بعد أكثر من 15 عامًا على ثورة 25 يناير، لا يزال عبد الفتاح السيسي يستحضر أحداث عامي 2011 و2013 في خطاباته باعتبارها تهديدًا مستمرًا للدولة، في وقت تتوسع فيه أدوار المؤسسة العسكرية داخل المجالات المدنية، وصولًا إلى إعداد وتأهيل كوادر لشغل وظائف في مؤسسات يفترض أن تعمل بصورة مستقلة عن المؤسسة العسكرية.
وفي أحدث تصريحاته، نفى السيسي أن يكون هذا التوجه جزءًا من «عسكرة الدولة»، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الأكاديمية العسكرية المصرية أصبحت مسارًا لإعداد واختيار كوادر للعمل في مؤسسات الدولة المختلفة، بينها القضاء ووزارة الخارجية وهيئة الرقابة الإدارية وغيرها.
وجاءت التصريحات خلال حفل تخريج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية، حيث قال إن الهدف من هذا المسار هو وضع معايير موحدة لاختيار وتأهيل العاملين في مؤسسات الدولة، إلى جانب تحديد معايير تفصيلية لكل وزارة وفقًا لاحتياجاتها.
«الأكاديمية» مسار للوظائف المدنية
وقال السيسي إن الأكاديمية العسكرية أصبحت «معبراً لتولي الوظائف في الدولة المصرية»، معتبرًا أن البرامج التي تنظمها تستهدف إعداد كوادر تتمتع بالكفاءة والتأهيل والشخصية المتوازنة.
وبحسب بيان لرئاسة الجمهورية، بلغ عدد خريجي الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية 1350 دارسًا، فيما أوضح السيسي أن نحو 20% من المحتوى التدريبي موحد بين جميع المتدربين، وتتولاه الأكاديمية ومتخصصون، بينما تحدد الجهات المختلفة بقية البرامج وفقًا لاحتياجاتها.
ويقدم نظام المنقلب السيسي هذا المسار باعتباره محاولة لتطوير الجهاز الإداري ورفع كفاءة العاملين، إلا أن توسيع نطاق الأكاديمية العسكرية ليشمل قطاعات مدنية وقضائية يفتح في المقابل تساؤلات حول حدود الدور العسكري في إدارة مؤسسات الدولة، ومدى استقلال الجهات المدنية في اختيار وتأهيل كوادرها.
"ما حدث في 2011 لم ينتهِ"
ولم يكتفِ السيسي بالحديث عن تطوير الجهاز الإداري، وإنما ربط استمرار هذا المسار بما وصفه بخطر قائم منذ الأحداث التي شهدتها مصر بين عامي 2011 و2013.
وقال إن «ما حدث في الفترة من 2011 – 2013 لم ينته، وأن خطته لم تتوقف»، مضيفًا أن «الإلحاح لإسقاط الدولة ما زال موجودًا».
لكن السيسي لم يقدم، في تصريحاته، تفاصيل عن الجهات التي قال إنها تسعى إلى إسقاط الدولة، كما لم يطرح أدلة علنية على وجود خطة مستمرة مماثلة لما شهدته البلاد في تلك الفترة.
كما تحدث عن ضرورة «تحصين الشباب» ضد ما وصفه بـ«فكرة تخريب مصر»، معتبرًا أن ما حدث في عامي 2011 و2012 كان «مدبرًا»، وأن البلاد شهدت آنذاك «ممارسات خطيرة للغاية» ومشكلات كبيرة.
من «إصلاح الدولة» إلى هاجس الثورة
ويعيد هذا الخطاب طرح سؤال العلاقة بين أحداث يناير وبين السياسات التي تتبعها السلطة منذ وصول السيسي إلى الحكم.
فثورة 25 يناير 2011 اندلعت في سياق سياسي واجتماعي واقتصادي اتسم بتراكم شكاوى واسعة من الفساد، وتقييد الحريات، وتدهور الأوضاع المعيشية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتركز السلطة، ورفعت شعارات «عيش، حرية، عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية».
ويرى منتقدو نظام مبارك أن تجاهل هذه المطالب وتراكم الأزمات السياسية والاجتماعية كان من العوامل التي قادت إلى اندلاع الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك.
ومن هذه الزاوية، يطرح الخطاب المعارض سؤالًا مغايرًا للخطاب الرسمي: إذا كانت السلطة تخشى تكرار الاحتجاجات، فهل تؤدي سياساتها الحالية إلى معالجة أسباب الغضب الاجتماعي والسياسي، أم إلى إعادة إنتاج بعضها في صورة جديدة؟
إغلاق المجال العام
خلال السنوات التي أعقبت وصول السيسي إلى السلطة، تعرض المجال السياسي في مصر لتضييق واسع، بحسب منظمات حقوقية وتقارير دولية، شمل قيودًا على التظاهر والعمل السياسي والإعلام، فضلًا عن ملاحقات واعتقالات طالت معارضين ونشطاء وصحفيين.
