شهد شهر سبتمبر2026 سلسلة من الوقائع الحقوقية والقضائية التي أعادت إلى الواجهة ملفات الاختفاء القسري، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والحبس الاحتياطي، والتدوير على ذمة قضايا جديدة، وذلك بالتزامن مع وقائع احتجاجية في عدد من مناطق الجمهورية، وتبرز في مقدمة هذه الوقائع حملة توقيف طالت عددًا من أهالي تجمع النخلات في مدينة الشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء، بعد مشاركة أبنائهم في وقفة رمزية فوق أنقاض مدرستهم المدمرة للمطالبة بإعادة بنائها، قبل ظهور عدد من المقبوض عليهم أمام نيابة أمن الدولة العليا وإيداعهم سجن العاشر رقم 6.
وتتزامن هذه القضية مع وقائع أخرى في محافظات مختلفة، من بينها استمرار احتجاز المواطن عبد الله ربيع إبراهيم رمضان رغم صدور قرار قضائي بإخلاء سبيله، واستمرار اختفاء المواطن محمد علي إبراهيم عبد العال في الغربية بحسب منظمة حقوقية، إلى جانب قرارات حبس جديدة في الشرقية، وتكشف هذه الوقائع، عند جمعها زمنيًا، عن استمرار حضور الحبس الاحتياطي والتدوير والاختفاء السابق على العرض على جهات التحقيق باعتبارها قضايا مركزية في المشهد الحقوقي المصري خلال العام الحالي.
النخلات.. بداية الواقعة فوق أنقاض مدرسة مدمرة
بدأت أحدث الوقائع في شمال سيناء صباح الأحد 13 سبتمبر 2026، بالتزامن مع أول أيام العام الدراسي الجديد، عندما تجمع عدد من تلاميذ مدرسة «النخلات» للتعليم الأساسي في قرية قبر عمير التابعة لمدينة الشيخ زويد، وأدوا طابورًا صباحيًا رمزيًا فوق أنقاض مدرستهم المدمرة، بمشاركة أولياء أمورهم، للمطالبة بإعادة بناء المدرسة.
وبحسب مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، فإن المدرسة توقفت الدراسة فيها منذ منتصف عام 2015، وتعرضت لقصف مدفعي في سبتمبر 2016، قبل أن تدمر بالكامل عام 2018، وفق ما وثقته المؤسسة في تقرير سابق، وقالت المؤسسة: "إن الأطفال رفضوا الاستمرار للعام الخامس في مدرسة بديلة بسبب بُعد المسافة وعدم وجود وسائل مواصلات عامة وآمنة لنقلهم".
وتقدم هذه التفاصيل سياقًا مهمًا لفهم الاحتجاج؛ فالواقعة لم تبدأ باحتجاج سياسي معلن، وإنما بمطلب متعلق بالخدمة التعليمية، بحسب الرواية التي نشرتها مؤسسة سيناء، وفي المقابل، قالت مديرية التربية والتعليم بشمال سيناء: "إن مدرسة النخلات تهدمت بالكامل نتيجة الأحداث التي شهدتها المحافظة خلال سنوات المواجهة مع الجماعات المسلحة، وإن التلاميذ جرى إلحاقهم بمدرسة قبر عمير في الفترة الصباحية، كما أعلنت المديرية أن هناك تصورًا لإنشاء تجمع تنموي حضاري يتضمن مدرسة جديدة من 22 فصلًا، لكنها لم تحدد في تصريحاتها موعدًا نهائيًا لإعادة بناء المدرسة القديمة".
135 منشأة تعليمية متضررة
وتضع مؤسسة سيناء قضية مدرسة النخلات ضمن أزمة أوسع في البنية التعليمية بشمال سيناء. ففي تقريرها «ألغام المستقبل» لعام 2024، قالت المؤسسة إنها وثقت تضرر 135 منشأة تعليمية في المحافظة، من بينها 73 مدرسة قالت: "إن قوات إنفاذ القانون المصرية دمرتها، إضافة إلى 7 مدارس أغلقت دون بدائل مناسبة و49 مدرسة قالت المؤسسة إنها استخدمت لأغراض عسكرية"، كما أشارت إلى أن مطلب إعادة بناء مدرسة النخلات وصل إلى البرلمان منذ عام 2022، وهذه أرقام وتوصيفات صادرة عن مؤسسة حقوقية، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها بيانات المؤسسة ومنهجيتها في التوثيق، وليس باعتبارها إحصاءً حكوميًا نهائيًا.
وفي 14 سبتمبر، عقد وكيل وزارة التربية والتعليم بشمال سيناء حمزة رضوان اجتماعًا مع أولياء الأمور والطلاب في مدرسة قبر عمير، وأوضح أن قرار نقل الطلاب يعود إلى عام 2016، وإن إنشاء مدرسة جديدة مرتبط بتحديد أماكن البناء ضمن خطة التجمعات التنموية والحضرية، وأكدت المديرية أن الطلاب سيُنقلون إلى المدرسة الجديدة فور إنشائها.
