أنهت الأسواق المصرفية والمالية في مصر تداولات الأسبوع اليوم، الخميس 24 سبتمبر 2026، على تراجع جماعي حاد للمؤشرات بالبورصة المصرية، بالتوازي مع قفزة مفاجئة لأسعار صرف الدولار الأمريكي أمام الجنيه المصري.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع قرار البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية (19% للإيداع و20% للإقراض) نتيجة وجود هامش مريح مع معدلات التضخم؛ وفيما يلي قراءة دقيقة لحركة الأسواق بنهاية التعاملات.
حركة الأسواق بنهاية التعاملات
قفزة مفاجئة في سعر الدولار الأمريكي
وشهدت البنوك المصرية صعوداً مفاجئاً لسعر صرف الدولار بنحو 35 قرشاً لينهي موجة انخفاضات الأيام الماضية ويقترب مجدداً من حاجز الـ 52 جنيهاً.
وكان أعلى سعر للبيع؛ سُجل في بنك قناة السويس عند 51.90 جنيهاً،
واستقر الوضع في البنوك الكبرى (الأهلي ومصر والتجاري الدولي) عند 51.73 جنيهاً للشراء و 51.83 جنيهاً للبيع.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع قرار البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية (19% للإيداع و20% للإقراض) نتيجة وجود هامش مريح مع معدلات التضخم.
هبوط قوي وتراجعات جماعية في البورصة
تأثرت البورصة المصرية بالضغوط الجيوسياسية الإقليمية وترقب قرارات الفائدة، لتغلق جلسة ختام الأسبوع على خسائر قوية.
تراجع رأس المال السوقي بنحو 58.1 مليار جنيه في جلسة اليوم وحده ليغلق عند 4.238 تريليون جنيه، لترتفع خسائره الإجمالية على مدار الأسبوع إلى 158 مليار جنيه.
وكان المؤشر الرئيسي (EGX 30): تراجع بنسبة 0.83% ليغلق عند مستوى 53,776.69 نقطة، مسجلاً خسارة أسبوعية بلغت نحو 3.1%.
الشركات الصغيرة والمتوسطة (EGX 70): كانت الأكثر تأثراً، حيث قادت الهبوط لتهوي بنحو 6% على مدار تداولات الأسبوع.
وجاء الهبوط مدفوعاً بضغوط بيعية مكثفة من المتعاملين العرب والأجانب، في حين مالت تعاملات المستثمرين المصريين نحو الشراء لاستغلال تراجع أسعار الأسهم.
ويرى خبراء المال أن حركة الدولار والبورصة الحالية طبيعية وتعكس "مرونة سعر الصرف" القائمة على قوى العرض والطلب وحركة دخول وخروج الاستثمارات الأجنبية، متوقعين ارتداداً وصعوداً للمؤشرات مجدداً خلال تعاملات الأسبوع المقبل.
ويفسر خبراء المال والاقتصاد الحركة العكسية المتمثلة في صعود الدولار وتراجع البورصة بجلسة ختام الأسبوع على أنها نتاج طبيعي لالتقاء عوامل عالمية ومحلية وجيوسياسية، مؤكدين أن هذه التحركات لا تعكس تدهوراً هيكلياً بل تندرج تحت مفهوم "تحركات السوق المرنة".
وعن تفسير قفزة الدولار (رغم التدفقات الدولارية)، يرى الخبراء ومنهم المحلل الاقتصادي محمد أبو باشا أن صعود الدولار بنحو 35 قرشاً ليلامس حاجز الـ 52 جنيهاً جاء مدفوعاً بـ:
ارتفاع الدولار عالمياً: صعدت العملة الأمريكية لأعلى مستوى لها في شهرين عالمياً؛ بسبب توقعات الأسواق باستمرار الفيدرالي الأمريكي في مسار التشديد النقدي لفترة أطول.
ويرى المحللون أن تذبذب الجنيه صعوداً وهبوطاً هو الدليل الحقيقي على نجاح آلية التحرير الكامل لسعر الصرف؛ فالارتفاع الحالي جاء بالتزامن مع تسوية مراكز مالية وسداد التزامات استيرادية دورية بنهاية الشهر ما يرتبط بمرونة سعر الصرف (العرض والطلب).
ودخلت مصر تدفقات قوية من "الأموال الساخنة" في أدوات الدين بلغت 1.5 مليار دولار خلال 3 أيام فقط (الثلاثاء والأربعاء والخميس)، ورغم هذه السيولة، فإن قوى الطلب التجاري العالمي وتغطية الاعتمادات المستندية تفوقت لحظياً على المعروض، مما أدى لتحرك السعر للأعلى.
