يعتبر مراقبون أن "الغائب الحاضر"أكثر دقة من وصف "الميت الحي" في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، فالموت السياسي للتنظيم لا يعني بالضرورة موت الفكرة، كما أن استمرار الفكرة لا يعني بالضرورة عودة التنظيم إلى ما كان عليه.
ويرون أن التجربة التاريخية تقول إن الحكم النهائي على الجماعة — سلبًا أو إيجابًا — قد يحتاج إلى مسافة زمنية أطول مما يتيحها الصراع السياسي الراهن.
والقراءة الأكثر موضوعية ليست تلك التي تقول إن الإخوان قوة لا تُكسر، ولا تلك التي تقول إنهم انتهوا تمامًا، وإنما التي تفصل بين التنظيم، والقاعدة الاجتماعية، والفكرة، والرمزية السياسية، والرصيد الانتخابي.
وبعد أكثر من عقد على الانقلاب في مصر ومن بينه صدارة جماعة الإخوان المسلمين لأصوات الشعب، تظل الجماعة واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة للجدل في المنطقة، وتراجع حضورها التنظيمي والعلني بصورة حادة، وتعرضت قياداتها وأعضاؤها لملاحقات وأحكام وإغلاق للمقار، كما تشتت جزء كبير من بنيتها في الخارج.
يؤكد المراقبون أنه مع ذلك لم يختفِ الإخوان من المجال العام؛ والدليل الاعتقالات والكمائن والتهجير لعائلات وأسر ينتمي أغلبها للإخوان، بل ربما أصبح الاسم أكثر حضورًا في الخطاب السياسي والإعلامي من حضور التنظيم نفسه؛ حاضرة في ذاكرة الناخبين، وفي خطاب المعارضة والسلطة، وفي الدراسات الأكاديمية، وفي النقاشات المتعلقة بالإسلام السياسي ومستقبل مصر بل في خطابات ترامب وقرارات إدارته.
فبينما يرى خصوم الإخوان أن تجربتهم السياسية أثبتت وجود مشكلات جوهرية في الفكر والتنظيم وإدارة الدولة سياسيا؛ يشير مؤيدون أن الجماعة تعرضت لمشروع استئصال وأنها ما زالت تمثل تيارًا اجتماعيًا وفكريًا وسياسيا فاعلا.
الحجم الحقيقي
ويبدأ النقاش من منشور الاكاديمي د. محمد الشريف، الذي طرح سؤالًا مباشرًا قبل أيام: كم كان عدد أعضاء الإخوان والمتعاطفين معهم في ذروة صعود الجماعة عامي 2012 و2013؟
وتكمن أهمية طرح د.محمد الشريف @MhdElsherif في شخصيته وموقعه من الجماعة؛ فهو ليس من المدافعين عنها، بل عُرف بانتقادها، ولذلك فإن حديثه عن حجمها لا يأتي في سياق الترويج لها، وإنما في سياق محاولة قياس الظاهرة.
وتشير المادة إلى تقديرات متفاوتة لأعداد أعضاء التنظيم والمتعاطفين معه، مع التمييز بين العضو العامل وبين المؤيد أو المتعاطف أو الناخب.
ويرى أن هذا التمييز ضروري؛ إذ لا يمكن اعتبار كل من صوت لمحمد مرسي عضوًا في جماعة الإخوان.
وفي هذا السياق، توجد بالفعل مواد بحثية وصحفية صادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية تناولت الجماعة وحجمها وتأثيرها السياسي.
فعلى سبيل المثال، نقلت «الأهرام أونلاين» عام 2012 عن عماد جاد، الباحث في مركز الأهرام، تقديرًا بأن عدد أعضاء الجماعة في السنوات الأخيرة من عهد مبارك كان في حدود 500 ألف عضو، مع الإشارة إلى أن الجماعة كانت من أكثر القوى السياسية تنظيمًا في مصر.
كما كان المركز يجري استطلاعات رأي حول الانتخابات الرئاسية، بما في ذلك استطلاعات عام 2012 التي شملت مرشحي التيار الإسلامي وغيرهم.
ووبذلك فإن الحديث عن الإخوان لم يكن حكرًا على خطاب الجماعة أو خصومها، بل كان موضوعًا حاضرًا في مؤسسات بحثية وصحفية وأكاديمية متعددة.
