“أين هم؟”.. الاختفاء القسري بين ألم الأسر وإنكار سلطات الانقلاب

- ‎فيحريات

بالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يوافق  الأحد الماضى ،30 أغسطس، أطلقت منظمة عدالة لحقوق الإنسان (JHR) حملة حقوقية بعنوان «أين هم؟»، تحت شعار «ليسوا غائبين بل مغيبون»، لتسليط الضوء على ملف آلاف المصريين الذين تقول منظمات حقوقية إنهم تعرضوا للاختفاء القسري خلال السنوات الماضية.

وتسعى الحملة إلى إعادة قضية المختفين قسراً إلى الواجهة، في ظل استمرار أسر كثيرة في البحث عن إجابات بشأن مصير ذويها، وعدم معرفة أماكن احتجازهم أو أسباب اختفائهم، بينما تؤكد منظمات حقوقية أن الاختفاء القسري لم يعد مجرد وقائع فردية، وإنما تحول إلى نمط متكرر من الانتهاكات.

وقالت المنظمة إن الاختفاء القسري في مصر أصبح، بحسب توصيفها، «نهجاً مؤسسياً» يحرم الأشخاص من الحماية القانونية، ويترك أسرهم في حالة مستمرة من القلق وعدم اليقين، معتبرة أن استخدام هذه الممارسة لا يقتصر أثره على الشخص المختفي، وإنما يمتد إلى أسرته والمجتمع المحيط به.

وتطالب حملة «أين هم؟» بالكشف الفوري عن أماكن المحتجزين قسراً ومصيرهم، وتمكينهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وإحالتهم إلى جهات قضائية مستقلة أو الإفراج عنهم، إلى جانب فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في بلاغات الاختفاء القسري ومحاسبة المسؤولين عنها.

 

كريم.. ثلاثة أسابيع خارج الزمن

في قرية هادئة بمحافظة المنوفية، تبدلت حياة كريم، الطالب الذي كان يبلغ من العمر 15 عاماً، بعد مكالمة هاتفية من جهة أمنية، وفق رواية أسرته. تلقى الفتى أمراً بمغادرة كل شيء والتوجه إلى محطة القطار بدلاً من الذهاب إلى امتحاناته، مع تحذير من إبلاغ أسرته بما يحدث. ومنذ تلك اللحظة، اختفى كريم عن أنظار عائلته.

ثلاثة أسابيع كاملة لم تعرف خلالها الأسرة مكان وجوده أو ما الذي تعرض له. لم تكن هناك معلومة رسمية تطمئن والديه، ولا إجابة واضحة عن سبب غيابه، بينما تحولت الأيام إلى انتظار ثقيل وأسئلة لا تجد طريقها إلى إجابة.

وبحسب الرواية التي أوردتها المنظمة، لم يعد كريم إلى منزله من خلال مسار قانوني معلن، وإنما بعد تدخلات لدى جهات عليا، إذ لجأ والده إلى طرق أبواب مجلس الوزراء، قبل أن يُعثر على الفتى لاحقاً في أحد أحياء القاهرة، منهكاً وصامتاً.

عاد كريم إلى منزله، لكنه لم يعد كما كان. فقد ظل عاجزاً عن الحديث عما مر به، وكأن فترة الاختفاء لم تنتهِ بخروجه من مكان الاحتجاز. أصبح الصمت جزءاً من حياته، وبقي الخوف حاضراً في تفاصيل يومه، بينما ظلت أسرته تعيش آثار التجربة نفسها.

وقصة كريم، وفق منظمات حقوقية، ليست سوى نموذج واحد من قصص كثيرة تبدأ بالاختفاء وتنتهي أحياناً بظهور الشخص أمام النيابة، وأحياناً أخرى تستمر سنوات من دون معرفة مصيره.

 

ليسوا غائبين بل مغيبون

ترى منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن جوهر المشكلة يكمن في تحويل الاختفاء إلى مساحة خارج القانون؛ حيث يُحرم الشخص من التواصل مع أسرته ومحاميه، ولا تستطيع الأسرة معرفة مكانه أو وضعه القانوني.

