أرض “مصانع المحلة” تتحول إلى مشروع عقاري.. 23 مليار جنيه مقابل التخلي عن ذاكرة الصناعة

- ‎فيتقارير

في خطوة تفتح الباب أمام جدل واسع حول مستقبل الأصول الصناعية في مصر، وافق مجلس الوزراء على مشاركة صندوق التنمية الحضرية مع شركة "دلتا كابيتال للتطوير العقاري"، التابعة لعدد من تجار الأراضي وشركاء في دولة الإمارات، لإقامة مشروع عمراني متكامل على أرض كانت مخصصة لسكن العاملين بشركة مصر للغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى.

وتعود الأرض إلى ما يُعرف بـ"مستعمرة عمال المحلة"، التي ارتبطت لعقود بشركة غزل المحلة وبالنسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة العمالية، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى صندوق التنمية الحضرية، ليصبح الصندوق شريكًا في المشروع العقاري المزمع إقامته على الأرض.

وبحسب بيان مجلس الوزراء، تمت الموافقة على المشروع بنظام الشراكة في إيرادات المشروع، فيما حصلت الشركة الخاصة على الموافقة لبدء العمل اعتبارًا من 27 أغسطس الماضي.

من "سكن مصر" إلى مشروع استثماري

وتكشف تفاصيل القرار عن تغيير جوهري في الغرض المخصص للأرض؛ إذ كانت مخصصة ضمن مشروع "سكن مصر" لإعادة توطين أسر العاملين الذين أحيلوا إلى التقاعد أو المعاش المبكر، إلى جانب الأسر الأكثر احتياجًا، قبل أن يجري تعديل قرار التخصيص وتحويلها إلى مشروع استثماري عقاري.

وتبرر الحكومة الخطوة بالسعي إلى تحقيق عوائد مالية من استغلال الأرض، التي تبلغ مساحتها نحو 47.96 فدان، إذ تشير التقديرات الرسمية إلى إمكانية تحقيق مبيعات تصل إلى نحو 23 مليار جنيه من المشروع.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتحمل فيه الدولة أعباء مالية ضخمة لإعادة هيكلة وتحديث صناعة الغزل والنسيج، بينما لم تكشف البيانات الرسمية المنشورة عن قيمة المقابل الذي حصلت عليه شركة غزل المحلة نظير انتقال الأرض إلى صندوق التنمية الحضرية.

وتشير البيانات الواردة إلى أن الحكومة اقترضت نحو 23 مليار جنيه، بضمان مصانع المحلة، من مؤسسات صينية وأوروبية ومحلية، بهدف إعادة بناء صناعة الغزل والنسيج وتحديثها، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى التخلي في الوقت نفسه عن أراضٍ مرتبطة تاريخيًا بالصناعة والعاملين بها وتحويلها إلى نشاط عقاري.

 ضربة جديدة للصناعة

ووصف عضو مجلس النواب عن حزب التجمع، عاطف المغاوري، القرار بأنه يمثل، من وجهة نظره، إحدى الضربات القاسية الموجهة إلى قطاع الصناعة في مصر، معتبرًا أن الدولة تخلت عن أرض مرتبطة بتاريخ الصناعة لصالح مطور عقاري، مقابل حصة من مبيعات لم تتضح قيمتها النهائية بعد، وإنما تستند إلى توقعات تصل إلى نحو 23 مليار جنيه، بما يعادل نحو 451 مليون دولار.

وقال المغاوري: "إن القضية لا تتعلق بمجرد قطعة أرض يمكن تحويلها إلى مشروع سكني، مؤكدًا أن المحلة الكبرى "مدينة عمالية" نشأت وتطورت حول الصناعة، وأن مستقبلها يجب أن يرتبط بإحياء قاعدتها الإنتاجية، وفي مقدمتها صناعة الغزل والنسيج".

وأضاف: "المحلة مدينة عمالية، وليست مدينة طبقية"، معتبرًا أن تطوير المدينة ينبغي أن يبدأ من مصانعها وعمالها، وليس من تحويل أراضيها إلى مشروعات سكنية.

وشدد النائب على أن الحديث عن تطوير صناعة الغزل والنسيج في المحلة لا يمكن فصله عن توفير فرص العمل وإعادة بناء القاعدة الصناعية، داعيًا إلى توجيه الاستثمارات نحو تطوير الصناعة، بدلًا من الاكتفاء بإقامة مشروعات عقارية.

وانتقد المغاوري الفجوة بين الخطاب الرسمي حول التصنيع والتنمية والنمو وبين ما يجري تنفيذه على الأرض، معتبرًا أن السياسات المطبقة، بحسب وصفه، "ليس لها أي أدنى صلة بالتصنيع ولا بالزراعة".

كما حذر من تداعيات ارتفاع المديونية المصرية على مصانع المحلة والموازنة العامة للدولة، معربًا عن مخاوفه من أن تتحول أزمة الديون إلى مبرر للتصرف في أصول ذات قيمة اقتصادية وتاريخية.

