في تصريحات لفتت الأنظار لشبكة "فوكس نيوز"، كشف جاريد كوشنر عن طبيعة الانطباعات التي خرج بها من لقاءاته مع وفد حركة حماس في مصر، مشيراً إلى أن حماس قالت الأشياء الصحيحة، وأن الاجتماع كان ودياً للغاية. ورغم تأكيده صعوبة الوثوق الكامل بمنظمة خاضت صراعاً مريراً، إلا أن كوشنر أبدى استعداداً لمنح الحركة فرصة لإثبات صدق نواياها عبر خطوات عملية وميدانية.
المثير في هذا السياق أن المبعوث الأمريكي لم يبدِ أي تقييم علني مماثل أو ثقة تجاه تل أبيب، بل على العكس؛ واجهت الإدارة الأمريكية تعنتاً واضحاً من بنيامين نتنياهو الذي عُرف برفضه لأي مسار يفضي إلى انسحاب كامل أو تقديم تنازلات سياسية قبل تحقيق أهداف الحرب، مما يعكس انحيازاً موضوعياً لمرونة المقاومة في مقابل تصلب الاحتلال.
تأسيساً على المعطيات الميدانية والسياسية، تكتسب قراءات المحللين بارزي الحضور على منصات التواصل الاجتماعي أولوية قصوى في تفكيك هذا المشهد المعقد.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة (@YZaatreh) في قراءة تحليلية عميقة لمسار المفاوضات، أن مفاوضي المقاومة يواجهون ظروفاً بالغة الصعوبة أمام وسطاء يعيشون هاجس إرضاء "البلطجي الأحمق" (في إشارة للضغط المستمر على المقاومة بدلاً من استثمار الخلاف بين واشنطن وتل أبيب).
ويؤكد الزعاترة أن معادلة المعاناة الإنسانية لا ينبغي أن تُستخدم كأداة ضغط لانتزاع تنازلات كبرى تتعلق بالانسحاب الكامل، داعياً إلى رفض حالة "نصف الحرب" القائمة والتمسك بالثوابت ولو أدى ذلك لعودة المواجهة، لا سيما وأن مشروع الاحتلال يتجاوز غزة إلى الإقليم بأكمله.
ويرى الكاتب والباحث فايد أبو شمالة (@fayedfa) من غزة، خطورة الحراك الدبلوماسي الثلاثي (كوشنر، ميلادينوف، توني بلير)، معتبرًا إياه حلقة تنفيذية متكاملة لترتيبات "اليوم التالي".
ويشير أبو شمالة إلى أن اللقاء المباشر بين كوشنر وخليل الحية في العلمين يُعد حدثاً تاريخياً غير مسبوق يضع واشنطن وحماس وجهاً لوجه.
ورغم خطورة الملفات المطروحة (تجميد السلاح، الانسحاب، إدارة غزة)، يرى أبو شمالة أن العقدة الأصعب تكمن في قدرة واشنطن على كسر تعنت نتنياهو، متسائلاً عما إذا كانت هذه الخطة ستكون أداة عادلة أم مجرد وسيلة للضغط على الشعب المقهور بينما يمتلك المحتل حق التعطيل المطلق.
الشروط المتعنتة
وبالمقابل، وفي المحادثات الرسمية، رفض نتنياهو تقديم أي التزامات بانسحاب عسكري شامل قبل إنجاز عملية نزع السلاح بالكامل وتفكيك البنية التحتية العسكرية لحماس، وطالب بضمانات صارمة وإشراف دولي مباشر (مقترح إدخال جنرال أمريكي للإشراف)، مع الاحتفاظ بحرية العمل المطلقة لجيش الاحتلال وعمليات الاغتيال، وهو ما خلق صداماً مستمراً مع رغبة إدارة ترامب في دفع الخطة قدماً وعدم تركها رهينة الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو.
صحيفة "تايمز أوف (Israel)" ركّزت في تغطية صادرة عنها على تفاصيل لقاءات كوشنر في مدينة العلمين مع السيسي، ثم مع وفد حركة حماس برئاسة خليل الحية (إلى جانب نيكولاي ميلادينوف وتوني بلير وممثلي الدول الوسيطة).
وأبرزت الصحيفة أن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل التعهدات النظرية إلى خطوات عملية قبل أن ينهار اتفاق وقف إطلاق النار تماماً. وأشارت إلى أن واشنطن تصر على أن إعادة إعمار قطاع غزة لن تبدأ إلا بعد اكتمال عملية نزع سلاح حماس وتسليمه عبر الحكومة التكنوقراطية إلى القوة الدولية لحفظ السلام (ISF) لتدميره.
وسلطت الضوء على مخرجات لقاء كوشنر ونتنياهو لإنشاء "آلية لفض التنازع" (Deconfliction Mechanism) للتعامل مع أي تهديدات أو احتكاكات ميدانية، والتأكد من عدم استخدام الكيان لذريعة "التهديدات الوشيكة" على نحو مبالغ فيه لتعطيل المسار.
كما أن صحيفة «معاريف» الصهيونية أشارت إلى أن جاريد كوشنر مارس ضغوطاً مكثفة وواضحة خلال مباحثات القاهرة على قيادة حماس (خليل الحية) من أجل الشروع بخطوات عملية وملموسة لنزع السلاح، رابطةً ذلك ببحث انسحاب متزامن من مناطق في قطاع غزة.
ووضعت «معاريف» الطرح الأمريكي في إطار صفقة تبادل التزامات؛ حيث تتعهد حماس بالخطوات الأمنية المتعلقة بالسلاح، بينما يطالب الوسطاء ومجلس السلام بإلزام تل أبيب بوقف الخروقات والانسحاب تدريجياً وفق خارطة طريق المرحلة الثانية لخطة ترامب.
وكشفت تقارير إعلامية عبرية (ومنها ما نقلته القنوات والمصادر المقربة) عن حالة من التوتر والغضب الشديد سادت أروقة الحكومة الصهيونية، حيث قام نتنياهو بتوبيخ كوشنر خلال اجتماعهما في القدس على خلفية إقدامه على الاجتماع المباشر وجهاً لوجه مع قيادات حركة حماس في مصر.
واعتبر نتنياهو أن هذا التواصل المباشر يعطي حركة حماس وزناً سياسياً ودبلوماسياً ويقوض الجهود الإسرائيلية لعزلها. وفي المقابل، دافع كوشنر عن خطوته بتأكيده ضرورة سماع التزامات نزع السلاح مباشرة وبشكل شخصي، مذكراً بأن نهجه المباشر سابقاً هو ما أسفر عن إنجاح صفقات سابقة (مثل صفقة الرهائن في أواخر 2025).
إلا أن حماس أبدت مرونة مسئولة تحت سقف التمسك بحقوق شعبها وثوابت اتفاق شرم الشيخ، يقف نتنياهو متخبطاً بين ضغوط واشنطن وحساباته الانتخابية الضيقة. لتظل الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت إدارة ترامب قادرة على فرض رؤيتها على تل أبيب، أم أن غزة ستظل رهينة لتعنت الاحتلال وفقدان الوسطاء لبوصلة العدالة الحقيقية.