مرتزقة الإمارات في لندن.. كيف انتقلت حرب أبوظبي على الإسلاميين إلى الأراضي البريطانية؟

- ‎فيتقارير

كشف تحقيق استقصائي مسار عملية مراقبة سرية استهدفت الناشط أنس التكريتي، ودور المرتزق أبراهام جولان وشركائه، والتمويل الإماراتي الذي ارتبط بعمليات سرية في اليمن وبمهمة داخل بريطانيا. ووفق ما كشفنه وثائق وشهادات أوردها تحقيق لقناة ITV News البريطانية فإن المعركة التي تخوضها الإمارات ضد خصومها السياسيين من الاسلاميين لم تعد محصورة في ساحات الصراع بالشرق الأوسط؛ بل امتدت خيوطهاة إلى قلب العاصمة البريطانية لندن، وبحسب عملية سري فقد جرى استهداف الناشط والباحث البريطاني من أصل عربي أنس التكريتي بعملية مراقبة تضمنت جمع معلومات دقيقة عن منزله وسيارته ومكان عمله ومسارات تحركه.

وتكشف المواد التي استند إليها التحقيق، وشملت رسائل إلكترونية ومحادثات عبر تطبيق واتساب وسجلات مالية وشهادات أشخاص شاركوا أو اقتربوا من العملية، عن شبكة من المرتزقة والمتعاقدين الأمنيين الذين عملوا لصالح الإمارات، وعن مبالغ مالية ضخمة دُفعت لبعضهم مقابل مهام سرية.

لكن القضية لا تتوقف عند حدود التجسس والمراقبة. فبعض الشهادات التي أوردها التحقيق تشير إلى أن العملية في لندن ربما كانت تحمل احتمالًا أخطر، بعدما فهم أحد المشاركين أن الهدف النهائي قد يكون تصفية التكريتي جسديًا.

ومع ذلك، يظل من المهم التأكيد أن التحقيق لا يقدم دليلاً حاسماً على أن شخصيات داخل الحكومة الإماراتية أصدرت مباشرة أمرًا بتنفيذ اغتيال في لندن، كما أن أبوظبي وسفاراتها لم تقدم رداً على النتائج المنشورة.

 

من اليمن إلى لندن.. المسار نفسه يتغير

يقود خيوط القصة رجل يدعى أبراهام جولان، وهو عسكري سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي، أسس شركة أمنية خاصة عُرفت باسم "سبير أوبريشنز جروب".

وبحسب التحقيق، استعانت الإمارات بجولان وشركته في اليمن منذ عام 2015، ضمن برنامج وصفته أبوظبي بأنه لمكافحة الإرهاب، بينما تحدث جولان لاحقاً عن وجود برنامج للاغتيالات المستهدفة تولى إدارته لصالح الإمارات.

وتشير الشهادات الواردة في التحقيق إلى أن فريق جولان ضم مقاتلين سابقين من دول غربية، وأن مهمتهم كانت ملاحقة شخصيات سياسية اعتبرتها الإمارات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

وقال أحد أعضاء الفريق، وهو من قدامى القوات الخاصة الأمريكية، إنهم كانوا، بحسب تعبيره، يعملون عملياً كجنود إماراتيين. كما اعترف جولان في وقت سابق بإدارته برنامج اغتيالات مستهدفة في اليمن، وقال إن البرنامج كان بموافقة الإمارات ضمن التحالف.

وتبرز هنا نقطة مفصلية في التحقيق: الانتقال من ساحة حرب مفتوحة مثل اليمن إلى دولة غربية حليفة للإمارات مثل بريطانيا.

 

الهدف.. أنس التكريتي

كان الهدف في لندن هو أنس التكريتي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة قرطبة ومفاوض سابق في قضايا الرهائن وناشط وباحث معروف. وبحسب التحقيق، لم يكن التكريتي يعلم في عام 2016 أنه أصبح موضوعاً لعملية مراقبة منظمة.

وعندما اطلع بعد سنوات على الرسائل والوثائق التي حصلت عليها ITV News، وجد صوراً لمنزله وسيارته، وخرائط لمسارات تحركه اليومية، ومعلومات عن مقر عمله، وحتى المدخل الذي كان من المرجح أن يستخدمه للوصول إلى مكتبه.

ويكشف حجم المعلومات التي جرى جمعها أن الأمر لم يكن مجرد متابعة عابرة، وإنما عملية استطلاع منظمة هدفت إلى بناء ملف تحرك متكامل عن الشخص المستهدف. الأكثر إثارة للقلق أن التكريتي كان يعيش في لندن مع أسرته، وكان أطفاله في ذلك الوقت في سن صغيرة.

