من باب المندب إلى الأزمات الإقليمية.. هل تمنح التطورات الخارجية السيسي متنفسًا سياسيًا وسط ضغوط الاقتصاد؟

- ‎فيتقارير

في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها المصريون، وتزايد المخاوف من تداعيات الأزمات الإقليمية على الاقتصاد والأمن القومي، تبرز التطورات المتسارعة في البحر الأحمر وباب المندب باعتبارها عاملًا جديدًا قد يعيد ترتيب أولويات النقاش العام في مصر، ويدفع جزءًا من الاهتمام الشعبي من الأزمات الداخلية إلى ملفات الأمن القومي والتهديدات الإقليمية.

وتذهب تحليلات سياسية إلى أن الأزمات المحيطة بمصر، من حرب غزة إلى التوترات في البحر الأحمر والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يمكن أن تمنح النظام مساحة للمناورة السياسية، عبر استدعاء المخاوف المتعلقة بأمن الحدود والممرات المائية ومصالح الدولة الاستراتيجية.

وكان تقرير نشرته «عربي21» قد ربط بين هذه التطورات وبين عودة خطاب الدعم للنظام في مواجهة الأصوات المطالبة بالتغيير، مستندًا إلى آراء سياسيين وباحثين مصريين.

من غزة إلى باب المندب.. الأمن القومي في مواجهة الأزمات الداخلية

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تؤثر فيها التطورات الإقليمية في طبيعة النقاش السياسي داخل مصر.

فمع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تصاعدت المخاوف المصرية من احتمالات تهجير الفلسطينيين باتجاه سيناء، بالتزامن مع سيطرة القوات الإسرائيلية على معبر رفح ومحور فيلادلفيا في مايو 2024، الأمر الذي جعل ملف غزة مرتبطًا بصورة مباشرة لدى قطاعات من المصريين بقضية الأمن القومي والحدود المصرية.

وفي الوقت نفسه، ساهمت الحرب في التأثير على الاقتصاد المصري، خصوصًا مع تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وانعكاس ذلك على إيرادات قناة السويس.

وتكرر المشهد بصورة مختلفة مع الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما ترتب عليها من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، بما وضع الاقتصاد المصري أمام ضغوط إضافية في ظل اعتماده الكبير على الواردات ومصادر النقد الأجنبي.

وفي هذا السياق، تصبح التطورات في باب المندب ذات حساسية خاصة بالنسبة لمصر، باعتبار أن استقرار هذا الممر يرتبط بصورة مباشرة بحركة الملاحة المؤدية إلى قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد.

«قبلة حياة».. قراءة سياسية للتطورات الإقليمية

وفي تعليقه على التطورات المرتبطة بباب المندب، رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير فرغلي طه أن التطورات تحمل تداعيات خطيرة، متسائلًا عن مدى استفادة النظام المصري سياسيًا من الأزمات الدولية والإقليمية المتلاحقة.

وبحسب القراءة التي نقلتها «عربي21»، فإن كل أزمة إقليمية كبرى تعيد ترتيب أولويات المصريين، إذ تنتقل المخاوف من الأسعار والبطالة والخدمات إلى قضايا الحدود والأمن القومي والممرات البحرية، وهو ما يمكن أن يوفر للنظام مساحة سياسية إضافية في مواجهة الانتقادات الداخلية.

لكن هذه القراءة لا تعني بالضرورة انتهاء الضغوط الداخلية؛ إذ تظهر بيانات حديثة للباروميتر العربي أن الاقتصاد لا يزال يمثل مصدر القلق الأكبر لدى المصريين. فقد وصف 72% من المشاركين الوضع الاقتصادي بأنه «سيئ» أو «سيئ جدًا»، بينما قال نحو 60% إنهم لم يتمكنوا من توفير ما يكفي من الطعام خلال الشهر السابق للمسح. كما رأى 85% أن أداء الحكومة في إبقاء الأسعار منخفضة ضعيف. وشملت الدراسة 1225 مصريًا، وأُجريت في سبتمبر 2025 ضمن عينة وطنية ممثلة.