وربط المغاوري بين أزمة المديونية وما وصفه بالتحركات المرتبطة برأس المال والاستحواذ على المصانع والشركات، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يضعف قدرة الدولة على الحفاظ على أصولها وقاعدتها الإنتاجية.

وأكد أن "الدول لا تتقدم بالقرارات الحسنة وبالتمنيات والرغبات الشخصية"، وإنما تتقدم من خلال سياسات تحافظ على سيادتها الوطنية وقرارها الوطني، مشددًا على أن معالجة أزمة الديون لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتفريط في الأصول أو القدرات الإنتاجية.

خبيرة اقتصادية: الصناعة تواجه القتل البطيء 

من جانبها، اعتبرت الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي أن الصفقة تمثل، بحسب تقديرها، إحدى الوسائل التي ساهمت في تراجع صناعة الغزل والنسيج، قائلة: "إن الصناعة لم تمت فجأة، ولم تنتحر، وإنما قُتلت ببطء، نتيجة سياسات وإدارة لم تنجح في حماية القطاع".

وقالت المرشدي: "إن قطاع الغزل والنسيج لم يكن يومًا قطاعًا هامشيًا، مشيرة إلى ارتباطه بقاعدة عمالية واسعة وسلسلة إنتاج تمتد من القطن إلى المنتج النهائي."

وأضافت أن السياسات الاقتصادية، وفق رؤيتها، أدت إلى تراجع عدد مصانع الغزل والنسيج من نحو 1200 مصنع إلى نحو 400 مصنع، بما يمثل، بحسب تقديراتها، خسارة كبيرة من الطاقة الإنتاجية للبلاد، فضلًا عن خسائر رأسمالية تقدر بما بين 8 و12 مليار دولار.

وانتقدت المرشدي التوسع في الواردات بالتزامن مع الضغوط التي تواجهها المصانع المحلية، معتبرة أن تحويل الأراضي الصناعية أو المرتبطة بالصناعة إلى مشروعات عقارية يطرح تساؤلات حول طبيعة الأولويات الاقتصادية للدولة.

من مصانع الغزل إلى العقارات

وتزداد حساسية القرار بالنظر إلى هوية الشركة التي ستشارك في تطوير الأرض.

فبحسب تقارير صحفية، تأسست شركة «دلتا كابيتال» عام 2015 على يد مجموعة من كبار تجار الأراضي في منطقة الدلتا، بهدف إقامة مشروعات سكنية، وتمكنت من تنفيذ نحو 2000 وحدة سكنية في مدينة المنصورة الجديدة، بإجمالي مبيعات بلغ نحو 4 مليارات جنيه.

وفي أبريل 2026، أعلنت الشركة شراكة مع شركة "الإمارات جلوبال"، التابعة لمجموعة NCE الإماراتية للعقارات، لإطلاق مشروعات متعددة الاستخدامات باستثمارات تقديرية تصل إلى 500 مليون دولار.

كما لم تكن الشركة مدرجة في البورصة المصرية، بعد تعديل مقرها من المنصورة إلى محافظة الغربية في يونيو 2025، وهي المحافظة التي تقع فيها مدينة المحلة الكبرى وأرض المشروع.

"مستعمرة العمال".. أكثر من 200 ألف متر مربع

وتكتسب الأرض أهمية تتجاوز قيمتها الاستثمارية، بالنظر إلى ارتباطها بتاريخ مدينة المحلة الكبرى وشركة غزل المحلة وسكن العاملين بها.

وتبلغ مساحة الأرض نحو 202 ألف متر مربع، أي ما يقرب من 48 فدانًا، وكانت جزءًا من النسيج العمراني والاجتماعي الذي تشكل حول واحدة من أقدم وأكبر القلاع الصناعية في صناعة الغزل والنسيج المصرية.

وبينما تقدم الحكومة المشروع باعتباره وسيلة لتحقيق عائد مالي من أصل عقاري، يطرح القرار سؤالًا أوسع حول طبيعة السياسة الاقتصادية للدولة: هل الأولوية هي تعظيم العائد السريع من بيع أو تطوير الأصول، أم الحفاظ على الأصول المرتبطة بالقاعدة الإنتاجية وإعادة توظيفها في خدمة الصناعة والعمالة؟

وفي حالة "مستعمرة عمال المحلة"، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا؛ فالدولة تقترض مليارات الجنيهات لإعادة هيكلة وتحديث صناعة الغزل والنسيج، بينما تتحول أرض ارتبطت بهذه الصناعة وعمالها لعقود إلى مشروع سكني استثماري.

وبذلك لا تصبح القضية مجرد صفقة عقارية بقيمة مبيعات متوقعة تبلغ 23 مليار جنيه، وإنما اختبارًا لطريقة تعامل الدولة مع أصول الصناعة القديمة: هل تُستخدم لإعادة بناء القاعدة الإنتاجية، أم تتحول تدريجيًا إلى مصادر لتمويل الخزانة عبر الاستثمار العقاري؟