في تصريحات جديدة رسمية لوكالة الأناضول، كشف الدبلوماسي التركي سردار قليج (سفير أنقرة السابق لدى الولايات المتحدة إبان محاولة الانقلاب عام 2016)، عن تفاصيل صادمة حول تواصله مع المسؤولين الأمريكيين خلال الساعات الأولى للتحرك العسكري من قِبل عناصر "منظمة غولن".
السفير التركي الأسبق لدى واشنطن، سردار قليج، كشف فيها عن كواليس الموقف الأمريكي المتردد، مما فتح الباب لتحليلات أوسع تقارن بين الإدارات الأمريكية وتأثير هذا التحول الاستراتيجي على موازين القوى في الشرق الأوسط ومستقبل صفقات السلاح وحرب المحاور الإقليمية.
وأوضح قليج أنه عندما طالب البيت الأبيض بإصدار بيان سريع وموقف حاسم يدعم الشرعية والديمقراطية في دولة حليفة بالناتو، جاءه الرد من المسؤولين الأمريكيين بأنهم لا يستطيعون صياغة أو نشر موقف دون موافقة الرئيس باراك أوباما مباشرة، وحين استفسر عن سبب تعذر الوصول إليه، أبلغوه رسمياً بأن "الرئيس أوباما متواجد داخل غرفة العمليات" (وهي الغرفة المخصصة لمتابعة الأزمات والملفات ذات الأهمية القصوى للإدارة الأمريكية).
وانتقد قليج هذا الموقف بمرارة، معتبراً أن الاختباء وراء الإجراءات البيروقراطية ليلة الهجوم لا يليق بطبيعة الشراكة الاستراتيجية، وأكد أن تركيا وقفت "دون شروط" مع واشنطن عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، بينما تركتها الأخيرة وحيدة ليلة 15 يوليو؛ الأمر الذي ترك "جرحاً عميقاً في قلوب الأتراك".
وأشار السفير السابق إلى أن زيارة نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، جو بايدن، إلى أنقرة في أغسطس 2016 وجولته في البرلمان والمواقع المقصوفة تضمنت اعتذاراً صريحاً للمسؤولين الأتراك حين قال: "لقد تأخرنا كثيراً، ونحن نعتذر"، وهو ما يعتبر اعترافاً ضمنياً بالتباطؤ والمناورة المسبقة.
الرواية الرسمية والنفي المطلق
في مقابل الهجوم التركي المستمر على تلك الحقبة، يوثق التقرير التمسك الأمريكي بالنفي القاطع لأي تآمر أو علم مسبق؛ فخلال المؤتمرات الصحفية لعام 2016 (الموثقة في نيويورك تايمز وبوليتيكو)، دافع أوباما عن إدارته بالنقاط التالية:
وصف أوباما التقارير التي أشارت لعلم واشنطن بالانقلاب بأنها "عارية تماماً عن الصحة"، واصفاً لاحقاً المنفذين بـ "الخونة الذين حاولوا إسقاط نظام شرعي ومنتخب ديمقراطياً".
وعن سر بقاء غولن في ولاية بنسلفانيا وعدم التجاوب مع "140 ملفاً" سلمها قليج بنفسه للسلطات الأمريكية، أكد الجانب الأمريكي (عبر شبكة صوت أمريكا) أن ملف التسليم محكوم بالمنظومة القضائية والدستورية المستقلة للولايات المتحدة، ويتطلب أدلة جنائية كافية ولا يمكن حسمه بقرار سياسي أو تنفيذي مباشر.
إفشال الانقلاب وسوريا
بحسب التحليل الذي قدمه الأكاديمي والباحث السياسي محمود علوش، فإن محاولة الانقلاب تزامنت تاريخياً مع انخراط أمريكي مكثف في سوريا لتمكين مشروع "قوات سوريا الديمقراطية – قسد" (كردستان سوريا)، وبُعيد أزمة تركية-روسية حادة إثر إسقاط المقاتلة الروسية.