«أمن الدولة» أم «أمن النظام»؟

الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية سيف الإسلام عيد يضع التطورات الإقليمية في إطار مختلف، معتبرًا أن طريقة إدارة النظام المصري للأزمات قد تساهم في إطالة عمره السياسي، لكنها -بحسب رأيه- لا تعني بالضرورة تعزيز قوة الدولة المصرية.

ويفرق عيد بين «الأمن القومي للدولة» وبين «أمن النظام السياسي»، معتبرًا أن الحفاظ على بقاء الائتلاف الحاكم قد يتحول في بعض الحالات إلى أولوية تتقدم على ملفات أخرى.

ويستشهد الباحث بأزمات إقليمية متعددة، من الحرب في السودان إلى الملف الليبي والقرن الأفريقي، إضافة إلى تطورات غزة والبحر الأحمر، ليخلص إلى أن السياسة الخارجية المصرية، وفق تقييمه، أصبحت أكثر ارتباطًا بإدارة المخاطر والحفاظ على التوازنات القائمة، بدلًا من تبني سياسات أكثر صدامًا لحماية المصالح الاستراتيجية المصرية.

وفي ملف باب المندب تحديدًا، يرى عيد أن مصر تمتلك قدرات بحرية وعسكرية تتيح لها لعب دور أكبر في حماية مصالحها البحرية، مستشهدًا بالتجربة المصرية خلال حرب أكتوبر 1973 عندما شاركت القوات البحرية في إغلاق باب المندب أمام السفن المتجهة إلى إسرائيل.

ويرى أن عدم استخدام هذه القدرات بصورة مباشرة في التطورات الحالية يعود، بحسب تقديره، إلى حسابات سياسية وإقليمية أكثر تعقيدًا.

معادلة صعبة: تجنب المواجهة أم حماية المصالح؟

وتكشف هذه القراءة عن معادلة شديدة التعقيد أمام القاهرة. فأي تحرك عسكري مصري في البحر الأحمر قد يضع البلاد أمام احتمالات مواجهة إقليمية واسعة، في وقت تعاني فيه الدولة أصلًا من ضغوط اقتصادية ومالية كبيرة.

وفي المقابل، فإن الاكتفاء بإدارة الأزمات من خلال المواقف السياسية والدبلوماسية قد يثير تساؤلات حول قدرة القاهرة على حماية مصالحها المباشرة في منطقة ترتبط بأمن قناة السويس ومصالحها البحرية.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع تراجع إيرادات قناة السويس خلال فترات اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، بما يجعل أي تصعيد طويل الأمد في باب المندب مصدر خطر اقتصادي مباشر على مصر، وليس مجرد ملف جيوسياسي بعيد.

اقتصاد مأزوم وديون ثقيلة

وبالتوازي مع التطورات الإقليمية، يواجه الاقتصاد المصري ضغوطًا متراكمة مرتبطة بالدين العام وارتفاع تكلفة المعيشة والحاجة إلى موارد مستمرة من النقد الأجنبي.

وتشير البيانات الرسمية المصرية إلى وصول الدين الخارجي إلى نحو 164.8 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، بارتفاع سنوي قدره 5.2%، وفق بيانات البنك المركزي المصري.

كما تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى استمرار ارتفاع مستويات الدين الحكومي، مع توقعات بإبقاء الدين العام عند مستويات مرتفعة خلال السنوات المقبلة، رغم افتراضات الصندوق بشأن تحسن مؤشرات النمو والتضخم تدريجيًا.

وفي الداخل، انعكست الضغوط المالية على حياة المواطنين من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القوة الشرائية، وهي عوامل جعلت الملف الاقتصادي في مقدمة القضايا التي تشغل الرأي العام.

ويؤكد «الباروميتر العربي» أن ارتفاع تكاليف المعيشة يمثل أبرز المخاوف الاقتصادية للمصريين، بنسبة 45%، يليه نقص فرص العمل والفقر، فيما قال 78% إن أداء الحكومة في توفير الوظائف ضعيف.

