ضجت منصات التواصل الاجتماعي بموجة عارمة من الحزن والغضب والدعوات من قبل حقوقيين، وأطباء، وإعلاميين، ونشطاء عاينوا عن قرب مسيرة الطبيب الراحل وإنسانيته الطاغية، الطبيب والعلّامة الدكتور صلاح متولي حسين محمد (68 عاماً) داخل محبسه بسجن المنيا شديد الحراسة، ليكون شاهداً جديداً على سياسة "القتل العمد البطيء" عبر الإهمال الطبي المتعمد.
والدكتور صلاح متولي، استشاري أمراض النساء والتوليد، وأمين عام نقابة الأطباء السابق بمحافظة بني سويف، وهو مدير مستشفى الزهراء التخصصي سابقاً، وعضو مؤسس في مستشفى الدعوة التخصصي، وأحد أبرز وجوه الخير بقرية "بدهل" بمركز سمسطا.
واعتقلت سلطات الانقلاب "متولي" رحمه الله في 29 سبتمبر 2013 من داخل عيادته الخاصة بمدينة بني سويف، وهو يؤدي واجبه المهني والإنساني وسط مرضاه، وظل معتقلاً طيلة 13 عاماً بتهم سياسية ملفقة. وكانت نقابة الأطباء قد أدانت رسمياً اعتقاله آنذاك برفقة 95 طبيباً آخرين في عام 2014.
وقال حقوقيون: إنه "لم يعد نبأ وفاة المعتقلين داخل سجون السيسي مجرد خبر عابر، بل تحول إلى ظاهرة شبه يومية تعكس واقعاً مأساوياً وممنهجاً يواجهه أصحاب الرأي والنخبة العلمية في مصر".
وفي ظل ما يوصف محلياً ودولياً بتصاعد القمع الأمني وغياب دولة القانون، يبرز ملف الإهمال الطبي المتعمد داخل مقار الاحتجاز كأداة قتل بطيء تفتك بأرواح المعتقلين، ولا سيما الكوادر الطبية التي أفنت حياتها في خدمة المجتمع، ليتحول الأطباء من منقذين للأرواح إلى ضحايا يقضون نحبهم داخل غياهب السجون دون أدنى رعاية طبية.
وعانى الطبيب الستيني من ظروف احتجاز قاسية وتدهور مستمر في حالته الصحية داخل سجن المنيا شديد الحراسة، وسط تجاهل تام لمناشدات توفير الرعاية الصحية اللازمة له نظراً لتقدمه في السن وإصابته بأمراض مزمنة، حتى أُعلن عن استشهاده داخل محبسه.
ويأتي رحيل الدكتور صلاح متولي بعد فترة وجيزة من استشهاد زميله الدكتور صيدلي عمرو هيكل، ليعيد إلى الأذهان صرخة نقابة الأطباء في عام 2014 التي أدانت فيها اعتقال الدكتور صلاح برفقة 95 طبيباً آخرين من خيرة الكوادر الطبية المصرية.
رحيل "طبيب الغلابة" وصاحب الأيادي البيضاء
شهادات رثاء واسعة من زملاء الراحل وتلاميذه وأهالي محافظته، مؤكدين على خلقه الرفيع ودوره الإنساني والخيري:
وكتبت "إسراء متولي" عن منصة "ميدان بدهل" على فيسبوك تعبيرا عن الحزن الثقيل الذي خيم على القرية برحيل الطبيب والمصلح
الذي تفقد الأمة برحيله صوتاً يذكر بالله وطبيباً رحيماً وعقلاً حكيماً.
وقالت Esraa Metwally وهي ابنته ".. حين تصمت منابر الأطباء الأجلاء الكرماء ..ومن ضيق الدينا الي سعة الأخرى في وداع العلّامة الدكتور المبجل صلاح متولي حُسين رحمه الله تعالى.. ليست كل الغيابات سواء؛ فثمة غياب يترك مكاناً خالياً، وثمة غياب يترك في المكان وحشةً لا تملؤها الأيام… وحين يرحل عالمٌ عاش بين الناس: ☆ طبيباً ☆ كريماً ☆مصلحاً.
وأضافت "لا تفقد أسرته أباً وطبيباً فحسب، ولا تفقد مدينته وجهاً من وجوهها المألوفة، بل تفقد الأمة صوتاً كان يذكّرها بالله، وطبيباً رحيماً وعقلاً حكيماً
وهكذا جاء نبأ وفاة الدكتور صلاح ثقيلاً على القلوب، موجعاً لأهل بني سويف عامه ، ومحزناً لكل من عرفه، أو جلس إليه، أو بلغه شيء من سيرته وعطائه.
ففي قرية بدهل، التي شهدت مولده ونشأته ،عرف بطيب القلب وحسن السيرة والخلق الجم مع علمه الوفير كان يتمتع ببساطة الأسلوب .. اللهم فاستقبله بواسع رحمتك، ولا تجعله بعد كرم عطائك في الدنيا إلا في كرم عفوك في الآخرة.. اللهم آنسه في وحدته، وآمنه في وحشته، وافتح له في قبره باباً إلى الجنة، واجعل تراب قبره برداً وسلاماً، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، ومقاماً في جوارك لا خوف فيه ولا حزن.. اللهم لا تحرم أبناءه وأسرته أجر الصبر ".
