يرى محللون أن الدولة المصرية تواجه اليوم "حرباً رمادية" تجمع بين الاستباحة الاستخباراتية الرقمية ومحاولات الاستدراج الميداني لصراعات إقليمية دموية، وبينما ترسم تل ابيب "خارطة صدام" مستقبلية عبر رصد كل شبر في العمق المصري وبناء ذرائع "العدوان الوقائي"، تتصاعد التحذيرات من سيناريوهات "مطبوخة في الظل" تهدف لجر الجيش المصري إلى مواجهة مباشرة مع إيران عبر عمليات استهداف مضللة للقوات في الخارج وهو الاستدراج الذي اعتبره القائد العسكري اللواء أحمد وصفي بـ"السذاجة" بقوله: "لا اعتقد القيادة في مصر ساذجة إلى هذا الحد!"..
يأتي ذلك في وقت فرضت فيه "تكنولوجيا المسيرات والرادارات الحديثة" معادلات عسكرية جديدة قلبت موازين القوة؛ حيث لم يعد السلاح الأغلى هو الحاسم، بل أصبحت القدرة على حماية العمق الاستراتيجي ومواجهة "حروب الإغراق" هي معركة الوجود الحقيقية في ظل تحالفات تتبدل وتهديدات تحاصر "السيادة المصرية" من كل اتجاه.
هل يُدفع الجيش المصري إلى حرب لا تخصه؟
وتساءل تحليل نشره حزب تكنوقراط مصر عبر @egy_technocrats ".. هل يُدفع الجيش المصري إلى حرب لا تخصه؟" وضمن قراءة متداولة تكشف سيناريو خطيرًا يُطبخ في الظل وهو أنه وسط اشتعال المنطقة وتداخل المصالح والتحالفات، تتصاعد تحذيرات وتحليلات تتحدث عن مخطط بالغ الخطورة قد يهدف إلى جرّ الجيش المصري إلى مواجهة مباشرة مع إيران، عبر عملية صادمة يتم تسويقها للرأي العام باعتبارها “عدوانًا إيرانيًا”.
ولفت إلى أن السيناريو المتداول يتحدث عن احتمال استهداف القاعدة أو القوة العسكرية المصرية التي ارسلها السيسي مخالفا للدستور الى خارج الحدود، (الامارات) وسقوط عدد كبير من الضباط والجنود المصريين، في حدث قد يُستخدم لإشعال موجة غضب شعبية وإعلامية هائلة، تدفع نحو رد عسكري سريع تحت شعار “الثأر لدماء المصريين”.
وبحسب أصحاب هذه القراءة، فإن أخطر ما في الأمر ليس العملية نفسها، بل ماكينة التوجيه الإعلامي التي قد تدخل فورًا على الخط، عبر حملات تعبئة وتحريض واسعة، تُغلق باب التساؤلات وتدفع بالرواية الجاهزة إلى الواجهة قبل ظهور أي تحقيقات أو حقائق مستقلة.
الهدف ـ وفق هذه التحليلات ـ هو وضع القيادة المصرية والجيش أمام ضغط شعبي وعاطفي هائل، يجعل التراجع أو التريث يبدو وكأنه ضعف أو تخاذل، بما يفتح الباب أمام إدخال مصر في حرب إقليمية معقدة قد تخدم أطرافًا أخرى أكثر مما تخدم الأمن القومي المصري.
ويرى متابعون أن مجرد تداول هذا السيناريو على نطاق واسع يمثل محاولة استباقية لكشف أي تحركات مشبوهة قبل وقوعها، وإثارة وعي شعبي يمنع استخدام الدم المصري كورقة في صراعات النفوذ الإقليمي.
