أعاد د. عصام حجي فتح ملف شديد الحساسية في قضية المياه الإفريقية، بعدما طرح عبر حسابه @essamheggy سؤالًا يتجاوز الجدل التقليدي حول السدود، قائلًا: «كيف تلاعبت جامعات دولية بأبحاث السدود لإثبات أنه لا أثر لها على دول المصب؟ كيف شارك الإعلام المحلي في هذا التلاعب؟ كيف استطاعت شركة مكونة من موظف واحد إدارة كل المشهد؟ وما الحل؟».
وطرح د. عصام حجي الأستاذ في الجامعات الأمريكية والباحث في وكالة ناسا الفضائية؛ تساؤلات حول الطريقة التي تُنتج بها المعرفة العلمية المتعلقة بالسدود في إفريقيا، متسائلًا عن دور جامعات دولية وإعلام محلي وشركة وصفها بأنها مكونة من موظف واحد في تشكيل الرواية العلمية والإعلامية حول آثار السدود على دول المصب.
ويأتي طرح حجي بالتزامن مع نشر بحث شارك في تأليفه في مجلة Nature Sustainability، يناقش أزمة أوسع تتعلق بضعف حضور الأبحاث الإفريقية القابلة لإعادة الإنتاج والتحقق في مجال المياه، وما يترتب على ذلك من اعتماد صناع القرار بصورة أكبر على شركات استشارية وجماعات مصالح لإنتاج المعرفة والتحليلات اللازمة للسياسات المائية وارتفاع نسب قراءات التقرير ونسب المشاهدة.
https://www.nature.com/articles/s41893-026-01895-8
أزمة المياه
ولا يتعامل البحث مع نقص المياه باعتباره المشكلة الوحيدة، بل يلفت إلى مشكلة أخرى أقل ظهورًا: من ينتج المعرفة التي تعتمد عليها الحكومات في إدارة الأنهار والسدود؟
فعندما تكون البيانات والنماذج العلمية الخاصة بالأنهار العابرة للحدود منتجة خارج الدول المتأثرة بها، أو عندما تكون الأبحاث المحلية محدودة الحضور والتأثير، تصبح الحكومات أكثر اعتمادًا على مؤسسات خارجية وشركات استشارية ومجموعات مصالح.
وتكمن أهمية هذه المسألة في أن النموذج العلمي لا يقدم رقمًا منفصلًا عن الافتراضات التي بني عليها؛ فتقدير تأثير سد على دولة مصب يرتبط ببيانات الأمطار والتدفقات، وسيناريوهات الجفاف، وقواعد تشغيل السد، وطريقة إدارة المياه بين السدود المختلفة.
سد النهضة.. حين يتحول النموذج العلمي إلى ورقة تفاوض
وتظهر أهمية هذه القضية بوضوح في أزمة سد النهضة، حيث لا يدور الخلاف بين مصر وإثيوبيا والسودان حول المياه فقط، وإنما حول كيفية قياس المخاطر والآثار المترتبة على طرق الملء والتشغيل.
وقد شارك حجي في أبحاث تناولت هذه المسألة بصورة مباشرة، من بينها دراسة بحثت مدى دقة تقدير العجز المائي الناتج عن ملء سد النهضة، وهو ما يوضح أهمية اختيار البيانات والفترة الزمنية والافتراضات المستخدمة في النمذجة.
https://link.springer.com/article/10.1007/s41748-023-00355-z
ولا يصبح السؤال العلمي مجرد «هل السد ضار أم لا؟»، وإنما: ما حجم التأثير؟ وفي أي ظروف؟ وماذا يحدث خلال سنوات الجفاف الممتد؟ وما قواعد التشغيل المفترضة؟ وهل يستطيع باحث مستقل إعادة إنتاج النتيجة باستخدام البيانات نفسها؟
ثمن الدراسة وبياناتها
وهنا تظهر المسألة التي يلفت إليها بحث Nature Sustainability: عندما تكون القدرة البحثية المحلية محدودة، يمكن أن يزداد الاعتماد على الشركات الاستشارية والجهات الخارجية لإنتاج الدراسات التي يحتاجها صانع القرار.
ولا يعني ذلك أن كل شركة استشارية منحازة، أو أن كل دراسة ممولة من جهة لها مصلحة غير موثوقة. لكن مصدر التمويل يصبح عنصرًا أساسيًا في تقييم أي دراسة، إلى جانب ملكية البيانات، والمنهجية، وإمكانية إعادة اختبار النتائج، وما إذا كانت النتائج المخالفة لتوقعات الجهة الممولة تُنشر أيضًا.
ومن هنا يمكن فهم «الفجوة العلمية» باعتبارها فجوة في القدرة على إنتاج المعرفة والتحقق منها، وليس مجرد نقص في عدد الأبحاث المنشورة.
وطرح حجي اتهامًا أكثر تحديدًا عندما تحدث عن «تلاعب» جامعات دولية بأبحاث السدود لإثبات عدم وجود آثار على دول المصب.
لكن البحث المنشور لا يقدم، في صورته المنشورة، إثباتًا عامًا لهذه الصياغة، ولا يوجه اتهامًا إلى جامعة محددة بالتلاعب بنتائج بحثية، ولذلك فإن الانتقال من نقد بنية إنتاج المعرفة إلى اتهام مؤسسة بعينها يحتاج إلى أدلة مستقلة تتعلق بالدراسة والتمويل والبيانات والمنهجية.
والمشكلة لا تتوقف عند إنتاج الدراسة، فالنتائج العلمية المعقدة يمكن أن تتحول عند انتقالها إلى الإعلام إلى عبارات قطعية مثل «السد لا يؤثر على دول المصب» أو "السد سيؤدي إلى كارثة"، بينما تكون النتيجة العلمية في كثير من الأحيان مرتبطة بسيناريو محدد وافتراضات محددة.
تكمن أهمية بحث حجي وزملائه في أنه ينقل النقاش من سؤال «من يملك المياه؟» إلى سؤال سابق عليه: من يملك المعرفة التي تحدد كيفية إدارة المياه؟ فالدولة التي تنتج بياناتها ونماذجها تستطيع اختبار ادعاءات الآخرين، بينما الدولة التي تعتمد على نتائج خارجية تحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق والمراجعة المستقلة.
ولهذا يركز البحث على تعزيز إنتاج المعرفة الإفريقية القابلة للتكرار والتحقق، بحيث لا يكون صانع القرار مضطرًا إلى الاعتماد على مصادر خارجية أو استشارية باعتبارها المصدر الوحيد للمعلومة العلمية.