زميله د. ناصر سعد أكد في تدوينة له أن الدكتور صلاح مات مظلوماً في سجون الظالمين، سائلاً الله أن يتقبله في الشهداء وينتقم ممن ظلمه.
ونعاه الداعية والعالم د. عبد الخالق الشريف بوصفه رجلاً فاضلاً وشهيداً، يعرفه الجميع بخلقه الرفيع وكرمه، متوعداً الظلمة الذين سجنوه ولم يراعوا سنه المتقدم ولا مرضه بالوقوف أمام الله خصوماً يوم تجتمع الخصوم.
وكتب "عبد الخالق الشريف" عبر فيسبوك "رحم الله الرجل الفاضل الشهيد الدكتور صلاح متولي استشاري أمراض النساء والتوليد بمحافظة بني سويف يعرفه القاصي والداني بخلقه الرفيع وكرمه، لقي ربه وسيقف خصما للظالمين الذين سجنوه ظلما وجورا لم يراعوا سنه المتقدم ولا الأمراض ولا شيء، رحمك الله أخي الحبيب وتقبلك في الصالحين ، وعند الله تجتمع الخصوم.".
وعنه كتب الأكاديمي د. رضوان جاب الله أستاذ علم اللغة معتبرا أنه رجل الخير والكرم والكرامة في بني سويف وقريته "بدهل"، مؤكداً أن المجتمع السويفي فقد رمزاً كبيراً وطبيباً من كبار علمائه.
وفي فسبوك كتب "..وداعا أخي وصديقي #الدكتور_صلاح_متولي ذهب صابرا عزيزا راضيا مبتسما حتى وافته المنية وأفضى إلى ربه العزيز الكريم.. نقيب أطباء بني سويف وعضو مؤسس في مستشفى الدعوة التخصصي .. رجل الخير والكرم والكرامة في بني سويف وقريته الأصيلة #بدهل.. حسن الأخلاق ممدوح السيرة .. لم يرض يوما بالدون ولا يقبل الضيم عاش عزيزا ومات كريما..
اليوم فقد المجتمع السويفي رمزا من رموزه وعلما من أعلامه وطبيبا من كبار أطبائه.. نسأل الله أن يرحمه ويتقبله في الصالحين وحسن أولئك رفيقا.. وعسى أن يكون صبره ورباطه وغيابه في ميزان حسناته..وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وروت د. منى طوسون شهادة إنسانية مؤثرة عن نبل الراحل قائلة: "كان موتي محققاً بعد تشخيصي بسرطان المخ، وظلت رعايته الطبية بي على أكمل وجه، وقت الإفطار رفض أن يقوم العمال وحمل الكرسي بنفسه وانتظرني أمام المستشفى حتى شفيت، وظل يتابع حالة ابنتي للتأكد من عدم تأثرها بالعلاج، لا تكفي الكلمات لفقدان هذا الطبيب المعلم والتقي".
وتناول الحقوقي هيثم أبو خليل @haythamabokhal1 استشهاد عالم مصري بعد 13 عاماً من الاعتقال الظالم.. د. صلاح متولي حسين محمد استشاري النساء والتوليد (68 عاماً)، أمين عام نقابة الأطباء ببني سويف وصاحب مستشفى الزهراء الاستثماري، اعتقل من داخل عيادته في 29 سبتمبر 2013 واستشهد في محبسه بسجن المنيا نتيجة سوء ظروف الاحتجاز والإهمال الطبي الفاحش."
https://x.com/haythamabokhal1/status/2077571903821078850
وكتب دكتور مهندس صلاح الدين @Salah_Eldin2010 عن استمرار نزيف القتل العمد داخل سجون السيسي.
وتساءل "متى يتوقف القتل العمد ضد شرفاء مصر؟.. ألم تشبعوا بعد من سفك الدماء و السجن و النهب!".
https://x.com/Salah_Eldin2010/status/2077764437742620924
وتؤكد المنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها "منظمة عدالة"، أن وفاة أي محتجز داخل مقر احتجازه تمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة والصحة، وتدعو إلى اتخاذ الإجراءات التالية فوراً:
فتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات وفاة الدكتور صلاح متولي وإعلان النتائج للرأي العام.
محاسبة كافة المسؤولين عن التقصير أو الحرمان الممنهج من الرعاية الطبية داخل سجن المنيا شديد الحراسة.
توفير الرعاية الصحية العاجلة واللازمة لجميع المحتجزين، ولا سيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
والإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين من الكوادر العلمية والطبية، ومنهم الدكتور محمد بديع (أستاذ علم الأمراض بكلية الطب البيطري بجامعة بني سويف، والمصنف ضمن أعظم 100 عالم عربي في الموسوعة العلمية المصرية عام 1999، وأمين عام نقابة الأطباء البيطريين ل دورتين)، والذي يواجه ظروف احتجاز شديدة القسوة.