ظهور طفل في الخامسة عشرة أمام نيابة أمن الدولة بعد 24 يومًا من الاختفاء.. “محمد خالد” بين فقدان الأب وغياب المصير

- ‎فيتقارير

لم تكن أسرة الطالب محمد خالد جمعة، البالغ من العمر 15 عامًا، تتوقع أن يتحول فقدان والده، الذي تُوفي قبل نحو ثلاثة أشهر من اعتقاله، إلى بداية رحلة جديدة من الخوف والبحث عن المصير.

فالطفل، الذي يدرس بالصف الثالث الإعدادي، اختفى منذ 16 فبراير الماضي بعد اقتحام قوة أمنية منزل جدته في منطقة المطرية بالقاهرة واعتقاله، وفقًا لما وثقته الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، قبل أن يظهر لاحقًا أمام نيابة أمن الدولة للتحقيق معه.

وبحسب الشبكة، ظهر محمد أمام النيابة يوم 11 مارس، وفقًا لمحضر الضبط الذي اطلعت عليه، فيما تعمل الشبكة على توثيق الواقعة والاتهامات الموجهة إليه.

24 يومًا من الاخفاء القسري والبحث عن طفل

كان محمد قد فقد والده قبل اعتقاله بنحو ثلاثة أشهر، بعد فترة كان خلالها منشغلًا برعايته خلال مرضه، بحسب المعلومات التي نشرتها الشبكة المصرية لحقوق الإنسان.

وفي 16 فبراير، اقتحمت قوة أمنية منزل جدته في المطرية، وألقت القبض عليه، وفقًا لما أوردته الشبكة، بينما أظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بالمنزل، بحسب المصدر نفسه، أفراد القوة الأمنية أثناء دخولهم المنزل وخروجهم برفقة الطفل.

وتقول الشبكة إن القوة قامت كذلك بالتحفظ على الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الموجودة في المنزل.

لكن بعد عملية القبض، لم تعرف الأسرة إلى أين اقتيد محمد.

وبحسب الرواية الحقوقية، حاول أفراد أسرته الوصول إلى أي معلومات عنه، من خلال السؤال في قسم شرطة المطرية ومخاطبة النائب العام، دون أن يتمكنوا من معرفة مكان احتجازه طوال فترة اختفائه.

ومرت الأيام على الأسرة دون إجابة، إلى أن ظهر الطفل أمام نيابة أمن الدولة بعد نحو 24 يومًا من اختفائه.

من منزل جدته إلى نيابة أمن الدولة

ظهور محمد أمام النيابة لم ينهِ القلق الذي عاشته أسرته خلال فترة غيابه، بل فتح بابًا جديدًا من الأسئلة حول أسباب القبض عليه وظروف احتجازه والاتهامات الموجهة إليه.

وتقول المعلومات الحقوقية: "إن الطالب ظهر للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة في القضية رقم 2801، وسط حديث عن اتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية واعتناق أفكار متطرفة".

ولا تزال ملابسات الاتهامات ومدى ارتباطها بأفعال محددة منسوبة إلى الطفل بحاجة إلى توضيح من الجهات الرسمية المختصة، في ظل عدم إعلان الأسرة، وفق المعلومات المتاحة، عن تفاصيل كاملة بشأن القضية.

وتثير الواقعة، في الوقت نفسه، تساؤلات حقوقية وقانونية بشأن احتجاز طفل بمعزل عن أسرته ومحاميه لفترة طويلة، وبشأن الضمانات التي يفترض أن تحيط بالأطفال عند التعامل معهم في القضايا الجنائية والأمنية.

طفل فقد والده قبل أشهر

تكتسب قصة محمد بُعدًا إنسانيًا إضافيًا بالنظر إلى توقيت القبض عليه.

فالطفل لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة عندما فقد والده، وبعد أشهر قليلة وجد نفسه بعيدًا عن أسرته ومدرسته، بينما كانت عائلته تبحث عنه دون معرفة مكان وجوده.

وبدلًا من أن تكون الأسرة منشغلة بمساعدة طفل في سن الدراسة على تجاوز فقدان والده، أصبحت تواجه سؤالًا أكثر قسوة: أين يوجد محمد؟

هذه الفترة، التي امتدت لنحو 24 يومًا، تركت الأسرة في حالة من عدم اليقين، وفق الرواية الحقوقية، قبل أن تعرف أن الطفل أصبح على ذمة قضية أمام نيابة أمن الدولة.

