بين رفض بيع الإسكندرية للحاويات و”عفو” عن عبدالرحمن القرضاوي.. هل ترد أبوظبي على القاهرة قلمها بقلمين

- ‎فيتقارير

هل العفو عن الشاعر عبد الرحمن القرضاوي مقابل «الإسكندرية للحاويات»؟ يجب المراقبون ومنصات الذكاء أنه حتى الآن، لا توجد أدلة علنية تسمح بالقول: "إن القاهرة رفضت بيع حصتها في الإسكندرية للحاويات مقابل حصولها على عفو عن عبد الرحمن القرضاوي، أو أن أبوظبي اشترطت الاستحواذ على الشركة مقابل أي موقف سياسي".

ولكن برأي مراقبين أنه تزامن يستحق الرصد، ففي 3 سبتمبر جاء الإعلان عن تمسك الجهات الحكومية المصرية بحصصها في «الإسكندرية للحاويات»، وفي اليوم التالي  4 سبتمبر 2026 صدر العفو الرئاسي الإماراتي عن القرضاوي، بعد أن كان قد حُكم عليه قبل أيام فقط بالسجن عشر سنوات.

والقراءة الأكثر تحفظاً هي أن الحدثين قد يكونان منفصلين، لكنهما وقعا في لحظة تشهد فيها العلاقات المصرية الإماراتية إعادة تفاوض صامتة على الاستحواذات والنفوذ والالتزامات المتبادلة.

 

فالقاهرة تملك أوراقاً من بينها التحكم في أصول استراتيجية ورفض منح المستثمرين الأجانب سيطرة كاملة عليها، بينما تملك أبو ظبي أدوات اقتصادية واستثمارية وسياسية واسعة، فضلاً عن قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية في ملفات حساسة مثل قضية القرضاوي.

https://x.com/swah_30/status/2095854167612932184

التحالف بلا شروط

لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت هناك شيئا غير معلن بين عفو عن عبد الرحمن يوسف القرضاوي مقابل موقف السيسي وحكومته من شركة الإسكندرية للحاويات، إذ لا دليل علنياً على ذلك حتى الآن، وإنما ما إذا كانت العلاقة المصرية الإماراتية تدخل مرحلة جديدة يجري فيها إعادة تحديد ثمن التحالف وحدوده.

وأصدر محمد بن زايد آل نهيان، عفواً رئاسياً عن الشاعر والناشط السياسي عبد الرحمن يوسف القرضاوي، بعد أيام من صدور حكم محكمة أبو ظبي الاتحادية الاستئنافية بحقه بالسجن عشر سنوات وتغريمه 200 ألف درهم، وأعلنت وكالة أنباء الإمارات أن الإجراءات اللازمة لتنفيذ العفو قد اتُّخذت.

ويأتي القرار في قضية شديدة الحساسية بالنسبة إلى العلاقات المصرية الإماراتية، خصوصاً أن القرضاوي كان قد سُلّم إلى الإمارات من لبنان في يناير 2025، بينما كانت مصر تطالب أيضاً بتسليمه، ولذلك فإن العفو الرئاسي يفتح مجدداً ملفاً أوسع يتعلق بتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية بين أبوظبي والقاهرة، وإن كان لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن قرار العفو جاء في إطار صفقة مباشرة مع مصر.

الإسكندرية للحاويات

تطور اقتصادي لافت لا يفصله عن "العفو" سوى ساعات، ففي 3 سبتمبر أعلنت شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع تلقيها خطابات رسمية من الهيئة العامة لميناء الإسكندرية والشركة القابضة للنقل البحري والبري تؤكدان عدم رغبتهما في بيع أسهمهما في الشركة ضمن العرض الإماراتي المحتمل.