وتقول المنظمة إن السلطات المصرية كثيراً ما تواجه الاتهامات بالاختفاء القسري بالإنكار، أو بتقديم روايات تفيد بأن الشخص غادر البلاد أو اختفى بإرادته، بينما تشير منظمات حقوقية إلى أن عدداً من الحالات يظهر لاحقاً أمام النيابة بعد أيام أو أسابيع من الاختفاء.

وتعتبر الحملة أن هذا النمط يضاعف من معاناة الأسر، لأن غياب المعلومات يحول الزمن نفسه إلى أداة للعقاب النفسي؛ فكل يوم يمر دون معرفة المصير يفتح الباب أمام احتمالات لا تنتهي.

 

أرقام متباينة.. وظاهرة مستمرة

وتختلف الأرقام التي وثقتها المنظمات الحقوقية بشأن حالات الاختفاء القسري في مصر، لكنها تتفق على اتساع نطاق الظاهرة واستمرارها.

وتشير بيانات منظمات مستقلة إلى آلاف الحالات منذ عام 2015. فقد وثقت حملة «أوقفوا الاختفاء القسري» 4677 حالة بين عامي 2015 و2024، بينما رصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات 2723 حالة خلال خمس سنوات حتى عام 2024. كما قدرت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب عدد الحالات التي وثقتها حتى أغسطس 2023 بنحو 4235 حالة.

ولا تعكس هذه الأرقام، بالضرورة، الحجم الكامل للظاهرة، إذ تقول منظمات حقوقية إن بعض الأسر تتردد في تقديم بلاغات عن اختفاء ذويها خشية تعرضهم أو تعرض أفراد آخرين من الأسرة لمزيد من التضييق أو الانتهاكات.

 

من الاختفاء الطويل إلى "الإخفاء المؤقت"

ولم يعد الاختفاء القسري، بحسب تقارير حقوقية، مرتبطاً دائماً بفترات طويلة تمتد لأشهر أو سنوات. فقد تحدثت تحقيقات حقوقية عن حالات اختفاء لفترات تتراوح بين أيام وشهور، قبل ظهور المحتجز أمام النيابة.

وترى هذه المنظمات أن قصر مدة الاختفاء لا يلغي خطورته، إذ إن الشخص يظل خلال تلك الفترة بعيداً عن أي رقابة قانونية، بينما تظل أسرته عاجزة عن معرفة مكانه.

كما تشير الانتقادات الحقوقية إلى أن الإخفاء لفترة قصيرة قد يسمح بانتزاع اعترافات أو إفادات بعيداً عن حضور المحامي أو الأسرة، ثم يبدأ المسار الرسمي للقضية من لحظة ظهور الشخص أمام النيابة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مصير الفترة السابقة التي قضاها بعيداً عن السجلات الرسمية.

 

ما بعد 2013.. سنوات من الشهادات

تربط منظمات حقوقية تصاعد وقائع الاختفاء القسري في مصر بما بعد عام 2013، ولا سيما عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة. ومنذ ذلك الوقت، ظهرت شهادات متكررة تتحدث عن اقتحام منازل واحتجاز أشخاص من دون أوامر قضائية، ثم انقطاع أخبارهم لفترات متفاوتة قبل ظهورهم أمام النيابة في قضايا تتعلق باتهامات أمنية أو سياسية.

وبحسب منظمات حقوقية، بلغت الحالات ذروتها خلال عامي 2015 و2016، قبل أن تتغير أنماطها لاحقاً، مع استمرار تسجيل حالات اختفاء جديدة.

وتقول هذه المنظمات إن التحول من الاختفاء الطويل إلى الاختفاء القصير لا يعني انتهاء الظاهرة، وإنما يشير إلى تغير في أساليب استخدامها.

 

بين القانون والفراغ التشريعي

يبرز في هذا الملف سؤال آخر يتعلق بالإطار القانوني المصري. فمصر لم تصادق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، كما لا يتضمن قانون العقوبات المصري نصاً مستقلاً وصريحاً يُجرّم الاختفاء القسري باعتباره جريمة قائمة بذاتها. وتُتعامل بعض الوقائع، وفق الانتقادات الحقوقية، من خلال نصوص قانونية عامة تتعلق بالقبض أو الاحتجاز غير القانوني.