وفي المقابل، تؤكد حكومة الانقلاب أن إجراءاتها الأمنية تستهدف مواجهة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار ومنع الفوضى، وتقول إن الدولة تواجه تهديدات حقيقية تستوجب إجراءات أمنية مشددة.
غير أن استمرار الاستناد إلى أحداث 2011 لتبرير إجراءات سياسية وأمنية طويلة الأمد يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تلك الأحداث تحولت إلى مرجعية دائمة في إدارة الدولة، بحيث يصبح الحفاظ على الاستقرار مبررًا لتقييد المجال العام وتعزيز قبضة المؤسسات الأمنية.
الحضور العسكري في الحياة المدنية
ولا يأتي توسيع دور الأكاديمية العسكرية بمعزل عن الحضور المتزايد للقيادات والشخصيات ذات الخلفية العسكرية في مواقع مدنية ومؤسسات اقتصادية وإدارية مختلفة.
ويرى منتقدو هذا النهج أنه يؤدي إلى تمدد المؤسسة العسكرية خارج نطاق اختصاصها التقليدي، بينما تقدم السلطة الأمر باعتباره استثمارًا في خبرات وقدرات مؤسسات الدولة، ووسيلة لإعداد كوادر قادرة على الإدارة والانضباط والعمل المؤسسي.
وتكمن الإشكالية الأساسية هنا في طبيعة المعايير التي يتم على أساسها اختيار المسئولين، ومدى شفافية عملية الاختيار، وما إذا كانت المؤسسات المدنية تمتلك استقلالية كافية في اختيار قياداتها وكوادرها، أم أن مسارات التأهيل المرتبطة بالمؤسسة العسكرية أصبحت بوابة أساسية للترقي والوصول إلى مواقع الدولة.
معايير لا تجامل ولا تحابي
وبرر السيسي النظام الجديد بأنه يستهدف تطبيق معايير موحدة «لا تجامل ولا تحابي أحدًا»، محذرًا من أن عدم استمراره قد يؤدي إلى خلل في أداء مؤسسات الدولة.
كما قال إن الدورات لا تقتصر على التدريب المهني، وإنما تهدف إلى تعريف العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة ببعضهم وبطبيعة عمل المؤسسات الأخرى، بما يؤدي، بحسب تصوره، إلى مزيد من التماسك وفهم «أواصر الدولة».
لكن تطبيق هذه المعايير يطرح بدوره أسئلة حول الجهة التي تضعها، والرقابة عليها، وآليات تقييمها، ومدى خضوعها لمعايير موضوعية معلنة يمكن للمجتمع مراقبتها.
الدولة أم النظام؟
ويؤكد السيسي أن القضية لا تتعلق بالحفاظ على شخص الرئيس أو الحكومة، وإنما بحماية الدولة نفسها، داعيًا مؤسسات الدولة إلى متابعة خريجي الأكاديمية العسكرية الذين تلقوا هذه الدورات لضمان استكمال تنفيذ النظام الذي طرحه.
وهنا يظهر أحد أكثر جوانب الخطاب السياسي إثارة للجدل؛ إذ تكرر السلطة الربط بين معارضة النظام وبين تهديد الدولة، بينما يرى معارضون أن الدولة ومؤسساتها لا ينبغي اختزالها في الحكومة أو رئيس الجمهورية، وأن حماية الدولة يمكن أن تتعزز عبر توسيع المشاركة السياسية وضمان حرية التعبير واستقلال المؤسسات.
«الخوف من 2011».. هل يعالج الأسباب أم يوسعها؟
وبينما يواصل السيسي استدعاء أحداث 2011 باعتبارها نموذجًا لمحاولات «هدم الدولة»، فإن السؤال الأهم يبقى متعلقًا بالأسباب التي دفعت ملايين المصريين إلى الخروج آنذاك.
فالمخاوف من تكرار الاحتجاجات لا تُعالج فقط بإجراءات أمنية أو بإعداد كوادر داخل مؤسسات الدولة، وإنما ترتبط أيضًا بقدرة النظام السياسي على توفير قنوات حقيقية للمشاركة، وتحسين الظروف المعيشية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان استقلال المؤسسات، وإتاحة مساحة للعمل السياسي السلمي.
أما توسيع دور الأكاديمية العسكرية ليصبح مسارًا لإعداد العاملين في مؤسسات مدنية وقضائية، بالتزامن مع استحضار دائم لأحداث يناير، فيكشف عن تصور رسمي يرى أن حماية الدولة تمر عبر مزيد من الانضباط والتنسيق المؤسسي، بينما يرى منتقدوه أن هذا النهج قد يقود إلى مزيد من تداخل الأدوار بين المؤسسة العسكرية والدولة المدنية.
وبذلك، فإن حديث السيسي عن «منع تكرار 2011» لا يتعلق بالماضي وحده، بل يكشف أيضًا عن طبيعة رؤية السلطة لمستقبل الدولة: هل يكون الاستقرار عبر توسيع المشاركة والحقوق والحريات ومعالجة أسباب الاحتقان، أم عبر إحكام السيطرة المؤسسية والأمنية وتوسيع نطاق حضور المؤسسة العسكرية في مفاصل الدولة؟