وكان الهدف الاستراتيجي الخفي من الانقلاب هو إدخال الدولة التركية في نفق صراع داخلي مظلم يشغلها عن لعبة إعادة رسم خرائط الجوار، ومن ثم، فإن نجاح الشعب التركي في حماية ديمقراطيته لم يقوض فحسب خطة إدارة أوباما شمال سوريا، بل خلق رد فعل عكسياً؛ إذ اندفعت تركيا عسكرياً داخل الأراضي السورية لتفكيك "حزام قسد"، وعمقت تحالفها مع الثورة السورية، وسرعت في بناء محور شراكة وتفاهم استراتيجي بديل مع موسكو، لتتحول سوريا من ساحة تهديد لأمن أنقرة القومي إلى ملف تفرض فيه تركيا نفوذها كلاعب أول وأكثر تأثيراً.
https://x.com/mahmoudallouch/status/2077384954086891819
"النموذج الإسلامي" و"توازن القوى الوظيفي"
في قراءة نقدية معمقة قدمتها الدكتورة ليلى نقولا، بالتزامن مع قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي انعقدت في أنقرة في تموز 2026، يظهر بوضوح كيف تحولت الوظيفة الإقليمية لتركيا في العقل السياسي الأمريكي بين عهدي أوباما وترامب عبر رؤيتين مختلفتين تماماً:
رؤية إدارة باراك أوباما (مرحلة الربيع العربي)
ونظر فريق أوباما إلى تركيا بوصفها "نموذجاً سياسياً واعداً" يجسد الإسلام السياسي المعتدل، ورأى في تجربة حزب العدالة والتنمية نموذجاً ليبرالياً ديمقراطياً يمكن تعميمه وتطبيقه في دول المنطقة.
وأضافت أن الفكرة كانت تقوم على استيعاب الحركات الإسلامية المعتدلة واحتواء التطرف الجهادي عبر هذا النموذج المتكامل مع المنظومة الغربية والاقتصاد الليبرالي، مما يمنح أنقرة فرصة لتكريس مشروع "العثمانية الجديدة" برعاية أمريكية.
إدارة ترامب
وفي تحليل أشار إلى تجاوز إدارة ترامب منطق هندسة الهوية السياسية، وباتت تنظر لتركيا كـ "قوة إقليمية وظيفية وشريك استراتيجي نافذ" على الأرض لإدارة أزمات محددة ومعقدة لا ترغب واشنطن في الانخراط المباشر فيها.
وأضاف أن الوقائع الميدانية وإخفاقات حرب غزة وتراجع المحاور التقليدية فرضت إعادة تقييم للأدوات؛ حيث ترى واشنطن أن تركيا تمتلك نفوذاً واقعياً في سوريا وملفات الفصائل الفلسطينية والقوى السنية لا يمكن لإسرائيل إدارتها بمفردها، بناءً على ذلك، يتم توظيف تركيا كركيزة أساسية في "توازن قوى متعدد الأقطاب" يضم (إسرائيل، دول الخليج، وتركيا) لضبط التناقضات الإقليمية، وهو ما أدى عملياً لتراجع مشروع نتنياهو لفرض هيمنة إسرائيلية أحادية مطلقة في المشرق.
نتنياهو يحذر ترامب من نظام "الإخوان"
ودخلت تل أبيب بقوة على خط تقارب ترامب-أردوغان في قمة الناتو بأنقرة 2026، حيث كشف تقرير لشبكة "CNN" عن كواليس وخلافات حادة؛ فقد حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس دونالد ترامب مباشرة من خطورة الاستجابة للطلب التركي بإلغاء حظر بيع مقاتلات الشبح المتطورة (F-35) إلى أنقرة (وهو الحظر الذي فرضته واشنطن في الولاية الأولى لترامب).
وقال بنيامين نتنياهو لشبكة CNN: "بيع المقاتلات الأكثر تطوراً في العالم لا يجعل تركيا دولة صديقة، إن أنقرة نظام مصاب بآيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين التي تكره الولايات المتحدة، وهو ليس حليفاً نموذجياً بل يهدد بتدمير الدولة اليهودية الوحيدة، إن منحهم هذه القوة العسكرية سيعقبه عدوان فوري يدمر ميزان القوى في الشرق الأوسط".
وجاء هذا التحذير متزامناً مع تصريحات نارية لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان وصف فيها إسرائيل بأنها "عبء لم يعد بوسع البشرية تحمله"، ورغم إشارة ترامب إلى استعداده لرفع الحظر ووصفه لتركيا بالحليف "الاستثنائي"، حاول نتنياهو التقليل من عمق الخلاف مع ترامب، معرباً في الوقت ذاته عن شكوكه الكبيرة في جدوى اتفاق وقف إطلاق النار والمفاوضات الحالية بين إدارة ترامب وإيران بشأن الملف النووي، ومفضلاً الانتظار لتقييم النتائج، بينما ألقى باللوم في تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل على خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي والمشرعين الديمقراطيين المتطرفين.