“حسم” بوجه الغلبان: احتقان شعبي من موجة الإزالات وتجاهل التصالح ..وأسئلة عن العدالة

- ‎فيتقارير

تشهد عدة محافظات مصرية موجات متصاعدة من الإزالات التي تستهدف التعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة، ضمن ما يعرف بـ “الموجة 28”. ورغم أن الدولة تؤكد أن الهدف هو حماية الرقعة الزراعية واسترداد حق الشعب، فإن المشهد على الأرض يكشف عن حالة من التوتر والاحتقان، تتراوح بين اشتباكات مباشرة، وانتقادات شعبية واسعة، وروايات رسمية تؤكد "الحسم" وأن “لا أحد فوق القانون”.

ورغم اختلاف المحافظات، فإن المشهد العام يكشف عن نمط واحد يتكرر حيث يشن النظام موجات إزالات واسعة وغير مسبوقة ويصبح فيها الاحتكاك بين الأهالي والقوات متكررًا والغضب الشعبي يتصاعد في بعض المناطق وركزت الرواية الرسمية على “استرداد حق الشعب”، وبالمقابل يتهم المواطنون المحليات بالفساد والتسبب في الأزمة مع غياب الأحوزة العمرانية ما يجعل أي بناء جديد “مخالفة” تلقائيًا.

ومع اتساع نطاق الإزالات من المنيا إلى بني سويف وسوهاج، وصولًا إلى الدقهلية، وبقية المحافظات يبدو أن مصر أمام إعادة فتح ملف البناء المخالف بقوة غير مسبوقة، وسط تساؤلات عن العدالة، والحيز العمراني، وحقوق السكن، وفساد المحليات.

المنيا: اشتباكات وإصابة نائبة رئيس المركز

 

في مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا، تحولت حملة إزالة إلى مشهد عنيف بعد وقوع اشتباكات بين القوة المنفذة وأصحاب المباني المخالفة، ما أدى إلى إصابة نائبة رئيس المركز وعدد من العاملين بالوحدة المحلية، وتم نقل المسؤولة إلى المستشفى لتلقي العلاج، في حادثة أثارت تساؤلات حول مدى استعداد الأجهزة التنفيذية للتعامل مع مقاومة الأهالي، وحول غياب قنوات التواصل التي كان يمكن أن تمنع وصول الأمور إلى حد الاشتباك.

وبحسب مراقبين يعكس المشهد حجم التوتر الذي يرافق تنفيذ الإزالات، خاصة في المناطق الريفية التي ترتبط فيها المنازل والأراضي بسنوات من الادخار والجهد الشخصي.

بني سويف: رواية رسمية تؤكد “نجاحًا كاملًا”

على النقيض من التوتر في المنيا، جاءت رواية محافظة بني سويف تقدم صورة مختلفة تمامًا، فقد وصفت المحافظة حملات الإزالة بأنها “ناجحة بالكامل”، مؤكدة أن التنفيذ تم بالتنسيق بين مديرية الزراعة والوحدات المحلية وقوات الأمن، وباستخدام معدات ثقيلة لضمان التنفيذ الفوري.

وأشارت إلى إزالة عشرات الحالات من المباني المخالفة والأسوار والتعديات على حرم الري والأراضي الزراعية، مع تعهد باستمرار المتابعة لمنع عودة أي تعديات.

هذه الرواية الرسمية ركزت على فكرة “استرداد حق الشعب”، دون الإشارة إلى أي مقاومة أو اعتراضات شعبية، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي وما يجري على الأرض في محافظات أخرى.

سوهاج: غضب شعبي واسع واتهامات بالفساد

في محافظة سوهاج، انفجرت موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي عقب قيادة المحافظ اللواء طارق راشد لحملات الإزالة بنفسه.

انتشرت تعليقات تتهم الأجهزة المحلية بالفساد، وتؤكد أن المباني التي تمت إزالتها—بعضها من ثلاثة طوابق وبناء فاخر—لم تُبنَ في يوم وليلة، وأن المسؤول الحقيقي هو الموظف الفاسد الذي سمح بالبناء مقابل رشوة.

ويرى كثيرون أن المواطن الذي بنى منزله هو “ضحية” وليس “معتديًا”، وأن هدم المنازل بهذه الطريقة يمثل “تدميرًا لتحويشة العمر”.

ووصل الغضب لدى البعض إلى حد تشبيه ما يحدث في سوهاج بما يفعله الاحتلال في غزة، في إشارة إلى قسوة المشهد.

في المقابل، ظهرت أصوات أخرى تؤيد المحافظ وتطالب بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، معتبرة أن التعديات على الأراضي الزراعية تمثل خطرًا على مستقبل الغذاء في مصر.

كما تدخلت النائبة أسماء حجازي بمذكرة رسمية تطالب بوقف الإزالات مؤقتًا لحين الانتهاء من الأحوزة العمرانية.