في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2012 حصل محمد مرسي على نحو 5.76 مليون صوت، بما يعادل 24.8% من الأصوات الصحيحة.
هذا الرقم مهم، لكنه لا يعني أن 5.76 مليون مصري كانوا أعضاء في الإخوان.
وذكر انه تتراوح التقديرات الإجمالية لعدد المنتمين والمتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر بين 2 مليون و5 ملايين شخص، وفقا لأبحاث ومراكز دراسات سياسية.
واستشهد بتقديرات مراكز الأبحاث (مثل مركز الأهرام للدراسات) إلى أن عدد الأعضاء الفاعلين المدرجين في الأسر التنظيمية يتراوح بين 500 ألف إلى مليون عضو. بينما تقدر القاعدة الجماهيرية والمتعاطفون بنحو 1.5 مليون إلى 4 ملايين شخص.
وفي المجمل، لا يصح التعامل مع تقديرات المركز باعتبارها أرقامًا صادرة عن الإخوان، كما لا يصح اختزالها في خطاب مؤيد أو معادٍ للجماعة.
ويشير "الشريف" إلى أهمية التمييز بين: العضوية التنظيمية والمؤيدين السياسيين، والمتعاطفين مع المشروع الإسلامي، والناخبين الذين صوتوا لمرسي لأسباب مختلفة، والناخبين الذين صوتوا له باعتباره مرشحًا في مواجهة مرشح آخر.
وقد كانت قوة الإخوان في تلك المرحلة مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرتهم التنظيمية وشبكاتهم الاجتماعية والسياسية، وهو ما أشار إليه باحثون في مركز الأهرام في ذلك الوقت.
«هل انتهى الإخوان؟»
وإذا كان الشريف يطرح سؤالًا بحثيًا عن حجم الظاهرة، فإن عزالدين الكومي Ez Elkomy على فيسبوك، يقدم إجابة من داخل المعسكر المدافع عن الجماعة.
في منشوره الطويل، لا يكتفي الكومي بالدفاع عن الإخوان، بل يقدم قراءة تاريخية تعتبر الجماعة مشروعًا دعويًا وفكريًا تعرض منذ تأسيسه عام 1928 لمحن متكررة.
ويرى أن الهجوم الحالي عليها جزء من سلسلة تاريخية من حملات التشويه والاستهداف.
كما يرفض اختزال الجماعة في العمل السياسي، ويؤكد أن منهجها — بحسب تصوره — شامل للدعوة والعمل العام والسياسة والمجتمع.
ويصل الخطاب عنده إلى نتيجة واضحة: الجماعة لم تمت؛ وإنما تمر بمحنة جديدة.
وهنا يأتي الرد المباشر على السؤال الذي بدأ به الشريف: إذا كان السؤال هو «كم بقي من الإخوان؟»، فإن إجابة الكومي الضمنية هي أن المقياس ليس عدد المكاتب المفتوحة أو أعضاء التنظيم المعلنين، وإنما قدرة الفكرة على الاستمرار بعد سقوط التنظيم السياسي.
الرد غير المباشر عبر أحمد عرابي
أما الطبيب د. خالد عمارة نجل المفكر وأستاذ التاريخ د. محمد عمارة فيقدم ردًا أكثر تركيبًا.
فهو لا يقول إن الإخوان بلا أخطاء، ولا يتعامل معهم باعتبارهم ضحية بريئة بالكامل، وإنما يستدعي تجربة أحمد عرابي ليقدم مقارنة تاريخية.
الفكرة الأساسية عند Khalid Emarah #د_خالد_عماره أن الحركات التي تفشل سياسيًا قد تتحول بعد هزيمتها إلى «شماعة» تُحمّل مسؤولية كل شيء، ثم تبدأ عملية إعادة تقييم تاريخية بعد مرور الزمن.
ومن هنا يقارن بين ما تعرض له "عرابي" بعد هزيمته وبين ما تعرض له الإخوان بعد "سقوط" حكمهم.
ويعترف عمارة في الوقت نفسه بأن لدى الطرفين أخطاء ونقاط ضعف حقيقية، وأن حجم التحديات كان أكبر من قدراتهما في لحظات معينة.
