بعد إنفاق أكثر من 4 مليار و نزع ملكية مئات المنازل من أجله، المونوريل يتعطل لثاني مرة، وأعلنت وزارة النقل بدء تطبيق خصم بنسبة 50% على تذاكر المرحلة الأولى من مونوريل شرق النيل، وذلك يومي الجمعة والسبت وأيام العطلات الرسمية لمدة ثلاثة أشهر، ورغم أن الإعلان بدا في ظاهره خطوة لتخفيف العبء عن المواطنين، فإن توقيت الخصم وطبيعته يثيران تساؤلات حول جدواه الحقيقية، خاصة أن أيام الجمعة والسبت ليست أيام عمل، ولا تمثل الضغط الفعلي الذي يواجهه مستخدمو المواصلات العامة.
والخصم كما يبدو في أيام الإجازة لا يغيّر من التكلفة اليومية التي يتحملها الموظفون والعمال الذين يعتمدون على النقل العام من الأحد إلى الخميس، وهي الأيام التي تشهد أعلى كثافة ركاب. وهذا يعزز الانطباع بأن القرار أقرب إلى خطوة دعائية منه إلى سياسة نقل عام عادلة.
ويشبه الخصم الأخير خصم ال3 أيام في بداية التشغيل، وعادت التذاكر من 20 جنيها لـ 80 جنيها حسب عدد المحطات، ووضعت خصما 50٪ لكبار السن وذوي الهمم، وقال نشطاء منهم @since_011X " المفروض كبار السن وذوي الهمم يكون مجاني ولا إيه ؟".
https://x.com/egy_technocrats/status/2054952245624533114
أسعار التذاكر والاشتراكات الحالية
وتتراوح أسعار تذاكر المونوريل بين 20 و80 جنيهًا حسب عدد المحطات، مع استمرار خصم 50% لكبار السن وذوي الهمم، رغم أن كثيرين يرون أن هذه الفئات كان ينبغي أن تحصل على الخدمة مجانًا.
كما أعلنت الوزارة عن وجود اشتراكات أسبوعية وشهرية، في محاولة لتخفيف التكلفة على المستخدمين الدائمين.
ويعمل الخط حاليًا من السادسة صباحًا حتى السادسة مساءً، من محطة المشير طنطاوي حتى مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية، مع توقعات بزيادة ساعات التشغيل بعد اكتمال المرحلة الكاملة.
وبحسب هند @hind_selim22 "بغض النظر عن أنه عطلان أو مش عطلان.. المونوريل منذ انتهاء الثلاث الأيام المجانية ( فاضي خالص) _رايح جاي فاضي".
وقال مراقبون: إن "الخصومات المؤقتة قد تُجمّل الصورة، لكنها لا تغيّر الواقع: المونوريل ما زال غاليًا، ولا يزال بعيدًا عن متناول شريحة واسعة من المصريين الذين يحتاجون إلى نقل عام حقيقي، ميسور التكلفة، ويخدمهم في أيام العمل قبل الإجازات.
ردود فعل المواطنين على الأسعار
في بث مباشر من داخل المونوريل في آخر أيام التشغيل المجاني، علّق أحد المواطنين ساخرًا: “ابقى قابلني لو حد ركبك تاني ده علشان مجاني بس”، وهو تعليق يعكس ضيقًا واضحًا من ارتفاع الأسعار، ويشير إلى فجوة بين تكلفة الخدمة ومستوى الدخل الفعلي للمواطنين، هذا الشعور لا يأتي من فراغ، إذ تُظهر المقارنات أن أسعار المونوريل غير ملائمة لمتوسط الأجور في مصر، وأنه يتحول تدريجيًا إلى وسيلة نقل تخدم فئات أعلى دخلًا، بدلًا من أن يكون وسيلة نقل جماعية متاحة للجميع.
وقال شعبان @shaaban77 "المونوريل لن يركبه إلا الموظفين بتوع العاصمة الإدارية أو بعض الناس اللي ليهم مصلحة أو ختم عند مدام عفاف في الوزارة هناك، طبعا يومي الجمعة و السبت لن يكون هناك ركاب و لذلك اخترعوا التخفيض حتي يجد المونوريل ركاب و لا يسير فارغا و تبقي فضيحة".
