أعادت نتائج التحقيق في المزاعم التي طالت المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان فتح الجدل حول ملابسات القضية، خصوصًا أن التحقيق جاء بعد تحركه القضائي ضد بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وما رافق ذلك من ضغوط سياسية ودبلوماسية على المحكمة.
ووفق المادة المرفقة، خلصت لجنة قضاة مستقلة بالإجماع إلى عدم ثبوت ارتكاب خان سوء سلوك أو خرقًا للواجب، بعد فحص المزاعم التي أثيرت بحقه. كما أشار التقرير إلى أن النتائج النهائية لتقصي الحقائق سُلّمت إلى مكتب جمعية الدول الأطراف في 9 مارس، وأن الإجراءات الخاصة بالملف كانت تقتضي إغلاقه رسميًا بعد اعتماد التقييم.
وتعود بداية القضية إلى 2 مايو 2024، وهو التاريخ الذي ارتبط بظهور المزاعم ضد خان، في الوقت الذي كان يستعد فيه لإعلان طلب إصدار مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف جالانت على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وبحسب المادة المرفقة، لم تتوقف الضغوط عند الاتهامات المتعلقة بخان، وإنما سبقتها وضمتها ضغوط سياسية على المحكمة نفسها.
وفي هذا السياق، كشفت معطيات أوردها التقرير عن مكالمة جرت في 23 أبريل 2024 بين خان ووزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون. وأفادت المعطيات بأن الجانب البريطاني ألمح خلالها إلى إمكانية سحب تمويل المحكمة إذا مضت إجراءات ملاحقة مسئولين من دولة الاحتلال.
وجاء الكشف عن المكالمة بعد طلب للحصول على المعلومات تقدمت به جامعة وستمنستر، وفق ما ورد في المادة المرفقة، وهو ما أعاد النقاش بشأن طبيعة الضغوط السياسية التي تعرضت لها المحكمة قبل إصدار مذكرات التوقيف. كما أشار التقرير إلى ضغوط أمريكية، بينها عقوبات استهدفت خان وقضاة ومسئولين في المحكمة.
وفي تصريحات نُسبت إلى كريم خان، قال إن قضاة المحكمة وموظفي الأمم المتحدة وأفرادًا من عائلته تعرضوا لتهديدات بسبب الملفات المتعلقة بدولة الاحتلال، مضيفًا أن 12 عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي وجهوا رسالة تضمنت تهديدًا باستهداف المحكمة وأسر العاملين فيها إذا تمت ملاحقة دولة الاحتلال.
وقال خان، وفق المادة المرفقة: لقد هددوا قضاة المحكمة الجنائية الدولية وموظفي الأمم المتحدة وعائلتي بسبب قضايا "اسرائيل"، مضيفًا أن العقوبات تضمنت تجميد حسابات وحظر السفر.
ويأتي ذلك في وقت وثقت فيه الجزيرة استمرار الضغوط الأمريكية على المحكمة خلال سبتمبر الحالي، مشيرة إلى أن واشنطن تسعى إلى دفع المحكمة لإسقاط مذكرات الاعتقال الصادرة بحق قادة الاحتلال، وأن إدارة الرئيس دونالد ترامب كانت تعد عقوبات تستهدف المحكمة بصورة أوسع.
كما تناولت الجزيرة في يوليو الماضي التطورات المتعلقة بعزل خان، مشيرة إلى أن 82 دولة من أصل 125 صوتت لصالح إبعاده من منصبه، وأن القرار جاء على خلفية اتهامات مرتبطة بسلوك جنسي غير لائق. وأشارت في الوقت نفسه إلى أن محامي خان أعلن عزمه الطعن في قانونية القرار.
وتكتسب القضية بعدًا آخر مع ما كشفته الجزيرة عن تسجيلات تناولت اتصالات بين بنيامين نتنياهو والسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، حيث أشارت إلى أن الاتهامات المتعلقة بسوء السلوك الجنسي الذي واجهه خان استُخدمت، بحسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، كورقة ضغط لتأخير إجراءات المحكمة.
وفي هذا السياق، جاءت تعليقات المحلل السياسي ياسر الزعاترة على نتائج التحقيق؛ حيث وقال: "كريم خان بريء.. صفعة جديدة للصهاينة!"