وخلص إلى أنه في منطقة تمتلئ بالحروب السرية والعمليات الرمادية والتحالفات المتبدلة، لم يعد السؤال: هل يمكن أن يحدث ذلك؟ بل أصبح: من المستفيد إذا حدث فعلًا؟
"السيادة" في مواجهة "الاستباحة" الرقمية
وفي قراءة جرس إنذار مبكر، كشف الكاتب عبد الرحمن عياش عن تحول نوعي ومقلق في طبيعة الرصد الصهيوني للدولة المصرية، مؤكداً أن تل أبيب لم تعد تكتفي بالمراقبة الروتينية، بل انتقلت إلى مرحلة "الاستعداد الميداني" وتشييد الذرائع القانونية والسياسية لصدام مستقبلي محتمل. واستهل عياش طرحه بمقدمة صادمة كشفت عن استباحة رقمية للمجال المصري، حيث أوضح أن محللي الأقمار الصناعية الإسرائيليين، وعلى رأسهم "بن صهيون ماكاليس"، نجحوا في تحويل المعلومات مفتوحة المصدر إلى أداة استخباراتية فتاكة تعمل في وضح النهار، لترصد كل شبر من الأرض المصرية وتوثق أدق التفاصيل من منشآت تحت أرضية إلى قواعد صواريخ "سكود" وصولاً إلى تحركات الدبابات في العريش، مما جعل العمق المصري مكشوفاً بإحداثيات دقيقة تُنشر وتُتداول في مراكز الأبحاث الغربية.
وأوضح الكاتب أن هذا الرصد التقني ليس معزولاً عن صالونات صناعة القرار في إسرائيل، بل هو وقود لتحركات سياسية يقودها بنيامين نتنياهو شخصياً. وأشار عياش إلى كواليس جلسة مغلقة عقدها نتنياهو أمام لجنة الشئون الخارجية والأمن بالكنيست في فبراير 2026، عبّر فيها صراحة عن توجسه من "بناء القوة المصرية" وضرورة منع أي تراكم عسكري مفرط يتجاوز الخطوط الحمراء الصهيونية.
ولم يتوقف الأمر عند التصريحات الداخلية، بل كشف عياش عن تحريض صهيوني مباشر في واشنطن، حيث سعى نتنياهو للضغط على الإدارة الأمريكية عبر تقديم قوائم بـ "انتهاكات" مصرية مزعومة لاتفاقية السلام، مدعياً أن بناء المدارج العسكرية والمنشآت تحت الأرض في سيناء يمثل بنية تحتية "هجومية" تستوجب التدخل الدولي.
وفي تحليل أعمق لفلسفة الصراع، أشار عياش إلى أن الكيان ينظر إلى حق مصر السيادي في حماية مجالها الجوي —عبر تقنيات متطورة مثل الرادار الروسي "Rezonans-NE" القادر على رصد الطائرات الشبحية— باعتباره "تهديداً وجودياً" وليس حقاً مشروعاً لدولة تحمي حدودها. وأكد الكاتب أن هذا المنطق الصهيوني هو جزء من استراتيجية "صناعة الذريعة" المعتادة، التي تبدأ بالرصد الاستخباري ثم التسريب الإعلامي، تليها تصريحات السياسيين المتطرفين، وصولاً إلى إقناع المجتمع الدولي بضرورة "التحرك الوقائي" ضد الخطر المزعوم، وهو ذات الأسلوب الذي سبق كل الحروب الإسرائيلية السابقة في المنطقة.
واختتم عياش رأيه بنبرة حادة وواضحة، معتبراً أن المواجهة القادمة حتمية لأن تل ابيب تدرك أن قوة مصر هي العائق الأكبر أمام طموحاتها الإقليمية، ولذلك تسعى لاحتوائها قبل أن يكتمل مشروع تحصينها. وشدد الكاتب على أن مصر لا تحتاج إلى إذن من تل أبيب أو واشنطن لتعزيز جيشها، لكنه وجه دعوة عاجلة للخطاب السياسي والإعلامي المصري بضرورة الارتقاء إلى مستوى المسئولية، وإعداد الجبهة الداخلية لمواجهة هذه التحديات الجسيمة، بدلاً من تجاهل حقيقة أن تل أبيب تبني ملفاً متكاملاً لتبرير اعتداءات مستقبلية تحت دعاوى "الدفاع عن النفس".
https://x.com/3yyash/status/2054191732598669562
تحليل عسكري بحثي
الباحث والمحلل العسكري الأمني محمود جمال @mahmoud14gamal أشار إلى أن الحروب الحديثة كشفت عن تحولات عميقة في طبيعة القوة العسكرية وأدواتها، فلم يعد التفوق العسكري مرتبطًا فقط بالجيوش الضخمة أو المنظومات الباهظة الثمن، بل ظهرت أدوات أقل تكلفة وأكثر مرونة استطاعت أن تفرض معادلات جديدة على أرض المعركة، وفي مقدمتها المسيّرات والصواريخ الباليستية.
