ما سر الفروق بين القيمة التعاقدية والمبالغ المصروفة؟.. “مستقبل مصر” يتعاقد على توريد وجبات العاملين بقطاع البترول

- ‎فيتقارير

يثير التعاقد المباشر لتوفير الوجبات الغذائية للعاملين في عدد من المواقع التابعة للقطاع البترولي والتعديني، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 76.8 مليون جنيه، تساؤلات حول آليات تحديد تكلفة الوجبات وقيمة ما يحصل عليه العاملون فعليًا، في ضوء أرقام واردة في مستندات منسوبة إلى الإدارة العامة للتعاقدات بالهيئة المصرية العامة للبترول والثروة المعدنية.

وبحسب البيانات الواردة في المستندات التي يستند إليها هذا التقرير، يتضمن التعاقد مبالغ شهرية مخصصة للوجبات الغذائية للعاملين، تبلغ 7,121 جنيه للعامل بالمقر الرئيسي مقابل وجبتي الإفطار والغداء، فيما تصل إلى 8,973.5 جنيه للعاملين بالمواقع الجبلية والصحراوية مقابل ثلاث وجبات يوميًا.

وتفتح هذه الأرقام بابًا واسعًا للتساؤل حول الفارق بين القيمة المالية المحددة في التعاقد وبين ما يقول النص إنه يُصرف فعليًا لبعض العاملين.

 

76.8 مليون جنيه قيمة الإسناد

تشير البيانات الواردة في المستندات إلى إسناد توريد الوجبات الغذائية إلى جهاز مستقبل مصر بقيمة إجمالية تبلغ نحو 76.8 مليون جنيه. ويأتي التعاقد في إطار خدمات الإعاشة والوجبات للعاملين بالمواقع المختلفة، وهي خدمات ترتبط بطبيعة العمل في المناطق الصحراوية والجبلية التي تتطلب توفير وجبات بصورة منتظمة للعاملين.

وبحسب الأرقام الواردة، جرى احتساب قيمة شهرية تبلغ 7,121 جنيه للعامل بالمقر الرئيسي، موزعة وفقًا للتعاقد على وجبتي الإفطار والغداء، بينما تبلغ القيمة المخصصة للعامل بالمواقع الجبلية والصحراوية 8,973.5 جنيه مقابل ثلاث وجبات.

 

فروق بين القيمة التعاقدية وما يحصل عليه العامل

المسألة الأكثر إثارة للتساؤلات، وفق ما يورده النص محل المراجعة، تتعلق بوجود فارق بين القيمة المحددة في التعاقد والمبالغ التي يقول النص إن بعض العاملين يحصلون عليها فعليًا.

ففي حالة العامل بالمقر الرئيسي، يشير النص إلى أن القيمة المحددة تبلغ 7,121 جنيه شهريًا، بينما يحصل العامل فعليًا، بحسب الادعاء الوارد، على نحو 5,300 جنيه فقط، بفارق يبلغ 1,821 جنيه تقريبًا.

أما العامل بالمواقع الجبلية والصحراوية، فتبلغ القيمة التعاقدية المشار إليها 8,973.5 جنيه، في حين يشير النص إلى صرف نحو 6,250 جنيه، بما يترك فارقًا يبلغ حوالي 2,723.5 جنيه.

وتحتاج هذه الفروق إلى تفسير رسمي واضح يحدد طبيعتها، وما إذا كانت تمثل تكلفة خدمات أو خصومات أو بنودًا أخرى منصوصًا عليها تعاقديًا، أم أنها مبالغ لا تصل إلى العامل رغم إدراجها ضمن تكلفة الوجبات.

