من جديد يتكشف فساد وصل للنيابة العامة بعدما انكشف صاحبه سيادة اللواء مستغلا قرار الإسناد المباشر دون "مناقصات" الذي استحدثه السيسي ليراكم الفساد في جنبات المحروسة، وهذه المرة لشركة "انبريجيت" الخاصة التي تعمل في مجال المقاولات العامة والمشروعات الهندسية والبترولية، ومقرها الرئيسي في مصر الجديدة بالقاهرة، المعلومات المتاحة تشير إلى ارتباطها بعائلة اللواء هشام أبو سنة، حيث تولى أحد أشقائه رئاسة مجلس إدارتها سابقًا، وهو ما يفسر ورود اسم أبو سنة في أوراق القضية كأحد ممثلي الشركة.
وعنوان القضية "أرض حلوان" وهي ليست مجرد ملف فساد عقاري، بل نموذج على كيفية تحول أدوات إدارية مثل لجان "التوازن المالي" إلى مدخل للتلاعب. الأرقام تكشف أن الدولة خسرت أكثر من 13 مليون جنيه بسبب تقييم غير صحيح، وأن مسؤولين حكوميين ساعدوا شركة خاصة على تحقيق ربح غير مستحق.
وتطرح القضية أسئلة جوهرية حول آليات الرقابة على هذه اللجان، ومدى قدرتها على حماية المال العام، وتؤكد أن مكافحة الفساد لا تتطلب فقط محاكمات جنائية، بل إصلاحًا جذريًا في أدوات الإدارة المالية والإدارية.
القضية رقم 223 لسنة 2026 جنايات عابدين، التي أحالتها نيابة الأموال العامة العليا ضد اللواء مهندس هشام أبو سنة ويسرية أحمد، تكشف عن واحدة من أكثر ملفات الفساد تعقيدًا في إدارة أملاك الدولة.
وكان الاتهام الرئيسي هو تربيح شركة خاصة أكثر من 13 مليون جنيه من قطعة أرض مملوكة للدولة في حلوان، عبر التلاعب في التقييمات المالية وتزوير مستندات رسمية، لكن ما يجعل القضية أكثر خطورة هو دور لجان التوازن المالي التي كان يفترض أن تكون أداة لتسوية النزاعات وحماية المال العام، فإذا بها تتحول إلى مدخل للتلاعب وإهدار الموارد بحسب تقرير نشرته منصة "متصدقش".
حلوان والمزاد المُلغى
بدأت القصة في أوائل التسعينيات حين تقدمت شركة "انبريجيت" بطلب لشراء أرض فضاء مساحتها 23 ألف متر مربع لإقامة مشروع صناعي، وافق المجلس التنفيذي لمحافظة القاهرة عام 1993 بسعر 75 جنيهًا للمتر، لكن الشركة لم تستكمل السداد ولم تنفذ المشروع، ظل الوضع معلقًا لعقود، حتى أصدرت المحافظة قرارًا بسحب الأرض عام 2015 ونفذته في 2017، لتعود الأرض إلى ولاية الدولة.
في 2018 طرحت المحافظة الأرض في مزاد علني، لكن المزاد ألغي لأن السعر التقديري بلغ 5000 جنيه للمتر بينما توقفت المزايدة عند 1000 جنيه فقط، هذا الفارق الضخم كشف عن قيمة اقتصادية عالية للأرض، لكنه فتح الباب أمام محاولات لاحقة لإعادة إدخال الملف عبر لجان التوازن المالي.
ثغرة "لجان التوازن المالي"
أنشئت لجان التوازن المالي بقرار رسمي عام 2020 لمعالجة حالات الأراضي المتعثرة، وكان الهدف المعلن هو إعادة التوازن بين حقوق الدولة والجهات المتعاملة، هذه اللجان تضم قيادات إدارية ومالية وممثلين قانونيين، وتُعقد جلساتها لدراسة الملفات المتعثرة واقتراح تسويات مالية، لكن في حالة أرض حلوان، تحولت اللجنة إلى أداة لإعادة إدخال ملف سبق أن حُسم بقرار سحب ومزاد ملغى، وهو ما أثار شكوكًا واسعة.
وفق التحقيقات، تقدمت الشركة بطلب لإعادة التعامل عام 2021، وأعدت يسرية أحمد مذكرة عرضت على اللجنة تضمنت بيانات غير صحيحة، منها أن المشروع منفذ بنسبة 100%. اللجنة اعتمدت هذه البيانات دون معاينة ميدانية حديثة، وهو خلل جوهري في عملها، تقرير الخبير الحسابي بوزارة العدل كشف أن السعر احتُسب على أساس 400 جنيه للمتر، بينما الواقع أن الأرض فضاء وأن السعر العادل لا يقل عن 800 جنيه للمتر. مع مساحة الأرض البالغة 32,685 متر مربع، بلغ الفارق المالي 13.074 مليون جنيه أُهدر على الدولة.
تقييمات "اللجان" معيبة
وفي وقت كان يفترض من اللجان أن تحقق التوازن المالي عبر تقييمات دقيقة، كشفت الأرقام العكس فالسعر الرسمي للتسوية اعتمد 400 جنيه للمتر، أي أن إجمالي التسوية بلغ 13.074 مليون جنيه، بينما التقييم الصحيح وفق المعاينة الميدانية هو 26.148 مليون جنيه، بفارق يزيد عن 13 مليون جنيه، هذا الفارق لم يكن مجرد خطأ إداري، بل نتيجة مباشرة لاعتماد بيانات مزورة.
وبحسب بيانات محافظة القاهرة، لجان التوازن المالي تعاملت مع عشرات الملفات منذ تأسيسها عام 2020، وبلغت قيمة التسويات التي أقرتها أكثر من 2.5 مليار جنيه في ثلاث سنوات، لكن القضية الحالية تكشف أن هذه اللجان قد تتحول إلى ثغرة إذا لم تُدار بشفافية، إذ يمكن عبرها تمرير تقييمات غير دقيقة تؤدي إلى إهدار ملايين الجنيهات، في حالة أرض حلوان، الفارق بين السعر المعتمد والسعر العادل بلغ أكثر من 100%، وهو ما يوضح خطورة الاعتماد على بيانات غير مدققة.
وظهر اللواء هشام أبو سنة، (رئيس هيئة موانئ البحر الأحمر ووكيل أول وزارة الإسكان) وللمفارقة كان نقيب المهندسين في القاهرة 2018، في التحقيقات باعتباره ممثلًا للشركة، واتهمته النيابة بالاشتراك بطريقي الاتفاق والمساعدة مع يسرية أحمد في تمرير التسوية، إذ قدم طلبات رسمية لإعادة التعامل وشارك في إجراءات العرض على اللجنة، دوره لم يكن ثانويًا، بل جزءًا من سلسلة الإجراءات التي انتهت بتقييم غير عادل.
ودعمت شهادات مسؤولي محافظة القاهرة وأعضاء هيئة الرقابة الإدارية الاتهامات فالمعاينات الميدانية أكدت أن الأرض فضاء بالكامل ولا يوجد مشروع قائم، بينما المستندات الرسمية تحدثت عن تنفيذ بنسبة 100%، تقارير الخبراء أثبتت أن التوقيعات على بعض المستندات مزورة، وأن اللجنة اعتمدت على بيانات غير صحيحة، هذا التضارب بين المستندات والواقع كان نقطة التحول التي نقلت الملف من نزاع إداري إلى قضية جنائية.