ويرى المحامي خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن القبض التعسفي والاختفاء القسري والمحاكمات غير العادلة والتدوير تمثل، بحسب وصفه، ممارسات ممنهجة مستمرة منذ سنوات.

ويعتبر بيومي أن غياب نص قانوني صريح يجرّم الاختفاء القسري، إلى جانب عدم التصديق على الاتفاقية الدولية الخاصة به، يترك فجوة بين الالتزامات والمعايير الدولية وبين الواقع القانوني المحلي.

 

اتهامات للنيابة بتجاهل فترة الاختفاء

ولا تقتصر الانتقادات على الأجهزة الأمنية، إذ تشير شهادات وتقارير حقوقية إلى طريقة تعامل النيابة مع بعض بلاغات الاختفاء. وبحسب هذه التقارير، فإن تاريخ احتجاز الشخص قد يُحتسب رسمياً من لحظة ظهوره أمام النيابة، وليس من تاريخ القبض عليه الفعلي الذي تتحدث عنه أسرته أو محاموه.

وترى منظمات حقوقية أن ذلك يؤدي إلى محو الفترة التي قضاها الشخص مختفياً من السجل الرسمي، ويصعّب التحقيق في المسئولية عن تلك الفترة.

وفي المقابل، تؤكد سلطات الانقلاب والاجهزة الامنية في مناسبات مختلفة أن المحتجزين يخضعون للقانون وأن الإجراءات القضائية تتم وفقاً للأطر القانونية المعمول بها، بينما تواصل منظمات حقوقية توثيق ما تعتبره انتهاكات مرتبطة بالاحتجاز والاختفاء.

 

شهادات دولية

ولم يبق الملف محصوراً في تقارير المنظمات المصرية. فقد تحدثت تقارير لوزارة الخارجية الأميركية عن الاختفاء القسري باعتباره أحد الانتهاكات الحقوقية البارزة في مصر، كما تناولت منظمات دولية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، اتهامات باستخدام الاختفاء القسري والتعذيب والمحاكمات غير العادلة. كما أبقى فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري مصر ضمن الدول التي يثير وضعها القلق، وفق تقارير أممية.

وتعتبر المنظمات الحقوقية أن استمرار هذه الانتقادات الدولية يعكس الحاجة إلى إجراءات أكثر وضوحاً في الكشف عن أماكن المحتجزين والتحقيق في البلاغات المتعلقة بالاختفاء القسري.

 

الأسرة.. الضحية التي لا تختفي

لكن بعيداً عن لغة الأرقام والتقارير، تظل الأسرة هي الطرف الذي يعيش الجانب الأكثر قسوة من المأساة. فعائلة المختفي لا تعرف إن كان ابنها حياً أم مريضاً، ولا تعرف مكان وجوده، ولا تستطيع الاطمئنان عليه أو توكيل محام للدفاع عنه.

تتحول الأبواب إلى محطات بحث، وأقسام الشرطة إلى أماكن للسؤال، والمستشفيات والسجون إلى احتمالات مفتوحة، بينما يظل الهاتف الذي لا يأتي منه اتصال مصدراً دائماً للقلق.

وفي حالات كثيرة، لا تنتهي المعاناة بظهور المختفي؛ فبعض العائلات تواجه بعد عودته آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، بينما يظل الخوف من إعادة القبض عليه أو فتح قضية جديدة حاضراً.

 

"أين هم؟".. سؤال بلا إجابة

من خلال حملة "أين هم؟"، تحاول منظمة عدالة لحقوق الإنسان نقل القضية من مساحة الأرقام إلى مساحة الأشخاص؛ من ملف حقوقي إلى قصص عائلات تنتظر إجابة.

وتطالب الحملة بالكشف عن مصير جميع المختفين قسراً، والسماح لهم بالتواصل مع أسرهم ومحاميهم، وفتح تحقيقات مستقلة في وقائع الاختفاء، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عنها، إلى جانب انضمام مصر إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

وبينما تحتفل دول العالم باليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، تظل أسر مصرية كثيرة، وفق المنظمات الحقوقية، عالقة في السؤال نفسه: أين هم؟  سؤال بسيط في كلماته، لكنه بالنسبة إلى أسرة لا تعرف مصير أحد أفرادها قد يعني سنوات من الانتظار والخوف والبحث عن إجابة لا تأتي.