تراجع وهبوط البورصة الحاد
وفسر خبراء أسواق المال خسارة البورصة لـ 158 مليار جنيه من رأس مالها السوقي هذا الأسبوع عبر محورين بحالة التحوط والترقب لقرار الفائدة حيث جاءت تعاملات جلسة الخميس في ذروة الترقب لاجتماع لجنة السياسة النقدية بـ البنك المركزي المصري، فضل المستثمرون الأجانب والعرب البيع وجني الأرباح لتوفير سيولة "كاش" ترقباً للمشهد، لاسيما بعد تسارع التضخم الأساسي إلى 14.9% في أغسطس.
ويجمع المحللون (وفقاً لتقارير بنك الاستثمار مورجان ستانلي) على أن التوترات الإقليمية والجيوسياسية الراهنة في المنطقة تدفع المؤسسات الدولية الكبرى إلى تقليص مراكزها المالية في الأسهم بالأسواق الناشئة (ومنها مصر) والتحول نحو الملاذات الآمنة أو السندات، وهو ما يفسر الضغط البيعي للأجانب مقابل قوى شراء محلية من المستثمرين المصريين الذين يحاولون قنص الأسهم بأسعار جاذبة.
وسجل احتياطي النقد الأجنبي لمصر مستوى تاريخياً غير مسبوق عند 57.22 مليار دولار بنهاية أغسطس، هذا الغطاء النقدي القوي، مدعوماً بنمو تحويلات المصريين بالخارج لتسجل 29.7 مليار دولار في أول 7 أشهر من 2026، يعطي البنك المركزي أريحية كاملة لاستيعاب هذه الموجة التنافسية العابرة.
تثبيت الفائدة
ويتوقع المحللون استقرار سعر الصرف مجدداً مستدركين أن هناك ارتباط وثيق ومباشر بين حالة الترقب التي سبقت صدور قرار تثبيت سعر الفائدة وبين هذه التحركات العنيفة في البورصة وسوق الصرف الخميس والمعروف في أسواق المال، بـ "التسعير المسبق للاحتمالات"، ويمكن شرح تداخل قرار البنك المركزي المصري بتثبيت الفائدة مع صعود الدولار وهبوط البورصة.
وتسبب ترقب قرار البنك المركزي بالفائدة، نوعا من التحوط الكاش وسلوك المؤسسات بعد أن عاشت البورصة طوال الأسبوع جلسات من التراجع بضغط من ترقب الاجتماع، تفضل المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار (خاصة العربية والأجنبية) تسييل جزء من أسهمها والاحتفاظ بـ "الكاش" قبل اجتماعات الفائدة الحاسمة لتجنب أي مفاجآت بالرفع قد تضر بجدوى الاستثمار في الأسهم.
وتثبيت الفائدة عند مستوياتها المرتفعة الحالية (19% للإيداع و20% للإقراض) يحافظ على جاذبية أدوات الدين الحكومية (أذون وسندات الخزانة) كاستثمار آمن ومضمون العائد مقارنة بالمخاطرة في سوق الأسهم، مما يجعل بعض السيولة تخرج من البورصة وتتجه نحو السندات.
انتعاش الأموال الساخنة
وتسبب تثبيت الفائدة عند هذه المستويات المرتفعة، بالتوازي مع رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة مؤخراً بنحو 25 نقطة أساس، جعل أدوات الدين المصرية تقدم عائدًا حقيقيًا مغريًا للمستثمرين الأجانب. هذا يفسر التدفق الكثيف لـ "الأموال الساخنة" التي دخلت السوق بنحو 1.5 مليار دولار في آخر 3 أيام.
ومع دخول هذه التدفقات ومرونة سعر الصرف، استغلت البنوك والشركات الاستيرادية وفرة السيولة الدولارية لتغطية اعتمادات مستندية معلقة وتسوية مراكز دورية، مما خلق طلباً تجارياً مفاجئاً على العملة الصعبة دفع سعرها للصعود لحظياً بنحو 35 قرشاً لتقترب من حاجز الـ 52 جنيهاً.
أشار بيان البنك المركزي إلى أن المخاطر الجيوسياسية الإقليمية وحالة عدم اليقين هما السببان الرئيسيان لتفضيل التريث وتثبيت الفائدة. هذه المخاطر نفسها هي التي تدفع المستثمرين الأجانب عالمياً للتحوط بيعاً في البورصات الناشئة والاتجاه نحو العملات والملاذات الآمنة، مما يربط المشهدين ببعضهما تماماً.