وجدت حكومة الانقلاب الفرصة سانحة في التحلل من الالتزام بدعم الفئات الأكثر احتياجا في استبدال الدعم العيني القائم علي توفير حصص تموينية محددة لكل مستفيد من الدعم بالدعم النقدي، والذي يقوم علي منح المواطن مبلغ محدد من المال شهريا لسد احتياجاته من الغذاء.
تواجه فكرة الدعم النقدي اعتراضات من جانب الخبراء والاقتصاديين، ويتخوف المستفيدين من الدعم من ان حكومة الانقلاب سوف تستغل مرحلة إعادة هيكلة منظومة الدعم في حذف اعداد ضخمة ممن كانت تشملهم منظومة الدعم العيني، وفي هذه الآونة ظهر على السطح سؤال من سيحصل على الدعم؟ سؤال لم يعد متعلقاً فقط باستبعاد ملايين من المواطنين من منظومة التموين، بل بمستقبل الدعم ذاته.
تخطط حكومة الانقلاب لاستبدال الدعم العيني بالنقدي، ما يثير مخاوف من أن تتحول مسؤولية تأمين الغذاء للفقراء من التزام مباشر على الدولة إلى مبالغ نقدية محدودة القيمة، تتآكل بفعل التضخم وارتفاع الأسعار، بما يهدد آخر شبكات الأمان الاجتماعي التي يعتمد عليها ملايين الفقراء لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
بحسب مواقع صحفية فإن هناك مقترحات حكومية لتحويل منظومة الدعم العيني الحالية إلى دعم نقدي عبر البطاقات التموينية، مستهدفاً منح المواطنين حرية أكبر في اختيار احتياجاتهم الغذائية.
325 جنيهاً بدلاً من الخبز والسلع
واكدت مصادر مطلعة في وزارة التموين أن المنظومة المقترحة تقوم على دمج دعم الخبز والسلع التموينية وفارق نقاط الخبز في محفظة مالية موحدة تقدر بنحو 325 جنيهاً للفرد شهرياً، يتم استخدامها وفق الأسعار الحرة للسلع، مشيرة إلى أن قيمة الدعم المقترحة للفرد ناتجة عن احتساب التكلفة الفعلية للدعم الذي تتحمله الدولة حالياً، سواء في منظومة الخبز المدعم أو السلع التموينية.
وأوضحت أن نصيب الفرد من دعم الخبز يقترب من 225 جنيهاً شهرياً وفقاً للتكلفة الحالية لإنتاج 150 رغيفاً مدعماً، بينما تتحمل الدولة ما يقرب من 100 جنيه أخرى كفارق دعم للسلع التموينية الأساسية، ليصل إجمالي الدعم الفعلي الموجه للفرد إلى نحو 325 جنيهاً شهرياً، مع إمكانية تعديل القيمة وفقاً للتقديرات الحكومية النهائية.
هل يواكب الدعم ارتفاع الأسعار؟
وفي حين تطرح حكومة الانقلاب الدعم النقدي باعتباره أكثر مرونة وكفاءة في توجيه الدعم، فإن اقتصاديين وخبراء اجتماع يرون أن المشكلة لا تتعلق بقيمة الدعم عند إطلاقه، وإنما بقدرته على الصمود أمام التضخم وارتفاع أسعار الغذاء، وفي هذا السياق، طرح الإعلامي محمد علي خير تساؤلات عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”، قائلاً: “هل ستلتزم الحكومة بزيادة الدعم كلما زاد التضخم أو ارتفعت الأسعار؟ وهل ستكون الزيادة فورية في الشهر التالي لزيادة الأسعار؟”.
وقال: إن "هذا هو منطق العدالة الذي يستحقه الفقير الحاصل على الدعم، لكنه أبدى شكوكاً في قدرة الحكومة على الالتزام بذلك،
مستشهدا بتجارب سابقة جرى خلالها وضع سقف لزيادة المعاشات رغم ارتفاع معدلات التضخم، فضلاً عن تعهدات سابقة تتعلق بأسعار الوقود لم تصمد أمام المتغيرات الاقتصادية."
وحذر خبراء من أن أي فجوة بين قيمة الدعم النقدي ومعدلات التضخم قد تؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر الفقيرة، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على أمنهم الغذائي.
استبعاد ملايين المستفيدين
بالتوازي مع النقاش حول الدعم النقدي، تمضي وزارة التموين في إعادة هيكلة منظومة الدعم الحالية.
نقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر مطلع بالوزارة أن عدد المواطنين الذين تم حذفهم من منظومة الدعم التمويني وفق محددات العدالة الاجتماعية ومعايير الاستحقاق بلغ نحو 850 ألف مواطن خلال يونيو 2026.
ولفت مصدر آخر بالتموين إلى أن منظومة الدعم تضم حالياً 68 مليون مستفيد، مرجحاً خروج ما بين 10 إلى 12 مليون شخص من المنظومة بشكل نهائي بعد إتمام عملية تنقية بطاقات التموين, موضحا أن المستفيدين سيُقسمون إلى أربع درجات، تحصل الفئات الأكثر احتياجاً على قيمة الدعم الكاملة، بينما تضم الدرجة الرابعة الفئات القابلة للخروج نهائياً من المنظومة وفق معايير الاستحقاق الجديدة.
ومن المنتظر أن تعلن الحكومة تفاصيل هذه الشرائح وآليات تطبيقها خلال مؤتمر مرتقب نهاية الشهر الجاري.
“اتحذفت من التموين”
ولم تمر قرارات الحذف بهدوء، إذ شهدت مواقع التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الشكاوى والانتقادات.
منى السيد أعلنت عبر أحد جروبات “فيسبوك” أنها فوجئت بحذفها من التموين عبر بوابة مصر الرقمية، معلقة: “الله يخرب بيوتهم” وتساءل عدد من المعلقين عما إذا كان الاستبعاد ناتجاً عن امتلاك سيارة أو وجود خطأ في البيانات، إلا أنها أكدت أنها لا تعرف سبب الحذف.
وساخراً، كتب سامح الصادق: “الدولة في خدمة المواطن، الحمد لله اتحذفت من التموين”, أما طارق جلال، فأعلن استبعاده رغم كونه على المعاش ويعاني من إعاقة سمعية كاملة، موضحاً أن سبب الحذف يعود إلى امتلاكه سيارة موديل 2020.
من يبقى داخل المنظومة؟
وتستعد وزارة التموين خلال يوليو المقبل لتفعيل أحد محددات العدالة الاجتماعية الخاصة بالدخل ضمن خطة تنقية بطاقات التموين، يستند المعيار الجديد إلى بيانات المرتبات والمعاشات، إذ سيتم استبعاد المواطنين الذين يبلغ إجمالي دخلهم الشهري 24 ألف جنيه فأكثر، سواء من العاملين بالقطاع الحكومي أو الخاص، بحسب ما نقلته وسائل إعلام عن مصادر بالوزارة.
وتعتمد وزارة التموين في عمليات المراجعة على قواعد بيانات محدثة وربط إلكتروني مع الجهات المعنية، بما يسمح بتحديد المستحقين للدعم وغير المستحقين وفق مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، تتضمن الضوابط المتداولة عبر المنصات الحكومية حالات أخرى قد تؤدي إلى إيقاف الدعم، من بينها ارتفاع معدلات الإنفاق، أو امتلاك أصول وممتلكات تعكس قدرة مالية تتجاوز شروط الاستحقاق, وتشمل هذه المؤشرات ارتفاع قيمة فاتورة الكهرباء، وامتلاك مساحات زراعية كبيرة، أو سيارات حديثة، أو أنشطة تجارية مرتفعة العائد، فضلاً عن سداد مصروفات تعليمية مرتفعة.
دوامة التظلمات
وفي مواجهة شكاوى المواطنين، عممت وزارة التموين منشوراً دورياً يتضمن الضوابط المنظمة للتعامل مع تظلمات المتضررين من قرارات إيقاف الدعم التمويني.
ويتعين على المواطن الذي تم استبعاده من منظومة الدعم تحديث بياناته المتعلقة بالدخل والإنفاق والأملاك والحيازات من خلال منصة مصر الرقمية اعتباراً من 14 يونيو 2026 قبل التقدم بطلب التظلم، وألزمت المواطنين بإرفاق المستندات الدالة على أحقيتهم في الحصول على الدعم التمويني، إلى جانب ما يثبت الانتهاء من تحديث البيانات على المنصة الإلكترونية، قبل التوجه إلى مكتب التموين المختص لتقديم طلب التظلم.
وتزعم حكومة الانقلاب أن إعادة هيكلة منظومة الدعم تستهدف توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر احتياجاً، بينما يبقى الجدل قائماً حول ما إذا كان التحول المحتمل إلى الدعم النقدي سيمنح الأسر الفقيرة حرية أكبر في إدارة احتياجاتها، أم سيجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار وتآكل القدرة على تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية، في ظل موجات التضخم المتتالية وتدهور العملة المحلية.