وأضاف: "لا شيء في الأفق الدولي يمضي وفق ما يريده الصهاينة، وهذا ما يُصيبهم بالهستيريا، ويُشعرهم بأن جهود ثمانية عقود تذهب هباءً، وبأن الأرض تميد من تحت أقدامهم.. "الطوفان" وما بعده يطاردهم بلا هوادة، بل يترك آثاره حتى على الفئة التي يزعمون تمثيلها (دينيا)، فيدفع قطاعات منها إلى التناقض مع "الكيان". واعتبر الزعاترة أن "تلك هي بداية النهاية".
وفي منشور آخر، تناول الزعاترة قضية عزل خان، وربط بين توقيت الإجراءات التي استهدفته وبين ملاحقته لنتنياهو وغالانت، مشيرًا إلى أن التصويت على إبعاده جرى رغم أن المزاعم التي واجهها كانت محل تحقيق ونفي من جانبه.
روبيو المتواطئ
وفي المقابل، تناول علاء عوض Alaa Awad التطورات اللاحقة المتعلقة بالموقف الأمريكي من المحكمة. وقال عوض إن نتنياهو أعلن أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وعده بالتحرك ضد المحكمة، وأضاف أن روبيو «أعاد التأكيد» على نية الولايات المتحدة التصرف بحزم ضد المحكمة التي أصدرت مذكرة توقيف بحق نتنياهو.
وأضاف عوض أن ما وصفه بأنه موقف أمريكي ضد المحكمة يمثل، من وجهة نظره، تناقضًا مع التاريخ الذي لعبت فيه المحاكم الدولية دورًا في محاسبة المسئولين عن جرائم الحرب.
وقال إن المحاكم الدولية «كانت مفيدة لهم عندما أعدموا قادة هتلر وسجنوهم»، متسائلًا عن سبب رفض ملاحقة نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وربط عوض بين المحكمة الجنائية الدولية ومحاكمات نورمبرغ، وقال إن المحاكم الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية شكلت أحد الأسس التي قادت لاحقًا إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بصورتها الحالية.
وأضاف عوض أن الموقف الحالي، بحسب رؤيته، يكشف عن ازدواجية في التعامل مع العدالة الدولية، معتبرًا أن المحكمة كانت مقبولة عندما استُخدمت لملاحقة خصوم القوى الغربية، بينما أصبحت موضع مواجهة عندما وصلت إجراءاتها إلى نتنياهو.
وتزامنت هذه التطورات مع استمرار عمل المحكمة في الملفات المرتبطة بقطاع غزة. فقد نشرت الجزيرة في 25 سبتمبر أن فريقًا من المحامين الدوليين الممثلين للضحايا الفلسطينيين قدم أدلة وشهادات جديدة إلى مكتب المدعي العام للمحكمة في لاهاي، في إطار التحقيق المتعلق بالأسرى والمعتقلين الفلسطينيين. وأشارت إلى أن الفريق التقى المدعي العام الجديد وفريقه، وأن التحقيق في الملف الفلسطيني مستمر بعد انتهاء ولاية كريم خان.
كما أظهرت تغطية الجزيرة في سبتمبر أن قضية المحكمة لم تنته بإبعاد خان؛ إذ تستمر الضغوط الأمريكية عليها، بينما يواصل المدعي العام بالوكالة مامي ماندياي نيانغ الحديث عن استمرار التحقيقات في الملفات التي تنظر فيها المحكمة.
وفي 4 سبتمبر، تناولت الجزيرة العقوبات الأمريكية المفروضة على مسئولي المحكمة، مشيرة إلى أن واشنطن كانت قد فرضت في يونيو 2025 عقوبات على خان، ثم عقوبات أخرى على أربعة أعضاء في المحكمة في أغسطس من العام نفسه، على خلفية مواقف مرتبطة بملف دولة الاحتلال.
وبذلك، فإن ملف كريم خان لم يعد مقتصرًا على نتيجة التحقيق في المزاعم الشخصية التي طالته؛ فالتطورات المحيطة بالقضية تتقاطع مع مسار أوسع يتعلق باستقلال المحكمة الجنائية الدولية، ومذكرات التوقيف الصادرة بحق نتنياهو وغالانت، والضغوط الأمريكية التي استمرت حتى سبتمبر الحالي، في الوقت الذي واصل فيه مكتب الادعاء الجديد العمل في الملف الفلسطيني.
https://x.com/ajmubasher/status/1792954757222736204