ويقول عمارة بصورة أقرب إلى: لا تعفوا الإخوان من أخطائهم، لكن لا تحولوا أخطاءهم إلى تفسير وحيد للتاريخ.
https://web.facebook.com/photo/?fbid=10162966074771954&set=a.10151279614336954&_rdc=1&_rdr
من الدفاع عن الإخوان إلى سؤال السلطة
ينتقل يحيى غنيم الناشط د. يحيى غنيم @YahyaGhoniem إلى مستوى آخر من الدفاع. فهو لا يناقش عدد أعضاء الجماعة ولا أخطاءها، وإنما يرفض أصل فكرة اعتبار سعي الإخوان إلى السلطة جريمة.
وسؤاله المركزي هو: إذا كانت السلطة حقًا سياسيًا، فلماذا يكون السعي إليها مقبولًا من قوى وممنوعًا على الإخوان؟
وبذلك تتحول القضية من «هل أخطأ الإخوان؟» إلى سؤال أوسع عن قواعد المنافسة السياسية وحق التيارات المختلفة في الوصول إلى الحكم.
رقم صعب
ويقدم عبدالله التابعي @ABDALLA ALTABEY موقفًا أكثر براجماتية فهو يعترف بأخطاء الجماعة، لكنه يرى أن إقصاءها الكامل لا يعني بالضرورة نجاح أي مشروع لإصلاح مصر.
والأهم أنه لا يكتفي بالدفاع عن الإخوان، بل يوجه إليهم مطالبة واضحة بالمراجعة: إعادة تحديد الثوابت والمتغيرات والوسائل والحلفاء والأعداء.
وهذه ربما تكون إحدى أكثر النقاط أهمية في التقرير؛ لأنها تعكس وجود تيار لا يرى أن الدفاع عن حق الإخوان في الوجود السياسي يعني إعفاءهم من النقد.
المراجعة ليست استسلامًا
ويقدم الصحفي نظام المهداوي @NezamMahdawi موقفًا قريبًا من هذه المنطقة الوسطى.
فهو يرى أن الإخوان بحاجة إلى مراجعة فكرية وتنظيمية، ليس لأن دولة أو إدارة أجنبية تطالبهم بذلك، وإنما لأن المراجعة سنة طبيعية لأي حركة تريد الاستمرار.
وفي الوقت نفسه يرفض أن تتحول الدعوة إلى المراجعة إلى عملية اجتثاث سياسي.
وبعبارة أخرى: المراجعة شيء، والاستئصال شيء آخر. وهذا الموقف مهم لأنه يفصل بين قضيتين غالبًا ما تختلطان في الخطاب السياسي: من تنظيم إلى رمز.
https://x.com/NezamMahdawi/status/1995312486170718613
وفي خطاب الاكاديمي د.محمد المختار الشنقيطي، @mshinqiti؛ تتجاوز القضية حدود التنظيم المصري نفسه. فالإخوان عنده يصبحون رمزًا لصراع أكبر حول الإسلام والهوية والحرية السياسية.
ومن هنا تأتي عبارته التي تجعل محاربة الإخوان جزءًا من محاربة تيار إسلامي أوسع.
وتساهم الفكرة في تفسير سبب بقاء الإخوان حاضرين في الوعي السياسي حتى بعد تراجع التنظيم؛ إذ يتحول الاسم من جماعة محددة إلى رمز سياسي وفكري يستخدمه المؤيدون والخصوم على حد سواء.
https://twitter.com/mshinqiti/status/2012790046315712834
الإخوان ومعايير الإرهاب
وعن مثال آخر لحضور الإخوان ينقل الإعلامي أيمن عزام @AymanazzamAja النقاش إلى المستوى الدولي، مستشهدًا بتصنيف حماس من جانب دول غربية.
وهو لا يناقش فقط ما إذا كان الإخوان يستحقون وصفًا معينًا، وإنما يشكك في المعايير التي تستخدمها القوى الدولية لتحديد مفهوم الإرهاب.
وبذلك يصبح الإخوان جزءًا من معركة خطابية أوسع حول ازدواجية المعايير الدولية تجاه الحركات الإسلامية والقضية الفلسطينية.
·