من الوقفة إلى الاعتقالات.. مؤسسة سيناء تتحدث عن حملة أمنية
بعد ساعات من انتشار مقطع فيديو للوقفة، قالت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان إن الشرطة ألقت القبض على عدد من أهالي تجمع النخلات يوم الأحد 13 سبتمبر، وإن القوات أوقفت عددًا من الرجال داخل المنطقة، بينما سلم آخرون أنفسهم بعد علمهم بأن قوات الأمن تبحث عنهم.
ووفق رواية المؤسسة، وصل عماد سلام موسى الجبالي، الذي قالت المؤسسة إنه ظهر متحدثًا في مقطع الفيديو، إلى اجتماع عقده وكيل وزارة التربية والتعليم مع الأهالي في مدرسة قبر عمير، ثم وصلت قوة من الشرطة وألقت القبض عليه من داخل الاجتماع، كما تحدثت المؤسسة عن انتشار أفراد شرطة بملابس مدنية بين المنازل، وعن وجود قائمة بأسماء أشخاص قالت: "إن غالبية المطلوبين فيها ظهروا في مقطع الوقفة، وأفادت المؤسسة بأن المقبوض عليهم نُقلوا في البداية إلى قسم شرطة الشيخ زويد ثم إلى مقر تابع للأمن الوطني في العريش".
وبحسب المؤسسة نفسها، أُفرج لاحقًا عن ستة من المقبوض عليهم، بينما ظل اثنان قيد الاحتجاز في وقت نشر بيانها في 16 سبتمبر، هما عماد سلام موسى الجبالي وسامي كايد مزيون، مع عدم توافر معلومات مؤكدة آنذاك عن مكان احتجازهما أو وضعهما القانوني.
ظهور أربعة أمام نيابة أمن الدولة.. القضية 7353 لسنة 2026
تغير الوضع القانوني للمحتجزين في اليوم التالي. ففي الأربعاء 16 سبتمبر 2026، ظهر أربعة ممن ألقي القبض عليهم في واقعة مدرسة النخلات أمام نيابة أمن الدولة العليا، وفق ما نشرته مؤسسة سيناء ومصادر حقوقية وإعلامية.
وشملت الأسماء التي أوردتها المصادر عماد سلامة موسى نبهان الجبالي، وسامي كايد سلام، وسامح معوض عبد الحميد الراعي، الشهير باسم «سامح الطيار»، إلى جانب محتجز رابع، ووفق التقرير المنشور، جرى حبس الأربعة على ذمة القضية رقم 7353 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، وتحديد جلسة التجديد في 27 سبتمبر 2026، قبل إيداعهم سجن العاشر رقم 6.
وهناك اختلاف في كتابة اسم أحد المحتجزين بين المصادر المتداولة؛ فبيان مؤسسة سيناء الصادر في 16 سبتمبر استخدم اسم «سامي كايد مزيون»، بينما تقرير الحبس اللاحق أورد الاسم «سامي كايد سلام».
«سامح الطيار».. اتهام مرتبط بإعادة نشر فيديو المدرسة
ومن بين المحتجزين الذين ظهروا أمام نيابة أمن الدولة سامح معوض عبد الحميد الراعي، المعروف باسم «سامح الطيار». ووفق المعلومات التي نشرتها مؤسسة سيناء ومصادر حقوقية، ارتبط توقيفه بإعادة نشر مقطع مصور عن مدرسة النخلات والوقفة التي نظمها الأهالي للمطالبة بإعادة بناء المدرسة.
وتقول المصادر: "إن الاتهام المنسوب إلى المحتجزين يتعلق بـ «إساءة استخدام شبكة المعلومات الدولية»، على خلفية تداول مقطع أعادت قناة الجزيرة نشره، وتضمن، وفق الرواية المنسوبة إلى الاتهام، دعوة أولياء الأمور إلى التجمع أمام المدرسة المهدمة".
وتطالب مؤسسة سيناء بالإفراج عن سامح الطيار وبقية المحتجزين، معتبرة أن تداول مطالب الأهالي بإعادة بناء مدرسة أبنائهم لا ينبغي أن يؤدي إلى ملاحقتهم جنائيًا، أما من الناحية القانونية، فإن الفصل بين الاتهام والإدانة يظل أساسيًا، إذ إن الأربعة لم تصدر بحقهم أحكام نهائية في هذه القضية وفق المعلومات المتاحة حتى 18 سبتمبر.
