السيسي دمّر الكفاءة وتكافؤ الفرص.. دعاوى أوائل الخريجين تفتح ملف تخطي التعيينات بالهيئات القضائية

- ‎فيتقارير

تشهد قضية التعيينات الجديدة بالجهات والهيئات القضائية في مصر تطورات متلاحقة، على خلفية دعاوى قضائية أقامها أوائل خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون ممن جرى تخطيهم في التعيين بهيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، بالتزامن مع جدل أوسع حول معايير اختيار المعينين، ودور التحريات والاعتبارات الاجتماعية والأمنية، إلى جانب إخضاع المرشحين لاختبارات ودورات تأهيلية داخل الأكاديمية العسكرية.

وبحسب تقرير نشرته منصة متصدقش @matsda2sh في سبتمبر 2026، نقلًا عن مصدرين قضائيين بمجلس الدولة بدرجة نائب رئيس مجلس الدولة، أقام عدد من أوائل خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون أكثر من 800 دعوى أمام محكمة القضاء الإداري خلال شهري أبريل ومايو 2026، طعنًا على قرارات تخطيهم في التعيين بهيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية.

 

105 من أبناء القضاة مستبعدون

كانت منصة متصدقش @matsda2sh قد تناولت في مايو الماضي جانبًا آخر من ملف التعيينات القضائية، يتعلق باستبعاد عدد من أبناء القضاة والمستشارين من استكمال إجراءات التعيين عقب خضوعهم لاختبارات مرتبطة بالأكاديمية العسكرية.

وقالت المنصة، في تقرير نشرته في 21 مايو 2026، إن عدد المستبعدين بلغ 105 مرشحين، بينهم 42 مرشحًا للتعيين في النيابة العامة، و37 من دفعات مجلس الدولة، و26 من دفعة النيابة الإدارية، مشيرة إلى أن الاستبعادات جاءت خلال اختبارات بدأت في أبريل واستمرت ثلاثة أسابيع، قبل الدورة التأهيلية بالأكاديمية العسكرية.

ووفقًا لما أوردته المنصة نقلًا عن خمسة مصادر قضائية، أثار إخضاع المعينين الجدد في الهيئات القضائية لدورات واختبارات خارج الإطار القضائي اعتراضات داخل أوساط قضائية، باعتبار أن هذه الإجراءات أضيفت إلى مراحل التعيين التقليدية التي كانت تخضع للقوانين المنظمة لكل جهة قضائية.

 

اختبارات الأكاديمية العسكرية تدخل في مسار التعيينات

بحسب تقرير متصدقش في مايو، بدأ تطبيق قرار حكومي صادر في أبريل 2023 بإلزام المعينين الجدد في الجهات والهيئات الحكومية بالحصول على دورة تأهيلية لمدة ستة أشهر داخل الأكاديمية العسكرية، وامتد تطبيقه إلى جهات قضائية بينها النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة.

وأفادت المصادر التي نقلت عنها المنصة بأن الاختبارات شملت جوانب بدنية وطبية وتنظيمية وأمنية، وأن بعض حالات الاستبعاد ارتبطت بعدم اجتياز الاختبارات الرياضية أو الطبية، إلى جانب اعتبارات أمنية. وذكرت المنصة أن بعض المصادر القضائية اعتبرت تطبيق معايير مثل الوزن وقوة النظر والحالة البدنية على مرشحين لوظائف قضائية أمرًا محل اعتراض، في ضوء اختلاف طبيعة العمل القضائي عن العمل العسكري.

 

من استبعاد أبناء القضاة إلى دعاوى أوائل الخريجين

ويأتي التقرير الأحدث لمتصدقش في سبتمبر في سياق مختلف، إذ يتعلق بطعون أقامها أوائل خريجي الحقوق والشريعة والقانون أنفسهم على قرارات تعيين دفعات 2019 و2020 في هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية.

وتتعلق الدعاوى بالقرار الجمهوري رقم 52 لسنة 2026 الخاص بتعيين دفعتي 2019 و2020 في هيئة قضايا الدولة، والقرار الجمهوري رقم 51 لسنة 2026 الخاص بتعيين الدفعَتين في هيئة النيابة الإدارية، والصادرين في 27 يناير 2026.

ويتمسك الطاعنون، بحسب ما أوردته المنصة، بأن جانبًا كبيرًا منهم من أوائل الخريجين والحاصلين على تقديرات مرتفعة، وأن تخطيهم لصالح مرشحين أدنى منهم في التقدير يحتاج إلى سبب قانوني واضح ومحدد يمكن إخضاعه للرقابة القضائية.

مبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص

استندت الدعاوى إلى المادتين 14 و53 من الدستور المصري، باعتبارهما تؤكدان مبدأ شغل الوظائف العامة على أساس الكفاءة والمساواة أمام القانون وحظر التمييز.

كما استند الطاعنون إلى أحكام للمحكمة الإدارية العليا، من بينها حكم في الطعن رقم 11434 لسنة 46 قضائية عليا بجلسة 2 يوليو 2011، باعتباره يؤكد أولوية المتفوق دراسيًا في المفاضلة على الوظائف، وعدم جواز تخطيه بمن هو أدنى منه تقديرًا دون مبرر ظاهر يمكن إخضاعه للرقابة القضائية.

وأشارت الدعاوى كذلك إلى الطعن رقم 5733 لسنة 63 قضائية عليا بجلسة 17 أكتوبر 2020، في إطار الاستناد إلى المبادئ القضائية المتعلقة بالمفاضلة بين المتقدمين للوظائف القضائية.

 

غياب أسباب الاستبعاد

وتتمحور دفوع عدد كبير من الطاعنين حول عدم وجود أسباب محددة ومعلنة تبرر تخطيهم، إذ تقول الدعاوى، بحسب ما نقلته متصدقش، إن الأوراق في بعض الحالات لا تتضمن ما يفيد عدم اجتياز المقابلات الشخصية، أو وجود وقائع محددة تمس أهلية المرشح أو لياقته أو سمعته.

ويتمسك الطاعنون بأن عدم تقديم الجهة الإدارية سببًا واضحًا للاستبعاد يثير مسألة توافر ركن السبب في القرار الإداري، ويتيح لمحكمة القضاء الإداري بحث مدى مشروعية القرار والوقائع التي استند إليها.

كما تضمنت الدعاوى الدفع بإساءة استعمال السلطة والانحراف بها، مع تأكيد أن السلطة التقديرية للجهات واللجان المختصة بالاختيار لا تعني سلطة مطلقة، وإنما يفترض أن تمارس في إطار الضوابط القانونية والغاية التي حددها المشرع.

تقارير هيئة مفوضي الدولة

وفي المقابل، أظهرت تقارير هيئة مفوضي الدولة في عدد من الدعاوى أسبابًا قُدمت لتبرير تخطي بعض المرشحين، من بينها أسباب أمنية، وصدور أحكام قضائية بحق والد المرشح أو أحد أفراد أسرته من الدرجة الأولى، فضلًا عن وصف بعض المرشحين بعدم اللياقة المجتمعية.

وتبرز هنا مسألة مدى كفاية هذه الأسباب لتبرير الاستبعاد، خصوصًا في الحالات التي لا يتضح فيها من الأسباب المشار إليها بصورة تفصيلية الواقعة التي أدت إلى وصف المرشح بأنه غير لائق اجتماعيًا، أو مدى اتصال تلك الواقعة بشخصه وقدرته على أداء الوظيفة القضائية.

 

الطاعنون يتحدثون عن أخطاء في البيانات والتحريات

في ردودهم على تقارير هيئة مفوضي الدولة، تمسك بعض الطاعنين بوجود أخطاء في البيانات الواردة بشأنهم، بينها نسبة تخرج أحد المدعين إلى جامعة غير الجامعة التي حصل منها على مؤهله، أو اختلاف التقدير الدراسي المثبت في المستندات عن التقدير الوارد في بعض المذكرات.

كما نفى عدد من الطاعنين وجود مشكلات أمنية تحول دون تعيينهم، وتمسكوا بأن التحريات المتعلقة بهم وبأسرهم لم تتضمن وقائع تمنع تعيينهم، مطالبين المحكمة بفحص المستندات والتحريات التي استندت إليها جهة الإدارة.

ولا تزال هذه الدعاوى منظورة أمام محكمة القضاء الإداري، ولم تصل، وفق المعلومات الواردة في التقرير، إلى أحكام نهائية تفصل في مشروعية قرارات التعيين محل الطعن.

 

تكافؤ الفرص

وفي سياق التعليق على القضية، نشر السياسي والحقوقي د.أسامة رشدي @OsamaRushdi في سبتمبر 2026 منشورًا تناول فيه ملف التعيينات القضائية وموقع أبناء القضاة والمؤسسات العسكرية والأمنية داخل مؤسسات الدولة.

واستند رشدي في منشوره إلى ما نشرته متصدقش بشأن استحواذ أبناء القضاة وأعضاء المؤسسات العسكرية والأمنية على نسب تتراوح، وفق التقرير، بين 55 و57% من بعض التعيينات، وربط ذلك بالدعاوى التي أقامها أوائل خريجي الحقوق والشريعة والقانون.

