أمام محاولات صينية لـ"تحويل العلاقة المصرية–الصينية من شراكة اقتصادية متنامية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد"، أكد تقرير لصحيفة (South China Morning Post) الصينية أن زيارة شي بينج تأتي في وقت تعمل فيه بكين والقاهرة على توسيع العلاقات "الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية"، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن للزيارة فائدة سياسية لمصر، تتمثل في إظهار أنها ليست أداة للولايات المتحدة أو للغرب عمومًا، بحسب جون كالابريزي، الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن.
وأضافت أنه ومن هنا تبدو سياسة القاهرة أقرب إلى "التوازن بين القوى الكبرى" منها إلى الانتقال من محور إلى آخر. فمصر تعمّق شراكتها مع الصين في الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعاون العسكري، لكنها لا تتخلى عن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب.
وهذه النقطة تحديدًا تفسر الكثير من التحركات المصرية الأخيرة: "القاهرة لا تستبدل واشنطن ببكين، وإنما تضيف بكين إلى شبكة علاقاتها الدولية بهدف توسيع هامش المناورة والقرار".
ونشرت "South China Morning Post" بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني للقاهرة، تقريرًا بعنوان: "زيارة شي جين بينج إلى القاهرة تؤكد أن العلاقات في أفضل حالاتها تاريخيًا، فيما تسعى مصر إلى تحقيق التوازن مع الغرب".
وبالنسبة إلى بكين، مصر ليست مجرد دولة عربية ذات سوق كبيرة، وإنما دولة تجمع بين عدة عناصر استراتيجية في وقت واحد. فهي الدولة العربية الأكثر سكانًا، ودولة أفريقية ذات وزن سياسي، وتتحكم في "قناة السويس" التي تُمثل أحد أهم الممرات التجارية بين آسيا وأوروبا، إضافة إلى موقعها المؤثر في ملفات غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر.
وترى وزارة الخارجية الصينية، أن العلاقات مع القاهرة، وصلت إلى "أفضل حالاتها في التاريخ"، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
قراءة غربية للزيارة
وتضع التغطية الغربية الزيارة في سياق "المنافسة على النفوذ في الشرق الأوسط"، تقول "Reuters" إن زيارة شي تأتي بينما تعيد دول المنطقة تقييم علاقاتها الأمنية والاقتصادية في أعقاب الحرب مع إيران، وفي ظل تساؤلات حول مدى إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك أمني طويل الأمد.
وتلفت الوكالة إلى أن مصر تعمل على تنويع علاقاتها مع القوى الكبرى، بما فيها "الصين وروسيا وأوروبا"، بالتزامن مع تنامي التعاون العسكري بين القاهرة وبكين. كما تشير إلى المناورات الجوية المشتركة التي شاركت فيها مقاتلات صينية من طراز J-16 ومقاتلات رافال المصرية.
واشنطن حاضرة رغم صعود بكين
وتشير اسوشيتد برس "Associated Press" إلى أن الاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار، وأن التجارة بين البلدين تقترب من 20 مليار دولار سنويًا. كما تربط الوكالة بين أهمية مصر للصين وبين موقع قناة السويس في ظل اضطرابات الملاحة في المنطقة. AP News
وتتحول قناة السويس بالنسبة إلى بكين من مجرد طريق تجاري إلى "عنصر في الحسابات الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا"، والمناورات الجوية المشتركة بين البلدين، ومشاركة الطائرات الصينية المتقدمة في التدريبات مع القوات الجوية المصرية، تعكس انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر حساسية.
وتوقفت "Le Monde" عند هذا الجانب، معتبرة أن التعاون العسكري الصيني مع مصر، إلى جانب الحضور الاقتصادي والتكنولوجي، يمثل علامة على اتساع النفوذ الصيني في بلد ظل لعقود مرتبطًا بصورة وثيقة بالولايات المتحدة والغرب. ولا يعني أن الصين حلت محل الولايات المتحدة عسكريًا في مصر؛ بل إن الأمر، مرة أخرى، يبدو أقرب إلى "تنويع الخيارات المصرية".
لم تكن اقتصادية فقط
الرئيس الصيني في القاهرة، دعا إلى أن تكون دول الشرق الأوسط أكثر قدرة على إدارة شئونها، وانتقد التدخل الخارجي، وطرح تصورًا لأمن إقليمي لا يعتمد بصورة كاملة على القوى الخارجية.
وقد قرأت "Wall Street Journal" هذه الرسائل باعتبارها انتقادًا ضمنيًا للدور الأمريكي في المنطقة، خصوصًا في ظل التطورات الأخيرة المرتبطة بإيران والملاحة في الخليج. كما أشارت إلى استعداد الصين للمساعدة في أمن خطوط الملاحة الدولية.
