يواجه الاقتصاد المصري في المرحلة الراهنة تناقضات هيكلية حادة تتجلى بوضوح في اتساع الهُوة بين شريحة ضيقة من أصحاب الثروات الطائلة وبين الشريحة الأكبر من المواطنين الذين يعانون من تآكل القدرة الشرائية، ووفقاً لتقارير اقتصادية حديثة، وعلى رأسها تقرير شبكة "CNN الاقتصادية" وتحديثات مؤسسة "نايت فرانك" (Knight Frank) لعام 2026، تضم مصر 7 مليارديرات بالإضافة إلى نحو 822 شخصاً تُصنف ثرواتهم ضمن فئة الثراء الفاحش (بثروة صافية لا تقل عن 30 مليون دولار)، وهي شريحة مرشحة للنمو بنسبة تصل إلى نحو 18.9% بحلول عام 2031 لتصل إلى 977 شخصاً.
في المقابل، يشير تقرير "نايت فرانك" إلى وجود أكثر من 14 ألف شخص تتجاوز ثرواتهم حاجز المليون دولار، بينما تعيش الغالبية الساحقة من الشعب في ظل ضغوط معيشية غير مسبوقة وتآكل مستمر في مدخرات الطبقة المتوسطة.
سياسات نزع الملكية الاجتماعية
وتتجلى أزمة التباين بوضوح في تفاصيل السياسات العمرانية المتبعة منذ أكثر عقد، حيث تحولت المدن الجديدة من مشاريع تستهدف التخفيف والتوسع إلى مساحات استثمارية مغلقة.
ووفقاً لتحليلات منصة "الموقف المصري"، فإن الاعتماد على بيع الأراضي كمصدر رئيسي للتمويل الذاتي لمؤسسات الدولة يعيد إنتاج أزمة السكن بصورة هيكلية. فعندما ترتفع أسعار الأراضي الاستثمارية بنسب تتجاوز 15% في طروحات مثل "العاصمة الإدارية"، فإن المطورين العقاريين يقومون تلقائياً بتحميل هذه الزيادة على سعر الوحدة النهائية، مما يخرج الطبقة المتوسطة والشرائح الأقل إحداثاً لأي توازن مجتمعي من معادلة التملك العقاري برمتها.
تأتي هذه السياسات في وقت تشهد فيه السوق العقارية تفاوتاً صارخاً؛ فوحدات الإسكان الفاخر تُسوق بأسعار خيالية تستهدف المستثمرين والوافدين من الخارج أو الشريحة العليا المحلية، بينما يعجز الشاب المصري الخريج أو الموظف الحكومي عن تأمين مسكن أساسي يضمن استقراره الأسري. هذا التحول يعكس تراجع دور الدولة كمزود للخدمات الاجتماعية لصالح تحويل الأصول العقارية الكبرى إلى أدوات مضاربة وتجميع مالي تخدم الأقلية الثرية وحدها، في وقت تُحمل فيه الموازنة العامة وأعباء الدين الخارجي على كاهل المواطن البسيط.
لمن تبنى المدن الجديدة؟
تنعكس هذه الفجوة الطبقية بشكل فج في سياسات التنمية العمرانية وتسعير الأراضي والعقارات. فقد سلطت منصة "الموقف المصري" الضوء على قرار شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية (المملوكة بنسبة 51% للجيش و49% لهيئة المجتمعات العمرانية) برفع أسعار بيع الأراضي الاستثمارية بنسبة 15% إضافية لتصل أسعار المتر إلى ما فوق 30 ألف جنيه في الطروحات الجديدة.
وضمن معادلة السكن والأجور فإن الحد الأدنى للأجور يبلغ في القطاعين العام والخاص 7 آلاف جنيه شهرياً (مع تقاضي قطاع واسع من العاملين بالقطاع الخاص أجوراً أدنى من ذلك).
وبحسب حسابات "الموقف المصري"، يتطلب تكلفة التملك بشراء شقة سكنية بمساحة 100 متر مربع في العاصمة الإدارية — حيث تراوح متوسط سعر المتر بين 50 ألفاً و70 ألف جنيه — أن يعمل الموظف الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور لفترة تراوح بين 60 إلى 83 سنة متواصلة، مستبعداً تماماً أي نفقات معيشية أخرى.
وتعتمد حكومة السيسي على نموذج تمويلي يقوم على رفع قيمة الأرض عبر استثمارات البنية الأساسية وإعادة طرحها بأسعار مرتفعة لتمويل مراحل المشروع دون تحميل الموازنة العامة، غير أن هذه التكلفة تُرحّل مباشرة إلى المواطن الباحث عن سكن، مما يحيل العاصمة الجديدة إلى مدينة محصورة على القلة القادرة مالياً.
مظاهر الثراء الفاحش
تبرز مظاهر التباين الاقتصادي بوضوح في قطاعات مثل العقارات الفارهة والسلع الترفيهية. يوضح تقرير "CNN" أن أسعار العقارات في منتجعات الساحل الشمالي الغربي باتت تسجل أرقاماً فلكية تصل إلى 300 مليون جنيه (ما يعادل نحو 6 ملايين دولار) للوحدة الفاخرة الواحدة.
وتعادل قيمة عقار واحد في الساحل الشمالي تكلفة إنشاء ما بين 375 إلى 600 فصل دراسي حكومي (بتقدير تكلفة الفصل الواحد بين 500 و800 ألف جنيه).
وتمثل هذه القيمة أجر نحو 3125 موظفاً ممن يتقاضون الحد الأدنى للأجور لمدة عام كامل.
وفي ذات السياق، تشير الشواهد إلى انتشار مظاهر البذخ في الساحل الشمالي وشرق وغرب القاهرة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار التذاكر والخدمات الترفيهية الفاخرة، بينما ينشغل المواطن العادي بحساب مصاريف التعليم الأساسي وأقساط المعيشة وفواتير الاستهلاك اليومية.
البذخ السيادي
من جانبها، وجهت الناشطة السياسية شيرين عرفة (@shirinarafah) انتقادات حادة للسياسات المالية والاقتراض الخارجي الموجه لتمويل مشروعات سيادية فاخرة، مشيرة إلى النقاط التالية:
وعن القصور والاستراحات الرئاسية، تساءلت حول جدوى الاستدانة بالعملة الصعبة لإنشاء قصور رئاسية ضخمة (مثل القصر الرئاسي بالعاصمة الإدارية، وقصور العلمين الجديدة ومدينة المستقبل) في وقت توجد فيه استراحات وقصور تاريخية واسعة.
كما عبرت عن تعجبها من أسطول الطائرات الفاخرة وشراء طائرات رئاسية وطائرات مخصصة لرجال الأعمال والأثرياء، بجانب أسراب الطائرات العسكرية المرافقة، رغم وجود سرب جوي رئاسي سابق.
وعن وهم المشروعات القومية الكبرى أشارت إلى تكاليف مشروعات النقل العملاقة كالقطار السريع والـ "مونورويل" مقارنة بالأولويات الملحة لتطوير قطاعي الصحة والتعليم ورفع مستوى المعيشة العامة للمواطنين.