 

أسئلة حول آلية الصرف

وتطرح الأرقام الواردة في المستندات عددًا من الأسئلة التي تتطلب إجابات من الجهات المعنية، من بينها:

•             ما القيمة الفعلية التي يتحملها التعاقد مقابل الوجبة الواحدة؟

•             هل المبالغ المحددة للعاملين تمثل قيمة نقدية مستحقة للعامل، أم تكلفة إجمالية تشمل مكونات وخدمات أخرى؟

•             ما البنود التي تفسر الفارق بين القيمة التعاقدية والمبلغ الذي يحصل عليه العامل؟

•             هل توجد كشوف تفصيلية توضح عدد المستفيدين وقيمة الوجبات التي تم تقديمها فعليًا؟

•             ومن الجهة التي تراجع تنفيذ التعاقد وتطابق قيمة الخدمات المقدمة مع المبالغ التي تم صرفها؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في ظل ضخامة القيمة الإجمالية للتعاقد، وما يترتب عليها من ضرورة وجود آليات دقيقة للرقابة والمراجعة.

 

بين التعاقد والتنفيذ.. أين تكمن المشكلة؟

لا تكمن القضية، من الناحية المحاسبية، في مجرد وجود فارق بين قيمة التعاقد والمبلغ الذي يتسلمه العامل، إذ قد تتضمن قيمة التعاقد مصروفات تشغيلية وإدارية ونفقات مرتبطة بالتجهيز والنقل والتخزين والخدمات اللوجستية.

لكن حسم الأمر يتطلب الاطلاع على بنود التعاقد كاملة، والجداول المالية المرفقة به، وآليات احتساب تكلفة الوجبات، ومحاضر الاستلام، وكشوف الصرف.

وفي حال ثبت أن المبالغ المدرجة باعتبارها تكلفة للوجبات لا تتطابق مع الخدمات المقدمة فعليًا أو أن مبالغ مخصصة للعاملين يتم اقتطاعها دون سند تعاقدي أو قانوني، فإن الأمر يستوجب مراجعة الجهات الرقابية المختصة وتحديد المسؤوليات.

أما إذا كانت الفروق ناتجة عن بنود تعاقدية معلنة ومحددة، فمن الضروري توضيحها للرأي العام والعاملين منعًا للالتباس.

 

الحاجة إلى كشف التفاصيل

وتفرض طبيعة التعاقد وقيمته المالية أهمية نشر البيانات الأساسية المتعلقة به، بما يسمح بتقييم مدى توافق الإنفاق مع الخدمات المقدمة فعليًا.

فالشفافية في العقود العامة لا تتعلق فقط بالإعلان عن القيمة الإجمالية، وإنما تشمل أيضًا معرفة عدد المستفيدين، وسعر الوجبة، وتكلفة النقل والتجهيز، وآلية الدفع، والخصومات، ونسب التنفيذ، والجهة المسئولة عن الاستلام والمراجعة.

وفي ظل غياب هذه التفاصيل عن النص المتاح، تظل مسألة الفروق بين القيمة التعاقدية والمبالغ المصروفة للعاملين بحاجة إلى توثيق إضافي ورد رسمي من الجهات المعنية.

 

أسئلة تنتظر إجابات

ويبقى السؤال الرئيسي الذي تطرحه البيانات: إذا كانت القيمة التعاقدية المحددة للعامل تبلغ 7,121 جنيه في المقر الرئيسي و8,973.5 جنيه للعامل في المواقع الجبلية والصحراوية، فما الأساس الذي يحدد المبلغ الذي يحصل عليه العامل فعليًا؟ ومن المسؤول عن الفارق، وكيف يتم إثبات أوجه إنفاقه؟

هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالاتهامات أو الاستنتاجات، وإنما تحتاج إلى مراجعة المستندات الأصلية والتعاقد الكامل وكشوف الصرف ومحاضر الاستلام، إلى جانب رد واضح من الهيئة المصرية العامة للبترول والثروة المعدنية وجهاز مستقبل مصر والجهات الرقابية المختصة.

وفي انتظار هذه الإيضاحات، تظل قيمة التعاقد وآليات تنفيذ خدمات الإعاشة محل اهتمام مشروع من جانب العاملين والرأي العام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإنفاق عشرات الملايين من الجنيهات وحقوق مالية مرتبطة مباشرة بالخدمات المقدمة للعاملين.