وكانت شركة «بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدنج»، التابعة لمجموعة موانئ أبو ظبي، تمتلك نحو 19.32% من الشركة، وتسعى إلى الاستحواذ على النسبة المكملة للوصول إلى 90%، في عرض بلغ سعره 27.47 جنيهاً للسهم، مقابل 22.99 جنيهاً في العرض السابق، بزيادة تقارب 19.5%.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز الحسابات المالية للصفقة، لأن «الإسكندرية للحاويات» تعمل في ميناءي الإسكندرية والدخيلة، وبالتالي فإن انتقال أغلبية الشركة إلى مستثمر إماراتي كان سيمنح الطرف الإماراتي موقعاً أكثر رسوخاً في أحد أهم الأصول اللوجستية المصرية، ومن هنا يمكن قراءة تمسك الجهات الحكومية المصرية بحصصها باعتباره تمسكاً بالسيطرة على أصل ذي طبيعة استراتيجية، وليس مجرد رفض لعرض مالي.

 

من «مسافة السكة» إلى اختبار التحالف

 

ولا تأتي هذه التطورات في فراغ سياسي، فقد تعرضت العلاقة المصرية الإماراتية خلال الأشهر الماضية لاختبار واضح على خلفية التصعيد الإقليمي مع إيران، فمصر حرصت رسمياً على إعلان تضامنها مع الإمارات، لكن ذلك لم يمنع ظهور نقاش خليجي واسع حول حدود الالتزام المصري، ولا سيما عند استدعاء العبارة الشهيرة التي أطلقها عبد الفتاح السيسي في سنوات سابقة، "مسافة السكة"، للدلالة على استعداد مصر للوقوف إلى جانب دول الخليج في حال تعرضها لتهديد مباشر.

 

وفي خضم المواجهة مع إيران، بدا الفارق بين التضامن السياسي وبين الدخول العسكري المباشر أكثر وضوحاً، وهو ما فتح الباب أمام انتقادات وسخرية من بعض الحسابات الخليجية الاماراتية والكويتية المدفوعة تجاه القاهرة، وصلت في بعض الحالات إلى التذكير بالمساعدات والاستثمارات الخليجية التي حصلت عليها مصر خلال عهد السيسي.

 

«تريليون دولار».. حين تحولت المساعدات إلى «فاتورة سياسية»

 

وكان التطور الأكثر لفتاً للانتباه في هذا السياق تغريدة جمال سند السويدي، المستشار الإماراتي المعروف بقربه من دوائر صنع القرار في أبو ظبي، ومن محمد بن زايد شخصيا في 14 أبريل 2026، عندما كتب أن دولة عربية واحدة حصلت من دول الخليج خلال 15 عاماً على أكثر من تريليون دولار، ثم "وقفت مع العدو الغاشم الإيراني"، متسائلاً: "لماذا؟".

 

ورغم أن السويدي لم يسمِّ مصر صراحة في التغريدة، فإنها فُهمت على نطاق واسع باعتبارها تشير إلى القاهرة، خصوصاً مع ما تبعها من سجال على مواقع التواصل وتغريدات وتعليقات من حسابات إماراتية أخرى اتجهت إلى تسمية مصر بصورة أكثر مباشرة.

 

وتكمن أهمية تغريدة السويدي في أنها لم تكن هجوماً شخصياً على السيسي، بل حملت رسالة سياسية مختلفة وأكثر حساسية: تحويل الدعم الخليجي لمصر إلى حساب سياسي يجري استدعاؤه عند اختلاف المواقف الإقليمية، كما أن استخدام رقم يتجاوز تريليون دولار منح السجال بعداً غير مسبوق، حتى مع ضرورة التأكيد أن هذا الرقم هو رقم أورده السويدي في سياق حديثه، وليس رقماً موثقاً يثبت أن الإمارات وحدها قدمت لمصر تريليون دولار.

 

وبهذا المعنى، كان خطاب السويدي أقرب إلى المعايرة السياسية منه إلى الهجوم على السيسي: تذكير القاهرة بحجم ما قدمه الخليج، والإيحاء بأن الدعم المالي يفترض مقابلاً في المواقف السياسية والأمنية.

فتغريدة السويدي عن أكثر من تريليون دولار قدمت للمرة الأولى تقريباً خطاباً علنياً واضحاً عن فاتورة الدعم الخليجي لمصر، ثم جاءت انتقادات إماراتية أخرى لموقف القاهرة من إيران، وفي الجانب الآخر، تمسكت مصر بحصصها الحكومية في شركة موانئ استراتيجية رغم عرض إماراتي مرتفع، بينما صدر من أبوظبي عفو رئاسي عن شخصية كانت قضيتها تمثل نقطة حساسة مع القاهرة.