الإخفاء القسري.. ملف قديم يتجدد

ولا تأتي واقعة محمد بمعزل عن ملف أوسع يتعلق بالاختفاء القسري في مصر.

وتشير المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وفق بيانات سابقة، إلى أنها وثقت أكثر من 4760 حالة اختفاء قسري خلال الفترة بين عامي 2011 و2014، بينما استمرت منظمات حقوقية مصرية ودولية في توثيق حالات اختفاء واحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي خلال السنوات التالية.

كما تستند المنظمات الحقوقية في انتقاداتها إلى الضمانات الدستورية والقانونية المتعلقة بحماية الحرية الشخصية، وضرورة عرض المقبوض عليه على جهة التحقيق المختصة وتمكينه من التواصل مع أسرته ومحاميه وفقًا للقانون، وتشير الشبكة المصرية لحقوق الإنسان إلى وجود حكم قضائي ألزم وزارة الداخلية بالكشف عن مصير المختفين قسريًا، وتقول إن الحكم لم ينفذ حتى الآن.

أطفال في مواجهة قضايا أمن الدولة

الأكثر إثارة للقلق في حالة محمد، بحسب ناشطين حقوقيين، هو أن الأمر يتعلق بطفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.

وتشير روايات حقوقية إلى وقائع أخرى طالت أطفالًا، من بينها الطالب حسين الشرقاوي، الذي قالت مصادر حقوقية إنه تعرض للاختفاء القسري، بما يعكس، بحسب هذه المصادر، استمرار المخاوف بشأن تعامل الأجهزة الأمنية مع القُصّر في بعض القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني.

ويؤكد النظام القانوني المصري، إلى جانب الاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر، أهمية توفير حماية خاصة للأطفال أثناء القبض عليهم والتحقيق معهم واحتجازهم، بما يراعي سنهم ومصلحتهم الفضلى ويضمن عدم تعرضهم لمعاملة قاسية أو مهينة.

كما تؤكد المعايير الدولية الخاصة بحقوق الطفل ضرورة ألا يكون الحرمان من الحرية بالنسبة للقاصر إلا كإجراء أخير ولأقصر فترة مناسبة، مع توفير ضمانات قانونية تتناسب مع عمره.

أسئلة بلا إجابات

في قصة محمد خالد، لا يتعلق الأمر فقط بسبب القبض على طفل في الخامسة عشرة من عمره، وإنما أيضًا بما جرى خلال الأيام التي لم تعرف فيها أسرته مكانه.

لماذا لم تعرف الأسرة، بحسب روايتها، مكان احتجاز ابنها طوال هذه الفترة؟

وأين كان الطفل خلال الأيام التي سبقت ظهوره أمام النيابة؟

وما طبيعة الاتهامات الموجهة إليه، وما الأدلة التي تستند إليها جهات التحقيق؟

وهل روعيت، منذ لحظة القبض عليه، جميع الضمانات القانونية الخاصة بالأطفال؟

أسئلة كثيرة تنتظر إجابات رسمية واضحة، خصوصًا أن القضية لا تخص متهمًا بالغًا فحسب، وإنما طفلًا في سن الدراسة فقد والده قبل أشهر قليلة، ثم وجد نفسه في مسار أمني وقضائي شديد القسوة بالنسبة إلى عمره.

وبينما تستمر التحقيقات، تبقى أسرة محمد أمام معركة أخرى: معرفة ما جرى لابنها خلال فترة غيابه، وضمان حصوله على حقوقه القانونية، وعدم تحوله من طالب في الصف الثالث الإعدادي إلى رقم جديد في ملف طويل من قضايا الأطفال الذين وجدوا أنفسهم أمام نيابة أمن الدولة.

ففي النهاية، أياً كانت الاتهامات التي ستوجه إلى الطفل أو نتيجة التحقيقات، فإن سنه يفرض على الدولة التزامًا مضاعفًا بالحماية والرعاية والضمانات القانونية، وأن يكون التعامل معه قائمًا على كونه طفلًا أولًا، قبل أن يكون طرفًا في أي قضية.