شهدت الجامعات المصرية خلال العقد الأخير من حكم العسكر تراجعًا ملحوظًا في التصنيفات العالمية، سواء في QS أو Times Higher Education ، هذا التراجع ليس مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لعدة عوامل، منها؛ ضعف الإنفاق الحكومي على التعليم، والذي تراجع نصيب الفرد منه بأكثر من 50% خلال عشر سنوات، وفق البيانات الرسمية وتآكل البيئة البحثية بسبب نقص التمويل، وضعف الحوافز، وغياب الاستقلال الأكاديمي وهيمنة البيروقراطية والأمن على الحياة الجامعية، ما أدى إلى تجميد النشاط الطلابي الحر، وإضعاف دور الجامعة كمجتمع فكري.
ويؤكد مراقبون أن المناهج تعتمد على التلقين بدلًا من التفكير النقدي والابتكار، وهو ما ينعكس في ضعف أداء الطلاب في الاختبارات الدولية مثل TIMSS.
ورغم محاولات رسمية لتجميل الصورة، فإن الأرقام لا تكذب؛ نصيب المواطن من الإنفاق على التعليم انخفض من 135 دولارًا في 2015 إلى أقل من 65 دولارًا في 2025، بينما تضاعف نصيب الفرد من الدين الخارجي بنسبة 158% ، هذه المفارقة تكشف أولويات الدولة، وتوضح لماذا تتراجع جودة التعليم بينما تتقدم أعباء المواطن؟.
إنجازات طلاب مصريين
ورغم هذا التدهور، يواصل طلاب مصريون تحقيق إنجازات عالمية مبهرة، هذه النجاحات لا تعكس قوة المنظومة، بل قوة الأفراد.
فريق “Double M” – جامعة كفر الشيخ: أفضل تطبيق صناعي في العالم.
في أبريل 2026، فاز فريق من كلية الهندسة بجامعة كفر الشيخ بجائزة أفضل تطبيق صناعي عالمي في مسابقة VisualSim Global Electronics Hackathon بالولايات المتحدة.
مشروعهم PISODF هو نظام ذكي لحماية خطوط الإنتاج، وكشف الأعطال قبل تفاقمها، ما يقلل خسائر التوقف الصناعي.
الفريق، بقيادة الطالب محمد أحمد محمد رزق وتحت إشراف الدكتورة إيمان سعد عبد النبي، تفوق على 15 فريقًا عالميًا في مسابقة تُعد من الأهم في مجال الأنظمة الإلكترونية المعقدة.
محمد ياسر – جامعة القاهرة: أول أفريقي يفوز بالميدالية الذهبية لجائزة تشارلز ماين منذ 1919
فاز الطالب محمد ياسر، من قسم التصميم الميكانيكي والإنتاج، بأرفع وسام طلابي تمنحه الجمعية الأمريكية للمهندسين الميكانيكيين ASME. وحقق ياسر نقلة نوعية في فرع الجمعية بجامعة القاهرة، من خلال: تطبيق نظم حوكمة مالية فعالة وتحقيق نمو تشغيلي بنسبة 400% وتطوير أنظمة مستدامة أثرت على أكثر من 2100 طالب، وتعزيز التعاون مع الفرع المهني للجمعية في مصر.
وهو ما عده مراقبون إنجاز استثنائي لطالب يعمل في بيئة جامعية تعاني من تضييق على النشاط الطلابي الحر.
إنجازات بحثية من جامعات مصرية أخرى
جامعة القاهرة (2022): فريق بحثي يفوز بالميدالية الفضية في مسابقة IGEM العالمية، بعد تطوير علاج مبتكر يستهدف مسببات الزهايمر.
جامعة حلوان: ميداليتان في معرض بانكوك الدولي عن روبوت صناعي متقدم وحلول بيئية لمعالجة النفايات البلاستيكية.
كلية طب قصر العيني: الدكتور حازم بيومي يفوز بالميدالية الفضية في معرض جنيف بابتكار طبي لتصحيح اعوجاج العمود الفقري.
فريق سلام لاب: إنجازات متتالية في مجال الحفريات واكتشافات علمية بارزة.
أزمة النشاط الطلابي
وتدور تصريحات مسؤولي الجامعات بعد هذه الإنجازات عادة ما تتحدث عن “دعم الأنشطة الطلابية” و“تشجيع الابتكار”، لكن الواقع مختلف تمامًا حيث تعاني الحياة الطلابية في الجامعات المصرية من سيطرة أمنية ممتدة على الاتحادات والأنشطة، وإقصاء أي عمل طلابي مستقل لصالح كيان واحد هو “طلاب من أجل مصر" ومخالفات واسعة في الانتخابات الطلابية، من منع المستقلين من الترشح إلى تعطيل إجراءاتهم الإدارية.
ويعتبر مراقبون أن هذا الواقع يتناقض جذريًا مع روح الجوائز العالمية التي يفوز بها الطلاب، والتي تقوم على حرية المبادرة، والعمل الجماعي، والقيادة المستقلة.
الباحث حسين الوحيدي أكد أن وجود خريجين متميزين لا يعني أن المنظومة التعليمية جيدة.
وقال الوحيدي @haaw50: "يخلط الكثير من القراء بين «وجود خريجين متميزين» وبين «جودة المنظومة التعليمية ككل»… صحيح أن مصر ودول عربية أخرى تنتج أطباء ومهندسين ومبدعين متميزين على المستوى الفردي، وكثير منهم يحقق نجاحات عالمية. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن المنظومة التعليمية جيدة.
وأضاف "التميز الفردي غالبًا ما يأتي بفضل جهد شخصي استثنائي، ودعم أسري قوي، أو دراسة إضافية مكثفة خارج المدرسة. أما جودة التعليم فتقاس بمتوسط أداء ملايين الطلاب في المعايير الدولية (مثل TIMSS)، وليس بأفضل 5% أو 10% فقط.".
وتابع: "والأهم من ذلك أن الحفظ الروتيني (التلقين) لا يزال يسيطر على معظم أنظمة التعليم العربية (في مصر ودول الخليج على حد سواء)، مما يحد كثيرًا من تنمية مهارات التفكير النقدي والابتكار وريادة الأعمال (Entrepreneurship) وهي المهارات الأساسية التي تحتاجها اقتصادات المستقبل.
واشار إلى أن "الدول المتقدمة لا تنتج فقط نخبة قليلة متميزة، بل تنتج نسبة عالية من الخريجين القادرين على التفكير النقدي، الابتكار، وحل المشكلات، وإنشاء مشاريع جديدة. هذا هو الفرق الأساسي.".
إنجازات فردية… لا تُخفي أزمة مؤسسية
والطلاب المصريون الذين يحققون إنجازات عالمية هم دليل على قوة الإنسان المصري، لا قوة النظام التعليمي بل هم نتاج إرادة فردية، لا نتاج مؤسسة قوية.
ويتطلب قوة التعليم؛ زيادة الإنفاق الحقيقي على التعليم وتحرير الجامعات من السيطرة الأمنية ودعم البحث العلمي بتمويل مستدام وتطوير المناهج لتشجيع التفكير النقدي وإعادة الاعتبار للنشاط الطلابي الحر.