وقدم رشدي هذه الوقائع في إطار قراءة أوسع لملف تكافؤ الفرص وصعود أبناء المسئولين داخل مؤسسات الدولة قائلا: ".. في دولة السيسي، لم تعد الكفاءة أو التفوق أو الاجتهاد طريقًا إلى الوظيفة العامة، بل أصبح النسب والوساطة والولاء والتحريات الأمنية معيارًا للاختيار. وقد يُقصى الشاب بسبب أسرته، أو بعبارة مطاطة مثل «غير لائق اجتماعيًا»، بينما تُفتح الأبواب لمن ينتمي إلى الطبقة الحاكمة ولو كان أقل كفاءة واستحقاقًا".

وأضاف "هكذا دمّر السيسي ما تبقى من العدالة وتكافؤ الفرص، وحوّل مؤسسات الدولة إلى عزبة مغلقة لأبناء أهل الثقة والنفوذ. ولم يعد المصريون متساوين أمام دولتهم؛ فمنهم من يولد وفي يده مفتاح الوظيفة والمنصب، ومنهم من لا ينفعه تفوق ولا اجتهاد لأنه لم يولد في العائلة المناسبة!.. "  معتبرا أن "دولة الضباط .. أبناء البسطاء الذين صعدوا بسُلّم الدولة، ثم سحبوه من تحت أقدام بقية المصريين.".

من جانبها، نشرت الناشطة نسرين نعيم @nesrinnaem144 في 30 مايو 2026 تعليقًا تناول واقعة رفض الأكاديمية العسكرية تعيين 105 ممن قالت إنهم كانوا مرشحين من المجلس الأعلى للقضاء، وربطت بين استبعاد بعض أبناء القضاة وبين الجدل حول دور الأكاديمية العسكرية في مراحل التعيين.

وأضافت "..  فكرت إن الأكاديمية العسكرية هي اللي بتقبل القضاة وترفضهم، فزعلت..   لكن افتكرت إن كدا هتتحل مشكلة توريث المناصب القضائية ففرحت.. لكن افتكرت إن السلطة القضائية "المدنية" وقعت تحت سلطة السلطة التنفيذية "العسكرية" فزعلت….. لكن افتكرت إن الاتنين مش مستنيين رأيي ولا موقفي فضحكت".

وتناول المنشور بصورة ساخرة ومتدرجة التناقضات التي تراها الكاتبة في انتقال بعض مراحل اختيار أعضاء السلطة القضائية إلى جهة تتبع السلطة التنفيذية، معتبرة أن الواقعة تثير في الوقت نفسه قضية توريث المناصب القضائية وعلاقة السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية.

 

نسب أبناء القضاة والقيادات

وفي 26 يناير 2026، كشف عن تعيينات معاوني النيابة العامة دفعة 2022، قال فيه إن أكثر من 60% من المقبولين كانوا من أبناء رؤساء محاكم وقيادات في الشرطة والجيش والمخابرات وأعضاء مجلس الشيوخ.

وفي أغسطس 2025 تقريرًا حصل أبناء القضاة على 34% من التعيينات الجديدة للمندوبين المساعدين بمجلس الدولة من خريجي دفعتي 2020 و2021.

وتبقى هذه النسب والادعاءات منسوبة إلى الجهات التي نشرتها، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها أرقامًا رسمية نهائية ما لم تؤيدها بيانات رسمية أو مصادر مستقلة قابلة للتحقق.

 

ملف واحد ومساران متداخلان

وتكشف التطورات الحالية عن مسارين متوازيين في ملف التعيينات القضائية؛ أولهما يتعلق بأوائل الخريجين الذين يطعنون على قرارات تخطيهم ويتمسكون بالكفاءة والتفوق الدراسي وتكافؤ الفرص، والثاني يتعلق بالمرشحين الذين اجتازوا مراحل التعيين القضائية ثم واجهوا اختبارات ودورات مرتبطة بالأكاديمية العسكرية، ومن بينهم عدد من أبناء القضاة الذين جرى استبعادهم، بحسب ما أوردته متصدقش.

وبينما ينظر القضاء الإداري في الطعون المتعلقة بقرارات التعيين، يستمر الجدل حول حدود السلطة التقديرية للجهات المختصة، ومدى مشروعية الاستناد إلى الاعتبارات الأمنية والاجتماعية والأسرية، وكذلك مدى توافق إدخال اختبارات ذات طبيعة بدنية وعسكرية في مسار اختيار المرشحين للوظائف القضائية مع القواعد المنظمة للتعيين في الهيئات القضائية.