https://x.com/shaaban77/status/2054949852593676718
مقارنة بالأجور
وتشير بيانات منصة “متصدقش” إلى أن متوسط تكلفة ركوب المونوريل لعشر محطات يبلغ 40 جنيهًا، وهو ما يمثل الفئة المتوسطة بين الأسعار المطروحة. وباحتساب رحلتي ذهاب وعودة لمدة 22 يوم عمل، تصل التكلفة الشهرية إلى 1760 جنيهًا، أي ما يعادل 25.1% من الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه، وحتى بعد تطبيق الحد الأدنى الجديد للقطاع الحكومي في يوليو 2026 (8000 جنيه)، ستظل النسبة مرتفعة عند 22%. أما الاشتراك الربع سنوي، الذي يغطي 180 رحلة لعشر محطات بتكلفة 3600 جنيه، فيخفض التكلفة الشهرية إلى 900 جنيه، أي 13% من الحد الأدنى الحالي، و11.25% من الحد الأدنى الجديد. ورغم أن الاشتراك يبدو أقل تكلفة نسبيًا، فإنه يظل مرتفعًا مقارنة بوسائل النقل العامة الأخرى، مثل المترو الذي تبلغ تذكرته 12 جنيهًا لعشر محطات، أو القطار الكهربائي الخفيف LRT الذي تبلغ تذكرته 20 جنيهًا لنفس المسافة.
تكلفة النقل مقارنة بمتوسط الدخل اليومي
تزداد الصورة وضوحًا عند مقارنة تكلفة المونوريل بمتوسط الأجر اليومي في مصر، والذي يبلغ 243 جنيهًا وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فتكلفة تذكرتي ذهاب وعودة بقيمة 80 جنيهًا تمثل 32.9% من متوسط الدخل اليومي، وهي نسبة كبيرة لمن لا يعملون في وظائف ثابتة أو يحصلون على أجور يومية. كما أن بند المواصلات العامة يُعد من أكثر البنود إرهاقًا للأسر المصرية، إذ تتراوح نسبة الإنفاق عليه بين 4.3% و8.9% من إجمالي الإنفاق، وهي نسبة أعلى من الإنفاق على الاتصالات والتعليم والثقافة والترفيه، ومع الارتفاع المستمر في أسعار الوقود وتوقف نشر بيانات بحث الدخل والإنفاق منذ سنوات، فإن هذه النسب مرشحة للزيادة.
التضخم وارتفاع تكلفة النقل
وتوضح بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن تكلفة خدمات النقل ارتفعت بنسبة 29.2% في أبريل 2026 مقارنة بالعام السابق، ما يزيد من الضغط على الأسر، وتشير دراسة للاتحاد الدولي للنقل العام في مايو 2025 إلى أن النقل العام يجب أن يكون في متناول الجميع، وأن العديد من الدول الأوروبية اتجهت إلى جعل وسائل النقل مجانية بعد جائحة كورونا، وتؤكد الدراسة أن تحقيق النقل العادل يتطلب توازنًا بين أسعار التذاكر والدعم الحكومي، بحيث تُستخدم المخصصات الحكومية لتغطية أي عجز ناتج عن تخفيض الأسعار، بدلًا من تحميل المواطنين التكلفة الكاملة.
المونوريل بين كونه خدمة عامة ومشروعًا تجاريًا
في ضوء كل هذه المعطيات، يصبح واضحًا أن خصم 50% في أيام الإجازة لن يغيّر حقيقة أن المونوريل ما زال وسيلة نقل مرتفعة التكلفة، رغم أنه يفترض أن يكون خدمة عامة ممولة من الدولة لخدمة الناس، لا عبئًا إضافيًا عليهم. فالخصم المؤقت لا يعالج جوهر المشكلة، ولا يخفف العبء عن الفئات التي تعتمد على النقل العام يوميًا، كما أن تشغيل المونوريل في مناطق ذات تكلفة معيشية مرتفعة، مثل التجمع والعاصمة الإدارية، يجعله يبدو وكأنه وسيلة موجهة لفئات أعلى دخلًا، بدلًا من أن يكون وسيلة نقل جماعية عادلة ومتاحة للجميع.
وسخر محمد عبدالرحمن @mohamed041979 وقال "المونوريل عطل تاني يا كاااااامل .. يا مصر بتعمليها إزاي ".
وأضاف "أصلا كامل عامل المونوريل علشان الشعب كله يضحك. .. إحنا اللي كنا فاهمين غلط .".
https://x.com/mohamed041979/status/2054947038983270863
النقل المستدام ورؤية مصر 2030
إن النقل العام ليس مجرد وسيلة انتقال، بل هو حق أساسي ومكوّن رئيسي من مكونات “النقل المستدام” الذي تتبناه رؤية مصر 2030 وهدف من اهداف برنامج الأمم المتحدة الانمائي، ولكي يتحقق هذا الهدف، يجب أن تكون الأسعار عادلة، وأن يكون الدعم الحكومي حاضرًا، وأن تُدار وسائل النقل العامة باعتبارها خدمة اجتماعية، لا مشروعًا تجاريًا يهدف إلى استرداد التكلفة من جيوب المواطنين.