الدقهلية: “معركة الأرض الزراعية” تعود من جديد

في محافظة الدقهلية، كان ما يحدث ليس مجرد إزالة سور أو مبنى مخالف، بل عودة قوية لمعركة حماية الأرض الزراعية.

وتؤكد صفحات موالية أن الدولة عادت بقوة لملف البناء المخالف، وأن هناك توجيهات واضحة بإيقاف أي مخالفة “في المهد” قبل أن تتحول إلى كتلة خرسانية يصعب إزالتها لاحقًا.

وتشير إلى أن التنسيق مع الأمن يعكس أن الدولة تتعامل مع الملف باعتباره ملف سيادة قانون، وأن من يبني مخالفًا لن يواجه فقط الإزالة، بل إجراءات قانونية فورية.

وتوضح أن الإزالات في قرى مثل البرامون وشها ليست حالات فردية، بل رسائل واضحة بأن أي بناء مخالف سيتم التعامل معه فورًا، خاصة أن المساحات التي تمت إزالتها ليست صغيرة، مثل إزالة 1140 مترًا بالكامل، وسور بطول 250 مترًا.

وترى الصفحة أن ما يحدث الآن هو إعادة ضبط لملف البناء المخالف، وأن الدولة لا تريد العودة إلى فوضى البناء التي شهدتها السنوات الماضية.

إذلال وحط من الكرامة

ونقل صلاح بديوي @bedewi110 صورة لمشهد حدث وإن كانت الصورة مرسومة بالذكاء الصناعي وعلق ".. عزبة أبوهم، هذا النظام العسكري يجب أن يرحل، وبعدها يُحظر على العسكريين نهائياً ممارسة أي عمل عام، لأنهم أذاقوا شعبنا العزيز الذل والمهانة، هؤلاء أبناء بلغوا قمة العقوق تجاه أهلهم ووطنهم، هذه الصورة تعود إلى واقعة مؤلمة حدثت في مدينة بني مزار بمحافظة المنيا، حيث انهارت سيدة مسنة من شدة اليأس والخوف، وانحنت تحاول تقبيل قدم رئيسة المدينة المهندسة إكرام محمود (وهي من سلالة عسكرية) أثناء تنفيذ قرار إزالة منزلها الذي كان يؤويها مع أيتامها.".

 

https://x.com/bedewi110/status/2054546950603624699

واعتبر باسل عاطف (Basil Atef)  أن "الحكومة بتخرب بيوت الناس والله ياريس وفي حالة احتقان رهيبة وده مؤشر خطر على الأمن القومي الداخلي، الناس مش لاقية تاكل وبتعدي يومها بالعافية والمرتبات مدنية وكلها راحة في فواتير كهرباء ومياه وغاز ونت ، الناس هتاكل وتشرب وتتعالج ومصاريف مدارس ومواصلات كل ده منين.. والله هيحصل ما لا يحمد عقباه".

الإزالات وحدها ليست الحل

وقدّم الكاتب الصحفي صفوت عمران رؤية مختلفة، ركز فيها على البعد الاجتماعي والاقتصادي للأزمة، ويرى عمران أن المشكلة ليست في تطبيق القانون، بل في غياب العدالة في تطبيقه. فالمواطن البسيط يُزال منزله لأنه مخالف، بينما “أبراج ومنازل مخالفة لا يقترب منها أحد” بسبب الرشاوى أو النفوذ، وفق ما يتردد شعبيًا.

ويؤكد أن العداد الكودي يمثل ظلمًا واضحًا، إذ لا يجوز أن يُحاسب مواطن على سعر 274 قرشًا للكيلو بينما جاره يدفع 68 قرشًا فقط، لمجرد أن منزله مخالف.

ويشير إلى أن قانون التصالح أصبح متغيرًا وغير مستقر، وأن المواطن تائه بين اللوائح المتغيرة، بينما تتأخر الدولة في إصدار الحيز العمراني لسنوات، ما يجعل القرى والمدن تضيق على سكانها، ويحوّل أي بناء جديد إلى مخالفة تلقائيًا.

ويحذر عمران من أن زيادة الأعباء على المواطن في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة تهدد الأمن الاجتماعي، مؤكدًا أن المواطن تحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادي لسنوات، وأنه لم يعد قادرًا على تحمل المزيد.

ويختتم بأن السكن الآدمي والعلاج والعمل والوعي ليست “منحة من الحكومة”، بل حقوق أساسية يجب أن تُصان.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=26910609228573744&set=a.471537559574271

وتكشف الإزالات الحالية تكشف عن علاقة متوترة بين الدولة والمجتمع، وعن فجوة تتسع بين الخطاب الرسمي والواقع، وعن حاجة ملحّة لإصلاح شامل يبدأ من محاسبة الفاسدين، ويمر عبر تحديث الأحوزة العمرانية، وينتهي بسياسات إسكان عادلة تمنع تكرار الأزمة بدلًا من الاكتفاء بهدم نتائجها.