 

لغة العقاب والمراجعة

 

تزداد دلالة هذا التحول إذا استُعيدت خلفية العلاقة منذ 2013، فقد كانت الإمارات واحدة من أبرز الداعمين السياسيين والاقتصاديين للنظام المصري بعد عزل محمد مرسي، ثم تطورت العلاقة إلى شراكة اقتصادية واستثمارية واسعة، وفي السنوات التالية أصبحت الإمارات لاعباً كبيراً في قطاعات العقارات والموانئ واللوجستيات والسياحة والطاقة وغيرها.

 

لكن خطاب «تريليون دولار» كشف وجهاً آخر للعلاقة: فبدلاً من تقديم الدعم باعتباره تضامناً عربياً غير مشروط، بدأ بعض الخطاب الإماراتي يتعامل معه باعتباره استثماراً يفترض أن تكون له انعكاسات على السلوك السياسي المصري.

 

ومن هنا ظهرت، بالتوازي مع تغريدة السويدي، أصوات إماراتية طالبت بمراجعة الدعم المقدم للقاهرة أو معاقبة مصر على مواقفها، وهو ما نقل السجال من مستوى الاختلاف في الموقف من إيران إلى سؤال أكبر حول طبيعة العلاقة بين البلدين: هل القاهرة حليف سياسي مستقل، أم أن الدعم الاقتصادي الإماراتي يمنح أبوظبي حقاً في توقع مواقف سياسية محددة منها؟

 

«مراسي».. الاستثمار الإماراتي نفوذ

 

وفي مسار آخر، برزت أزمة مراسي، لتكشف حساسية مختلفة في العلاقة، فقد تصاعد الخلاف بين ملاك وحدات في العلمين ريزيدنس وشركة إعمار مصر حول استخدام مرافق الفندق والشاطئ والرسوم والعضويات والقيود المفروضة على دخول الملاك وضيوفهم، قبل أن تتخذ الأزمة أبعاداً قانونية وإعلامية.

 

الأهم سياسياً أن بعض الملاك لم يتعاملوا مع الأزمة باعتبارها نزاعاً تجارياً مع شركة عاملة في مصر فقط، وإنما خاطبوا القيادة الإماراتية، وطالبوا محمد بن زايد بالتدخل في مواجهة شركة إعمار ورجل الأعمال الإماراتي محمد العبار. وهو ما يعكس مدى تشابك رأس المال الإماراتي مع الحياة الاقتصادية المصرية، بحيث أصبح بعض المستثمرين المصريين يرون في القيادة السياسية الإماراتية جهة قادرة على التدخل في نزاع يتعلق باستثمار إماراتي داخل مصر.

 

ولا يعني ذلك أن أزمة «مراسي» تمثل عقوبة إماراتية للقاهرة، لكنها تكشف شيئاً أكثر أهمية: الحضور الإماراتي في مصر لم يعد مقتصراً على المساعدات أو الودائع، وإنما أصبح مرتبطاً بملكية وإدارة أصول ومشروعات ذات وزن اقتصادي واجتماعي كبير.

وبحسب مراقبين لا يعتبر رفض القاهرة الاستحواذ على غالبية الإسكندرية للحاويات تحولاً استراتيجياً ضد الإمارات، بقدر ما قد يعكس محاولة مصر رسم خط فاصل بين الاستثمار الإماراتي المرحب به وبين السيطرة الإماراتية على أصول تراها الدولة المصرية استراتيجية.

والسيسي ومحمد بن زايد، يبدو أنه تحالف شديد العمق تحكمه في الوقت نفسه مساومات ومصالح متعارضة وحدود نفوذ يجري اختبارها، وقد تكون قضية القرضاوي ورفض الاستحواذ على الإسكندرية للحاويات  مجرد حدثين متزامنين، وقد يكونان جزءاً من تفاوض أوسع؛ والفصل بين الاحتمالين يحتاج إلى أدلة إضافية، خصوصاً ما يتعلق بالاتصالات السياسية بين القاهرة وأبوظبي والقرارات التي ستتخذها الدولتان في ملفات الاستثمار والموانئ والملفات الأمنية خلال المرحلة المقبلة، على ما يبدو.