أما "Financial Times" فربطت زيارة القاهرة بتحرك دبلوماسي صيني أوسع قبل اللقاء المرتقب بين شي جين بينج ودونالد ترامب، ورأت أن بكين تريد إظهار نفسها كشريك دولي قادر على التحرك في مناطق مختلفة من العالم، ولا سيما في الجنوب العالمي.
البعد العسكري للزيارة
بالتزامن مع التصريح النادر للرئيس الصيني حول ضرورة إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي وتقليص التدخل الخارجي في شئون الشرق الأوسط، منحت المناورات المصرية الصينية مضموناً عسكرياً لهذه التصريحات.
تقرير مجلة "إيكونوميست" أشار إلى دفع الصين 6 مقاتلات ثقيلة من طراز J-16 إلى مصر في أول مشاركة لهذا الطراز بتدريبات جوية مشتركة بين البلدين، وأجرت المقاتلات الصينية لأول مرة اشتباكات تدريبية مباشرة مع مقاتلات رافال الفرنسية التابعة للقوات الجوية المصرية.
وتضمنت المناورات قتالاً جوياً غير متماثل، بصيغتي مقاتلة ضد مقاتلة ومقاتلتين ضد مقاتلتين، وفق التلفزيون الصيني، واستغرقت رحلة التشكيل الصيني نحو تسع ساعات لقطع ستة آلاف كيلومتر، بمساندة ناقلة وقود جوية صينية من طراز YY-20.
وتوقفت الطائرات في كراتشي الباكستانية، بما يبرز إمكانية استخدام باكستان محطة عبور وإسناد للعمليات الصينية باتجاه الشرق الأوسط، والمناورات المسماة "نسور الحضارة" استمرت نحو أسبوعين وتنتهي مطلع سبتمبر، بالتزامن مع زيارة شي جين بينج إلى مصر.
لماذا تحاكي الصين القتال فوق مصر؟
وقالت "ايكنوميست" إن الهدف المباشر هو اختبار قدرة القوات الجوية الصينية على نشر قوة قتالية متكاملة بعيداً آلاف الكيلومترات عن أراضيها فضلا عن مشاركة ناقلة الوقود والتوقف في باكستان اختبرا سلسلة الانتشار كاملة، لا مجرد أداء المقاتلات داخل المجال الجوي المصري.
وأضافت أن القتال مع الرافال يمنح الطيارين الصينيين خبرة نادرة ضد مقاتلة غربية لا تستخدمها القوات الصينية أو حلفاؤها التقليديون، ويتيح التدريب للطرفين رصد الخصائص التشغيلية للطائرة المقابلة، مثل المناورة والاستشعار والتكتيكات.
واعتبرت أن المناورات تحمل أهمية خاصة للهند، التي تشغل الرافال وقد تواجه المقاتلات الصينية في نزاع حدودي مستقبلي حيث ترتبط الحساسية أيضاً بحرب الهند وباكستان عام 2025، وسط ادعاءات متنازع عليها بإسقاط مقاتلة رافال بواسطة طائرة صينية الصنع.
تسويق المقاتلات الصينية
وترى المجلة أن التدريبات تمثل كذلك عرضاً تسويقياً للصناعة العسكرية الصينية أمام دولة تعتمد تاريخياً على السلاح الأميركي والفرنسي. وردت عام 2024 تقارير عن طلب مصري غير معلن لمقاتلات J-10، لكن بكين نفت إبرام الصفقة.
وأرسلت الصين مقاتلات J-10 إلى تدريبات 2025، في خطوة اعتبرها التقرير محاولة لدفع مصر نحو شرائها ومشاركة J-16 الأثقل هذا العام قد تستهدف عرض بديل يمنح القاهرة مدى أكبر فوق البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتستخدم بكين مبيعات السلاح والمناورات لتعميق علاقاتها الدفاعية مع السعودية والإمارات ومصر دون مطالبتها بقطع روابطها الأميركية بحسب المجلة.
وأشارت إلى أن الرسالة ليست أن الصين ستحل فوراً محل الولايات المتحدة، بل إنها تستطيع توفير السلاح والتدريب وبعض قدرات الإسناد البعيد، معتبرة أن الاتفاقات الاقتصادية التي رافقت زيارة شي تبني النفوذ السياسي، بينما تستعرض المناورات الأداة العسكرية المحدودة لذلك النفوذ.
وتقر المجلة بأن الصين لا تمتلك حالياً القدرة، ولا تبدو راغبة، في وراثة الانتشار العسكري الأميركي الشامل في الشرق الأوسط ضمن رحلة وصفتها بـ"ناجحة إلى مصر" تختلف جذرياً عن القدرة على خوض حرب مستدامة؛ فذلك يتطلب قواعد وذخائر وصيانة وحماية وخطوط إمداد دائمة.
وتتفق ايكونوميست مع المجلة الصينية من أن التقرير لا يثبت أن القاهرة تعيد تموضعها بعيداً عن واشنطن، بل يوضح أنها توسع خياراتها ومصادر تسليحها وسط الشكوك الأميركية.