 

لماذا كان التكريتي هدفاً؟

تعود خلفية الاستهداف إلى الصراع السياسي والفكري بين الإمارات وجماعة الإخوان المسلمين. ففي نوفمبر 2014، أدرجت الإمارات 83 منظمة على قائمة المنظمات المحظورة، من بينها ثلاث منظمات بريطانية، هي منظمة الإغاثة الإسلامية، والرابطة الإسلامية في بريطانيا، ومؤسسة قرطبة التابعة للتكريتي.

ولم تقدم الإمارات، وفق ما أورده التحقيق، أسباباً رسمية مفصلة لإدراج هذه المنظمات في القائمة، فيما رفضت المؤسسات البريطانية التصنيف الإماراتي.

وكانت مؤسسة قرطبة تُمثل، بالنسبة إلى أبوظبي، جزءاً من بيئة فكرية اعتبرتها مرتبطة بالإخوان المسلمين، في حين نفت المؤسسة باستمرار وجود ارتباط تنظيمي رسمي بالجماعة. كما أن والد أنس التكريتي، أسامة التكريتي، كان شخصية سياسية عراقية مرتبطة بالإخوان المسلمين، وهو ما جعل الأسرة نفسها جزءاً من دائرة الاهتمام الإماراتي، بحسب التحقيق.

في المقابل، كانت لندن تتعامل مع جماعة الإخوان المسلمين بطريقة مختلفة؛ إذ خلص تقرير حكومي بريطاني عام 2015 إلى عدم وجود أدلة على تورط الجماعة في أنشطة إرهابية داخل بريطانيا.

وهنا ظهر أحد التناقضات الأساسية في القضية: أبوظبي تنظر إلى الإخوان باعتبارهم تهديداً أمنياً وأيديولوجياً، بينما لم تتبنَّ لندن الموقف الإماراتي نفسه.

 

العملية السرية تبدأ برسالة

في نوفمبر 2016، وبعد عام تقريباً من بدء عمليات جولان في اليمن، عاد اسمه للظهور في سياق مختلف. فقد أرسل جولان رسالة إلى خبير استراتيجي بريطاني أطلق عليه التحقيق اسمًا مستعارًا هو "فيكتور"، وسأله عما إذا كانت لديه قنوات اتصال بأنس التكريتي أو مؤسسة قرطبة. وأرفق الرسالة برابط لصفحة التكريتي، مطالباً بالتعامل مع الأمر بسرية تامة.

ثم بدأت الرسائل تكشف عن عملية أكبر، إذ تحدث جولان عن أن "الحرب قادمة إلى أوروبا"، وأن فريقه كان يستعد لبرنامج واسع. وبحسب التحقيق، وصل جولان إلى لندن في ديسمبر 2016، وكان برفقته أحد قدامى القوات الخاصة الأمريكية.

وخلال لقاء مع "فيكتور"، قدم جولان الرواية التي تقول إن الإمارات تعتبر التكريتي ومؤسسة قرطبة مرتبطين بجماعات إرهابية في سوريا، واتهمهما، بحسب ما نقله التحقيق، بتجنيد الشباب المسلمين للقتال في صفوف داعش أو القاعدة. لكن بدلاً من اللجوء إلى السلطات البريطانية، كانت الخطة تتجه إلى تنفيذ عملية مراقبة خاصة داخل الأراضي البريطانية.

 

100 ألف جنيه مقابل المعلومات

لم تكن العملية تطوعية. فوفق الرسائل التي اطلعت عليها ITV News، عرض جولان على "فيكتور" مبلغ 50 ألف جنيه إسترليني مقابل المساعدة، ثم رفع العرض إلى 100 ألف جنيه إسترليني. وكان المقترح أن تتم المدفوعات عبر حساب خارجي وطرف ثالث.

وتضمنت التعليمات جمع معلومات شخصية عن التكريتي، بما في ذلك عنوان منزله ومقر مؤسسة قرطبة وأماكن وجوده المحتملة. كما طلب جولان استدراجه إلى لقاء في مكان مفتوح، تحت غطاء إجراء مقابلة أو إعداد كتاب عن جماعة الإخوان المسلمين.

ومع تطور العملية، أصبحت الأسئلة أكثر تفصيلاً: أين يعيش؟ كيف يصل إلى العمل؟ ما الطرق التي يسلكها؟ أين يدخل المبنى؟

 

من المراقبة إلى احتمال الاغتيال

هنا تتخذ القضية منحى أكثر خطورة. فبحسب شهادة "فيكتور"، أشار مساعد جولان بإصبعه إلى حلقه عندما طُرح احتمال تعرض التكريتي للأذى، وهو ما فهمه الرجل باعتباره إشارة إلى أن العملية قد تنتهي بتصفية الهدف.

وقال "فيكتور" إنه بدأ يشعر بأن المهمة لا تقتصر على جمع المعلومات، وإنما قد تتحول إلى عملية قتل. ولهذا قرر الانسحاب من العملية. لكن انسحابه لم يعنِ بالضرورة انتهاء المهمة.

ففي إحدى الرسائل، أخبر جولان "فيكتور" بأن عليه تكثيف جمع المعلومات، ثم أبلغه لاحقاً بأن الفريق لا يزال يعمل في لندن رغم مغادرته هو إلى واشنطن.

 

تحذير الشرطة البريطانية

بعد ذلك، تلقى التكريتي تحذيراً من الشرطة البريطانية. وبحسب التحقيق، زار ضباط الشرطة منزله مرتين وأبلغوه بأنه يواجه خطراً، لكنهم لم يكشفوا له مصدر التهديد أو طبيعته. واستخدمت الشرطة ما يُعرف بإشعار يفيد بوجود معلومات كافية للاعتقاد بأن حياة شخص قد تكون معرضة للخطر.

ويقول التكريتي إن التحذير كان مخيفاً للغاية لأنه وضعه أمام معادلة غريبة: أنت في خطر، لكننا لن نخبرك لماذا أو من أين يأتي الخطر. وبعد سنوات، اكتشف التكريتي أن التحذير الذي تلقاه لم يكن بلا أساس.

 

الأموال تكشف شبكة أوسع

لا تقتصر أهمية القضية على عملية لندن نفسها، وإنما تمتد إلى الجانب المالي. فبحسب سجلات إماراتية اطلعت عليها  ITV News، كان جولان يتلقى أموالاً من الإمارات خلال الفترة التي نفذ فيها العملية في بريطانيا.

وتكشف السجلات عن راتب سنوي كبير ومكافآت إضافية، من بينها مليون دولار حصل عليها قبل أسابيع من وصوله إلى لندن مقابل عملية سابقة في اليمن.

وبعد عودته من لندن، أظهرت حسابات قدمت في الإمارات، بحسب التحقيق، مدفوعات بملايين الدولارات لجولان في صورة رواتب ومكافآت عن أعمال نفذها خلال الأشهر السابقة.

وهنا يطرح التحقيق سؤالاً جوهرياً: هل كان جولان يُنفذ مبادراته الخاصة مستفيداً من معرفته بموقف أبوظبي من خصومها، أم كان يعمل بتوجيه مباشر من جهات إماراتية؟

المواد المنشورة لا تحسم الإجابة بصورة قاطعة، لكنها تظهر بوضوح أن الرجل كان يتلقى أموالاً إماراتية، وأنه قدم نفسه خلال العملية باعتباره يعمل لصالح الإمارات، وأن مراسلاته تضمنت إشارات إلى وجود توجيهات ومهمة منظمة.

 

الإمارات تلتزم  الصمت

حاولت ITV News الحصول على رد من جولان، لكنه رفض تقديم إجابة مفصلة، واكتفى بالقول إنه لا يرغب في التحدث إلى القناة. كما لم يرد مساعده السابق، وهو من قدامى القوات الخاصة الأمريكية، على طلبات التعليق.

أما السفارتان الإماراتيتان في بريطانيا والولايات المتحدة فلم تصدرا رداً على النتائج التي نشرها التحقيق. وبالمثل، رفضت وزارة الداخلية البريطانية التعليق، مكتفية بالقول إن سياستها الراسخة هي عدم التعليق على المسائل الأمنية والاستخباراتية.

السؤال الأكبر: هل كانت لندن ساحة حرب بالوكالة؟ وتكمن أهمية هذه القضية في أنها تتجاوز شخص أنس التكريتي أو أبراهام جولان. فإذا صحت الوقائع التي أوردها التحقيق، فإنها تفتح الباب أمام سؤال يتعلق بحدود استخدام الدول للمتعاقدين الأمنيين والمرتزقة لتنفيذ عمليات تتجاوز حدودها.

لقد كان اليمن ساحة حرب، لكن لندن ليست كذلك. والإمارات وبريطانيا دولتان تربطهما علاقات سياسية واقتصادية وأمنية وثيقة، في الوقت الذي كانت فيه حكومة لندن ترفض تبني الموقف الإماراتي من جماعة الإخوان المسلمين.

وتزامنت عملية جولان في لندن مع زيارة الأمير تشارلز، آنذاك، إلى أبوظبي بهدف تعزيز العلاقات بين البلدين. وكان المسؤولون البريطانيون يدركون وجود خلافات حول الإخوان المسلمين، لكنهم، وفق التحقيق، لم يكونوا يعلمون أن أشخاصاً يعملون لصالح الإمارات كانوا يخططون لعملية سرية داخل بريطانيا.

وهنا يصبح السؤال الأمني والسياسي أكثر اتساعاً: هل يمكن لحليف أجنبي أن يستخدم متعاقدين خاصين لملاحقة خصومه السياسيين داخل دولة حليفة دون علم أجهزتها؟

 

من خصومة سياسية إلى عمليات سرية

تكشف القضية أيضاً كيف يمكن أن تنتقل الخصومة السياسية من مستوى الخطاب الدبلوماسي إلى أدوات أكثر سرية. فالإمارات، منذ سنوات، تتعامل مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها خصماً أيديولوجياً وتهديداً لنموذج الحكم فيها، بينما اتجهت إلى ملاحقة شبكات وشخصيات ترى أنها مرتبطة بالجماعة.

وفي اليمن، تحولت هذه السياسة إلى عمليات مسلحة استهدفت شخصيات سياسية. أما في بريطانيا، فقد ظهرت في هذه القضية صورة مختلفة: مراقبة، جمع معلومات، تحديد مسارات، محاولة اختراق الدائرة المحيطة بالهدف، وربما التخطيط لعملية أكثر خطورة.

ويشير التحقيق إلى أن العملية لم تكن مجرد مراقبة عشوائية؛ فقد تضمنت صوراً للمنزل والسيارة، وخرائط فضائية لمسارات الوصول إلى مكان العمل، ومعلومات عن مداخل المبنى.

ما الذي تُثبته الوثائق؟ وما الذي لا تُثبته؟ لأهمية القضية، يجب الفصل بين ما تُدعمه الوثائق والشهادات وما زال في دائرة الاحتمال.

تدعم المواد التي نشرها التحقيق:

وجود أبراهام جولان في لندن عام 2016.

وجود عملية مراقبة استهدفت أنس التكريتي.

وجود رسائل تتعلق بجمع معلومات عن منزله وعمله وتحركاته.

وجود عرض مالي على شخص للمساعدة في العملية.

ارتباط جولان بعقود ومدفوعات من الجانب الإماراتي.

وجود سجل سابق لعمل جولان وفريقه في اليمن لصالح الإمارات، وفق شهادات وردت في التحقيق.

تلقي التكريتي لاحقاً تحذيراً من الشرطة البريطانية بشأن تهديد محتمل لحياته.

لكن التحقيق لا يحسم:

    أن القيادة السياسية الإماراتية أصدرت شخصياً أمراً باغتيال التكريتي.

    أن محاولة اغتيال فعلية وقعت في لندن.

    من أصدر تحديداً الأمر بالعملية.

    كيف انتهت العملية ميدانياً بعد انسحاب أحد المشاركين.

وهذا التفريق ضروري حتى لا تتحول المعلومات التي تكشفها الوثائق إلى استنتاجات تتجاوز ما تثبته الأدلة.

 

شبكة الظل تصل إلى أوروبا

تكشف قضية أنس التكريتي، كما يعرضها تحقيق  ITV News، عن نموذج مختلف للصراع السياسي في المنطقة: الدولة التي لا تريد أن تظهر في الواجهة، والمرتزق الذي يتحرك بدلاً منها، والشركات الأمنية الخاصة التي توفر الغطاء، والأموال التي تنتقل عبر حسابات وصفقات غير معلنة.

وفي هذه الحالة، بدأ المسار من اليمن حيث عمل جولان وفريقه في عمليات مسلحة لصالح الإمارات، ثم امتد إلى لندن لملاحقة شخصية تعتبرها أبوظبي خصماً أيديولوجياً.

ويبقى السؤال الأكثر خطورة مفتوحاً: إذا كانت دولة ما تستطيع استخدام شبكة من المتعاقدين والمرتزقة لملاحقة خصومها في الخارج، فما الذي يمنع انتقال هذا النموذج من ساحات الحروب إلى عواصم الدول الحليفة؟

وفي الحالة البريطانية، لم تعد المسألة مجرد خلاف حول جماعة الإخوان المسلمين أو مؤسسة بحثية، بل أصبحت ــ وفق ما تثيره الوثائق والشهادات ــ اختباراً لحدود السيادة البريطانية، ومدى قدرة الأجهزة الأمنية على حماية المعارضين والناشطين من عمليات سرية تنفذها جهات أجنبية على الأراضي البريطانية.