المشروعات الكبرى تحت المجهر

وتتركز انتقادات المعارضة المصرية كذلك على السياسة الاقتصادية التي اتبعتها الدولة خلال السنوات الماضية، خصوصًا التوسع في المشروعات القومية والإنشائية، بالتزامن مع ارتفاع الديون والحاجة إلى تمويل خارجي.

ويرى منتقدون أن جزءًا من هذه المشروعات لم يحقق العائد الاقتصادي المتوقع، وأن التوسع في الإنفاق الاستثماري تزامن مع زيادة أعباء الدين وارتفاع الاحتياجات التمويلية.

في المقابل، تدافع الحكومة المصرية عن هذه المشروعات باعتبارها استثمارات طويلة الأجل تستهدف تطوير البنية التحتية ورفع قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار وتحسين الخدمات والنقل والطاقة والعمران.

وبالتالي، فإن الجدل لا يدور فقط حول حجم الإنفاق، وإنما حول قدرة هذه المشروعات على توليد عوائد مستدامة تكفي لتغطية تكلفة تمويلها وخدمة الديون.

لماذا يستمر الغضب؟

ورغم حضور ملفات الأمن القومي في لحظات الأزمات الإقليمية، فإن المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية تشير إلى أن الأسباب التي تدفع إلى الاستياء الشعبي لم تختفِ.

فوفق «الباروميتر العربي»، فإن غالبية المصريين تنظر إلى الاقتصاد باعتباره التحدي الأكثر إلحاحًا، بينما تظهر مستويات مرتفعة من القلق بشأن الغذاء والأسعار وفرص العمل.

ومن هنا، فإن أي تحسن مؤقت في شعبية السلطة نتيجة أزمة إقليمية -إذا حدث- يظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على التعامل مع الأسباب الداخلية للغضب، وفي مقدمتها الأسعار والدخل والخدمات وفرص العمل.

التضييق السياسي وهاجس عودة الاحتجاجات

ولا تقتصر الأزمة، بحسب منتقدي النظام، على الجانب الاقتصادي؛ إذ تتهم المعارضة السلطات المصرية بتشديد القيود على المجال العام واعتقال معارضين ونشطاء، خصوصًا مع ظهور أي مؤشرات على إمكانية عودة الاحتجاجات.

وفي هذا السياق، تتحدث مصادر حقوقية ومعارضة عن حملات توقيف طالت ناشطين وشبابًا وأفرادًا من عائلات معارضين في الخارج، باعتبارها إجراءات تهدف -وفق روايتهم- إلى منع تشكل حراك سياسي جديد.

وتبقى هذه الادعاءات محل خلاف سياسي وحقوقي، بينما تؤكد السلطات المصرية في سياقات مختلفة أن إجراءاتها الأمنية تستهدف حماية الاستقرار ومواجهة ما تعتبره تهديدات للأمن القومي.

بين «إنقاذ النظام» وإنقاذ الاقتصاد

وفي النهاية، تكشف التطورات الإقليمية المتلاحقة عن مفارقة سياسية واقتصادية واضحة: فكلما اتسعت دائرة الأزمات المحيطة بمصر، ازدادت أهمية خطاب الأمن القومي، لكن ذلك لا يلغي الأزمات الداخلية التي تشكل أساسًا مستمرًا للقلق الشعبي.

فالحرب في غزة، واضطرابات البحر الأحمر، والتوترات في باب المندب، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كلها ملفات تمس المصالح المصرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد تمنح السلطة مساحة أكبر للحديث عن المخاطر الخارجية.

لكن قدرة أي نظام على تجاوز أزماته الداخلية تظل مرتبطة في النهاية بقدرته على معالجة الاقتصاد، وتخفيف أعباء المعيشة، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وإدارة الدين العام، إلى جانب توسيع المجال العام.

وبذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما إذا كانت التطورات الإقليمية تمنح النظام «قبلة حياة» مؤقتة، وإنما ما إذا كان هذا المتنفس الخارجي قادرًا على معالجة جذور الأزمة الداخلية التي جعلت الاقتصاد ومستوى المعيشة في مقدمة اهتمامات المصريين.