وذلك التحول في طبيعة التسليح والقوة العسكرية خلق حالة من توازن الردع بين خصمين غير متكافئين، حيث تستطيع جهة أقل إمكانيات أن تُرهق قوة أكبر عبر الكثافة العددية والمرونة التشغيلية وحرب الإغراق.
تحت عنوان يعكس جوهر التحولات الدراماتيكية في العقيدة العسكرية العالمية، قدم "جمال" رؤية تحليلية معمقة حول كيفية إعادة تشكيل "المسيرات الرخيصة" لموازين القوى في الصراعات المعاصرة.
واستعرض جمال في أطروحته تحولاً جذرياً في مفهوم التفوق، حيث لم تعد الضخامة العددية أو الميزانيات المليارية هي الضامن الوحيد للنصر، بل برزت أدوات "زهيدة" فرضت واقعاً جديداً من الاستنزاف غير المتكافئ.
السلاح الأغلى أمام زحف الدرونز
واستهل جمال تقريره بالإشارة إلى أن الساحات المشتعلة اليوم، من أوكرانيا إلى جنوب لبنان وصولاً إلى المواجهات المباشرة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، كشفت عن تآكل الهيبة العسكرية التقليدية. وأوضح الكاتب أن المسيّرات الانتحارية والهجومية منخفضة التكلفة استطاعت ببراعة استهداف وتحييد منظومات عسكرية تُقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات. فالدبابات المتطورة، والسفن الحربية، والرادارات، لم تعد محصنة أمام أسراب الدرونز التي تتبع سياسة "الإغراق" والقدرة العالية على المناورة، مما خلق معادلة استنزاف ترهق القوى الكبرى لصالح جهات أقل إمكانيات مادية.
وانتقل المحلل العسكري إلى نقطة جوهرية تتعلق بالصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز بعيدة المدى، مؤكداً أن امتلاك القدرة على ضرب "العمق الاستراتيجي" للخصم لم يعد حكراً على القوى العظمى التي تمتلك أساطيل جوية ضخمة وباهظة التكلفة.
وأوضح جمال أن المنشآت الحساسة ومراكز القيادة والمطارات باتت في مرمى نيران أسلحة أقل تعقيداً وأقل كلفة مقارنة بالمنظومات الغربية، مما منح دولاً وجهات فاعلة غير نظامية القدرة على خلق حالة من الردع الاستراتيجي بتكاليف معقولة.
الترسانة الضخمة
ورغم هذا الصعود للقوى "الرخيصة"، يرى محمود جمال أن الأسلحة التقليدية والحرب الإلكترونية والأقمار الصناعية لا تزال عناصر حاسمة، لكنه استدرك بأن "التوازن العسكري" نفسه قد تبدل. وأوضح أن التفوق المطلق لم يعد مضموناً لمن يدفع أكثر، بل أصبح بالإمكان خلق حالة من الإرباك والردع إذا ما وُظفت القدرات البسيطة ضمن "عقيدة عسكرية ذكية" ومنظومة تشغيل فعالة تعتمد على الابتكار والمرونة، بدلاً من الاعتماد الكلي على الترسانات الثقيلة والجامدة.
أولويات عسكرية
وفي قراءته لآفاق المستقبل، أشار الكاتب إلى أن الجيوش الحديثة بدأت بالفعل في إعادة النظر في أولوياتها؛ حيث تصاعد الاهتمام بتقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري، وأنظمة مكافحة الدرونز، وتطوير تكتيكات تتسم بالسرعة والمرونة. واختتم جمال رؤيته بالتأكيد على أننا بصدد مرحلة جديدة في تاريخ الحروب، لن يكون فيها "السلاح الأغلى" هو العامل الحاسم وحده، بل ستكون الكفاءة في إدارة المعركة والقدرة على ابتكار حلول منخفضة الكلفة هي المعيار الجديد لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية.