اختطف قراصنة صوماليون من بونت لاند 8 بحّارة مصريين كانوا على متن ناقلة نفط إماراتية – مصرية تعمل في خط الفجيرة – اليمن، بعد تعرّض السفينة لهجوم قرصنة واقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية قرب إقليم بونتلاند (الانفصالي والمعترف به من تل أبيب وأبوظبي وذو علاقات جيدة مع إثيوبيا)، وفق ما أكدته عدة مصادر رسمية وإعلامية. وطلب الخاطفون فدية مقابل إطلاق المختطفين منذ 2 مايو الجاري، وأثارت الحادثة قلقًا واسعًا بين أسر المختطفين، وبعد أكثر من أسبوع خرجت وزارة الخارجية بحكومة السيسي ببيان أعلنت فيه أنها تتابع بكثافة الواقعة وتتواصل مع السلطات الصومالية واليمنية لضمان سلامة البحّارة والإفراج عنهم.
ووفقًا لما نشرته قناة العربية، فقد تعرّضت ناقلة النفط M/T Eureka لعملية قرصنة في 2 مايو 2026 أثناء وجودها في المياه الإقليمية اليمنية قبالة سواحل شبوة، قبل أن يتم اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية قرب بونتلاند. وكانت السفينة تحمل طاقمًا مكوّنًا من 8 مصريين، جميعهم اختُطفوا مع الناقلة. وأكدت صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية الرواية نفسها، مشيرة إلى أن الخارجية المصرية تتابع الحادثة “من كثب” وتنسّق مع مقديشو لضمان سلامة البحّارة.
وبحسب شهادة أسرة أحد المختطفين، فإن السفينة كانت قد غادرت ميناء الفجيرة بالإمارات متجهة إلى أحد الموانئ اليمنية، وأثناء انتظارها دخول الرصيف اقتحمها مسلحون مجهولون واقتادوها نحو الصومال. وقال شقيق المهندس المختطف محمد راضي إن آخر اتصال معه كان في 6 مايو، وأخبره فيه أن الشركة المالكة تتفاوض مع القراصنة، لكن المفاوضات توقفت بسبب عدم قدرة الشركة على دفع الفدية المطلوبة، والتي بلغت 3 ملايين دولار.
أسماء البحّارة المصريين المختطفين: وبحسب مواقع محلية، فإن البحّارة الثمانية هم: محمد راضي عبد المنعم المحسب – مؤمن أكرم أمين – محمود جلال الميكاوي – سامح عبد العظيم السيد – أسلم عادل سليم – محمد أحمد عبد الله – أحمد محمود درويش – أدهم سالم جابر. ونشرت زوجة المهندس محمد راضي، أميرة محمد أبو سعدة، استغاثة عبر فيسبوك قالت فيها إن الاتصال انقطع تمامًا مع الطاقم، وإن الشركة المالكة “ترفض دفع الفدية”، مطالبة الدولة بالتدخل العاجل لإنقاذهم.
اتهامات للشركة المالكة: واتهمت أسر البحّارة الشركة المالكة للسفينة بالتقاعس ورفض دفع الفدية المطلوبة، وترك الطاقم يواجه مصيرًا مجهولًا. ونقلت مواقع محلية عن شقيق أحد المختطفين قوله إن الشركة “أوقفت التفاوض تمامًا” رغم تهديد القراصنة بقتل البحّارة إذا لم تُدفع الفدية. وبحسب صحيفة الخليج، فإن هيئة عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة أصدرت تحذيرات من تزايد نشاط القرصنة في خليج عدن، بعد اختطاف سفينة أخرى في المنطقة خلال الفترة نفسها، ما يهدد حركة الملاحة العالمية.
وسبق أن حذر مراقبون، منهم أحمد قطب المحلل المالي عبر @Ahmedkobt، من أن أكبر الأخطار على قناة السويس في المستقبل القريب هو الإقليم المنشق عن دولة الصومال المعروف باسم "صوماليلاند"، حيث يوجد تعاون بين هذا الإقليم و"إسرائيل" وإثيوبيا، ومشروع خبيث للتحكم في مدخل البحر الأحمر وفرض رسوم لمرور السفن وتعطيل الملاحة إذا لزم الأمر للضغط على مصر، مشددًا على ضرورة الانتباه.
وعلّق الناشط في الاقتصاد محمد حبيب @Habib_CFA متفاعلًا مع حادثة اختطاف ناقلة النفط M/T Eureka و8 بحّارة مصريين، مسلّطًا الضوء على خطورة الموقف وعلى غياب الحماية للمصريين العاملين في أخطر ممرات الملاحة في العالم. واعتبر أن ما حدث فضيحة أمنية تكشف هشاشة الوضع الإقليمي، وأن المصريين أصبحوا “معلّقين بين مليشيات وقراصنة وسواحل خارجة عن السيطرة”. وتساءل الحساب بسخرية مريرة عن شعارات “مسافة السكة” و“أمن المصريين خط أحمر”، في إشارة إلى وعود رسمية سابقة بحماية المواطنين في الخارج. وأشار المنشور إلى أن الخارجية المصرية اكتفت بالقول إنها “تتواصل” مع السلطات الصومالية، بينما البحّارة مخطوفون في عرض البحر، وهو ما وصفه بأنه إنذار مرعب لحجم الفوضى الممتدة من البحر الأحمر إلى خليج عدن وهرمز. وحذّر من أن تكرار مثل هذه الحوادث سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري وزيادة أسعار التأمين واضطراب أسعار النفط والسلع عالميًا.
حوادث متكررة: شهدت السنوات الأخيرة تكرارًا لافتًا لحوادث خطف مواطنين مصريين خارج البلاد، خصوصًا في مناطق النزاعات والبحار المفتوحة، وكانت الصومال واحدة من أبرز البؤر التي تعرض فيها مصريون للخطف سواء عبر عمليات قرصنة بحرية أو عبر جماعات مسلحة داخل الأراضي الصومالية.
الصومال ليست حالة منفردة، بل جزء من نمط أوسع يستهدف العمالة المصرية في مناطق غير مستقرة. ففي عام 2010، كانت واحدة من أكبر موجات القرصنة في خليج عدن، حيث اختُطفت سفن تحمل عمالًا مصريين واضطرت شركات الشحن إلى دفع مبالغ ضخمة لتحريرهم. كما شهد عام 2012 حادثة اختطاف صيادين مصريين في منطقة بونتلاند، وظلوا محتجزين لأشهر قبل الإفراج عنهم بعد مفاوضات طويلة. وفي 2015، اختُطف 15 صيادًا مصريًا آخرين أثناء عملهم قرب المياه الإقليمية الصومالية، وتم إطلاق سراحهم بعد تدخلات قبلية ودبلوماسية.
تتكرر هذه الحوادث بسبب هشاشة الوضع الأمني في الصومال وانتشار جماعات القرصنة التي تعتمد على خطف السفن وطلب الفدية كمصدر رئيسي للتمويل. كما أن ضعف الرقابة البحرية في خليج عدن يجعل السفن التجارية هدفًا سهلًا، خصوصًا تلك التي تفتقر إلى الحماية المسلحة. وتُعد السفن التي تعمل في خطوط الإمارات – اليمن – القرن الإفريقي من الأكثر عرضة للخطر، وهو ما يفسر حادثة البحّارة الثمانية الذين كانوا يعملون على سفينة إماراتية قبل اقتيادها إلى الصومال.
لكن الصومال ليست الدولة الوحيدة التي شهدت خطف مصريين. ففي ليبيا، تكررت حوادث الخطف منذ 2014، سواء على يد ميليشيات محلية أو عصابات تهريب البشر. أشهر هذه الحوادث كانت اختطاف 21 قبطيًا مصريًا في سرت عام 2015، الذين أُعدموا لاحقًا على يد تنظيم داعش، في واحدة من أبشع الجرائم التي طالت مصريين خارج البلاد. كما شهدت ليبيا عشرات الحالات الأخرى لعمال مصريين تعرضوا للخطف بهدف الفدية، خصوصًا في مناطق الجنوب الليبي.
وفي نيجيريا، تعرض مهندسون وعمال مصريون للخطف على يد جماعات مسلحة في دلتا النيجر، كان أبرزها حادثة خطف مهندس مصري يعمل في شركة بترول عام 2012، وتم الإفراج عنه بعد مفاوضات مع الخاطفين. وفي جنوب أفريقيا، اختُطف رجل أعمال مصري عام 2021 وظل محتجزًا لأيام قبل تحريره. وفي اليمن، اختُطف مدرسون وعمال مصريون في مناطق سيطرة الحوثيين، وتم الإفراج عن بعضهم بعد تدخلات دبلوماسية.
هذه الحوادث تكشف أن المصريين العاملين في الخارج، خصوصًا في مناطق النزاعات، يواجهون مخاطر كبيرة، وأن الخطف أصبح وسيلة ضغط أو مصدر تمويل للجماعات المسلحة. كما أن شركات الشحن أو المقاولات التي توظفهم غالبًا ما تتقاعس عن توفير الحماية الكافية أو التأمين المناسب، كما حدث في واقعة البحّارة الثمانية، حيث اتهمت أسرهم الشركة المالكة للسفينة بالتوقف عن التفاوض مع القراصنة وترك الطاقم لمصير مجهول.
وتشير تقارير أمنية إلى أن القراصنة الصوماليين عادة ما يستهدفون السفن التي ترفع أعلامًا لدول الخليج أو تلك التي تحمل طواقم آسيوية أو عربية، لأنهم يعتبرونها “أكثر قابلية للدفع”. وفي حالة البحّارة المصريين، فإن وجودهم على سفينة إماراتية جعلهم هدفًا مباشرًا، خصوصًا أن السفينة كانت في منطقة معروفة بنشاط القرصنة.