اعتقالات جديدة أمام نيابة الزقازيق
وبالتوازي مع وقائع شمال سيناء، وردت خلال الفترة نفسها معلومات عن تحقيقات أمام نيابة الزقازيق الكلية مع ناصر عبد المجيد عبد العزيز من هرية رزنة، ومحمود السيد علي من أبو حسين، حيث قررت النيابة حبسهما 15 يومًا على ذمة التحقيقات.
وفي واقعة أخرى بمحافظة الشرقية، باشرت نيابة كفر صقر الجزئية التحقيق مع أحمد محمد صالح، وقررت حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات، مع إيداعه مركز شرطة كفر صقر، ولم أجد في المصادر المفتوحة التي راجعتها تفاصيل موثوقة تكفي لتحديد الاتهام أو سبب القبض عليه بصورة مستقلة.
الغربية.. محمد علي إبراهيم عبد العال ما زال مختفيًا
وفي محافظة الغربية، يستمر ملف المواطن محمد علي إبراهيم عبد العال، الذي قالت منظمة «نجدة» لحقوق الإنسان "إن قوات أمن ألقت القبض عليه مساء 9 أغسطس 2026 من محل يملكه في قرية شبشير الحصة التابعة لمركز طنطا، واقتادته إلى جهة غير معلومة".
ووفق الإفادات التي نشرتها المنظمة، قاد القوة الرائد محمد حسن، معاون مباحث مركز طنطا، وأن قوة أمنية ومخبرين داهموا المحل قرابة السابعة مساءً، كما قالت الإفادات "إن القوة توجهت إلى محل مجاور واستولت على جهاز تسجيل كاميرات المراقبة «DVR»، باعتباره الجهاز الذي يُفترض أنه وثق عملية القبض وملابساتها".
وبحسب المصادر الحقوقية التي راجعتها، لم يكن قد ظهر محمد علي إبراهيم أمام جهة تحقيق قضائية حتى آخر تحديث متاح في هذه المواد، ولم تعلن جهة رسمية، وفق ما أمكن التحقق منه، مكان احتجازه أو وضعه القانوني..
عبد الله رمضان.. قرار بالإفراج ثم استمرار الاحتجاز
أكثر من 11 عامًا بين السجون والقضايا والتدوير
من أبرز الوقائع التي توثقها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قضية عبد الله ربيع إبراهيم رمضان، الذي قالت المبادرة إنه أمضى أكثر من 11 عامًا داخل السجون، منذ القبض عليه للمرة الأولى عام 2015، عندما كان في نحو التاسعة عشرة من عمره.
ووفق المبادرة، صدر بحقه حكم عسكري بالسجن سنتين في قضية تتعلق بالتجمهر، ثم قضى عقوبة أخرى مدتها ثلاث سنوات في قضية جنح بالزقازيق، قبل أن يستمر احتجازه على ذمة قضايا أخرى بعد انتهاء العقوبات السابقة. وقالت المبادرة "إنه احتُجز احتياطيًا في قضية ثالثة مرتبطة بأمن الدولة لمدة عامين، ثم جرى تدويره إلى قضية رابعة، وبعد صدور قرار بإخلاء سبيله في قضية، نُقل إلى قضية خامسة".
وفي 9 أغسطس 2026 أصدرت محكمة جنايات الزقازيق المنعقدة في غرفة المشورة قرارًا بإخلاء سبيل رمضان بتدابير احترازية، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لكن المبادرة قالت لاحقًا "إن السلطات لم تنفذ القرار، وإن رمضان ظل محتجزًا، قبل أن تعلن في 27 أغسطس أنه لا يزال محتجزًا لليوم الثامن عشر بعد قرار الإفراج، مطالبة النائب العام بالتدخل للكشف عن مصيره وضمان تنفيذ القرار القضائي".
التدوير على ذمة قضايا جديدة
وتقدم قضية عبد الله رمضان نموذجًا لما تصفه منظمات حقوقية بـ«التدوير»، أي إعادة إدراج شخص سبق احتجازه أو صدر قرار بإخلاء سبيله على ذمة قضية جديدة، وتقول المبادرة المصرية "إن رمضان لم يُفرج عنه بعد انتهاء العقوبات التي صدرت بحقه، ثم وُضع على ذمم قضايا متعاقبة، الأمر الذي أدى، بحسب روايتها، إلى استمرار احتجازه لأكثر من عقد".
ولا يقتصر النقاش حول هذه الممارسة على حالة واحدة؛ إذ تظهر في أرشيف المبادرة المصرية خلال 2026 ملفات متعددة تتعلق بالحبس الاحتياطي والتدوير. كما سجلت تقارير حقوقية خلال أغسطس نقل محتجزين بين سجون مختلفة وإعادة إدراج بعضهم على ذمم قضايا جديدة، غير أن إثبات وجود نمط مؤسسي يتطلب فحص عدد كبير من ملفات القضايا وأوامر الحبس وقرارات الإخلاء، وليس الاعتماد على الحالات الفردية وحدها.