الضغط على الجامعات الحكومية.
وفي الوقت الذي تخضع فيه الجامعات الحكومية لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، تخضع الجامعات الخاصة والأهلية لأحكام قانون الجامعات الخاصة والأهلية رقم 12 لسنة 2009.
وينص الإطار المنظم للجامعات الخاصة والأهلية على أن مجلس الأمناء يتولى تعيين رئيس الجامعة ونوابه وأمينها العام لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، وبعد موافقة وزير التعليم العالي، مع اشتراط أن يكون رئيس الجامعة مصريًا.
ويشكل اختلاف الإطار القانوني بين النوعين من الجامعات أحد محاور النقاش بشأن طبيعة العلاقة بين الجامعات الحكومية والجامعات الأهلية التابعة لها، خصوصًا فيما يتعلق باستقلالية القرار الإداري والأكاديمي لكل مؤسسة.
هل يجمع رئيس واحد بين جامعتين؟
أثارت ظاهرة تولي بعض رؤساء الجامعات الحكومية رئاسة جامعات أهلية تابعة لها في الوقت نفسه نقاشًا داخل الأوساط الأكاديمية.
وأشار أكاديميون، من بينهم أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس الدكتور فتحي الشرقاوي، إلى أن الجمع بين رئاسة جامعتين تخضعان لأطر تنظيمية مختلفة قد يثير مخاوف تتعلق بتضارب المصالح وتداخل الأدوار.
وتتمثل إحدى الإشكاليات في احتمال وجود قرارات أو تعاملات مشتركة بين المؤسستين، بينما يكون الشخص نفسه مسئولًا عن إدارة كل منهما، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى الفصل بين المصالح والاختصاصات، حتى في حال عدم ثبوت وجود تعارض فعلي في المصالح.
ولا تقتصر المخاوف على الجانب القانوني أو الإداري، إذ يرى منتقدون لهذا النموذج أن إدارة جامعتين في الوقت نفسه قد تحد من قدرة الرئيس على متابعة التفاصيل اليومية لكل مؤسسة، في ظل احتياج العمل الجامعي إلى متابعة مستمرة للملفات الأكاديمية والإدارية والمالية والبحثية.
كما أن توزيع مهام الإدارة على النواب والمساعدين بصورة أكبر، نتيجة تعدد مسؤوليات الرئيس، قد يوسع المسافة بين القيادة العليا والتنفيذ اليومي داخل الجامعة.
الحوكمة والفصل بين الاختصاصات
يتصل الجدل بشأن ازدواج رئاسة الجامعات بمفهوم الحوكمة في مؤسسات التعليم العالي، خصوصًا فيما يتعلق باستقلالية القرار الإداري والمالي والأكاديمي.
فوجود قيادة مستقلة ومتفرغة لكل جامعة يتيح، من الناحية الإدارية، وضوحًا أكبر في المسئوليات والمساءلة، ويقلل من احتمالات تداخل الاختصاصات بين المؤسسات المختلفة.
وفي المقابل، فإن وجود رئيس واحد على رأس جامعتين قد يوفر قدرًا من التنسيق المؤسسي، لكنه يطرح في الوقت ذاته أسئلة حول حدود هذا التنسيق، ومدى تأثيره في استقلال كل جامعة وقدرتها على اتخاذ قراراتها وفق احتياجاتها الخاصة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى اتجاه نحو تقليل الاعتماد على نموذج الجمع بين رئاسة الجامعتين، مع تعيين قيادات مستقلة لعدد متزايد من الجامعات الأهلية.
لجنة لاختيار رؤساء الجامعات الأهلية
وفي إطار تنظيم عملية اختيار القيادات، شكَّلت وزارة التعليم العالي لجنة متخصصة لاختيار رؤساء الجامعات الأهلية. وترأس اللجنة الدكتور أشرف عبد الباسط، رئيس جامعة المنصورة سابقًا، وضمت في عضويتها الدكتور عمرو عدلي، نائب وزير التعليم العالي سابقًا ورئيس الجامعة المصرية اليابانية سابقًا، والدكتور رشدي زهران، رئيس جامعة الإسكندرية سابقًا.
وجاء تشكيل اللجنة في ضوء الأطر القانونية المنظمة للتعليم الجامعي، وفي مقدمتها قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، وقانون الجامعات الخاصة والأهلية رقم 12 لسنة 2009، إلى جانب القرارات المنظمة لعمل مجلس الجامعات الأهلية وآليات اختيار القيادات.
ويعكس اختيار شخصيات سبق لها تولي رئاسة جامعات حكومية كبرى توجهًا نحو الاستفادة من الخبرات الإدارية والأكاديمية في إدارة مؤسسات التعليم العالي، مع وضع آلية أكثر تخصصًا لاختيار رؤساء الجامعات الأهلية.
مشروع تطويري ومعايير للمفاضلة
ولا تتعلق عملية اختيار رئيس الجامعة بالخبرة الأكاديمية وحدها، إذ تتضمن آليات اختيار رؤساء الجامعات الحكومية تقديم المرشحين لمشروعات لتطوير جامعاتهم في المجالات الأكاديمية والبحثية والإدارية.
وبحسب هذا التصور، يمكن أن تشمل معايير اختيار رئيس الجامعة الأهلية الخبرة الأكاديمية والإدارية، والقدرة على إدارة مؤسسة تعليمية كبيرة، إلى جانب امتلاك رؤية واضحة لتطوير الجامعة وتعزيز البحث العلمي وجودة العملية التعليمية.
كما يبرز معيار التفرغ بوصفه أحد الملفات المرتبطة بالنقاش حول ازدواج المناصب، إذ إن الفصل بين رئاسة الجامعات يتيح تحديد المسئوليات بصورة أكثر وضوحًا، ويضمن وجود قيادة متاحة لمتابعة الملفات اليومية لكل مؤسسة.
وتبرز كذلك أهمية وجود قواعد واضحة وشفافة فيما يتعلق بالرواتب والمكافآت والحوافز والمزايا المالية للقيادات، إلى جانب وضوح الصلاحيات والمسؤوليات، بما يحد من أي التباس بشأن ازدواج المناصب أو الاستحقاقات المالية المرتبطة بها.
استقلالية الجامعات الأهلية أمام اختبار الحوكمة
يضع التوسع في الجامعات الأهلية منظومة التعليم العالي أمام تحدٍ لا يتعلق بعدد الجامعات أو أعداد الطلاب فقط، وإنما بكيفية إدارة هذه المؤسسات وضمان استقلال قراراتها.
ويظل الفصل الواضح بين المسئوليات والاختصاصات أحد العناصر الأساسية في بناء نظام حوكمة قادر على تحقيق المساءلة والشفافية، خصوصًا مع زيادة عدد الجامعات الأهلية وتنوع هياكلها الإدارية.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير آليات اختيار رؤساء الجامعات الأهلية لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل يرتبط بصورة أوسع بمستقبل استقلالية هذه الجامعات، ومدى قدرتها على بناء قيادات متفرغة تمتلك رؤية واضحة للتطوير الأكاديمي والبحثي والإداري.
وبينما يُمثل تشكيل لجنة متخصصة لاختيار رؤساء الجامعات الأهلية خطوة باتجاه تنظيم عملية اختيار القيادات، فإن فاعلية هذه الآلية ستظل مرتبطة بمعايير الاختيار ومدى وضوحها، وشفافية تطبيقها، وحدود استقلال الجامعات في مواجهة أي تداخل محتمل في الاختصاصات.