خطورة سيطرة الامارات على مقدرات مصر…فهل من مخرج؟

- ‎فيتقارير

أعطى المنقلب السيسي للإمارات دورا كبيرا ومساحة أكبر من حجمها في واقع السياسة المصرية، فكانت حاضرة مع كل تحرك على المستوى الاقتصادي والسياسي والإعلامي حيث استحوذت على شركات استراتيجية ذات أهمية كبري من الموانئ الي الأراضي الي البنوك والمؤسسات المالية والاقتصادية وشركات الطاقة والكهرباء والغاز والبترول لتتمكن من خلالها من السيطرة على مفاصل الدولة، بصورة تدعو للريبة خصوصا وان لها علاقاتها الوطيدة مع دولة الكيان المحتل.

 

شهدت العلاقات المصرية الإماراتية منذ عام 2013 تحوّلاً نوعياً غير مسبوق في طبيعتها وحدودها وأدواتها، حيث انتقلت من إطار التعاون السياسي والاقتصادي المتكافئ إلى نمط أكثر تعقيداً وتشابكاً، تداخلت فيه الأبعاد الاقتصادية مع الأمنية والعسكرية والسياسية، على نحو جعل دولة الإمارات العربية المتحدة أحد أبرز الفاعلين الخارجيين تأثيراً في المشهد المصري خلال العقد الأخير، الامر الذي يدعو للتوقف والدراسة.

 

تكتسب دراسة هذا الدور أهمية خاصة في ضوء التحولات الإقليمية العميقة التي أعقبت موجة الثورات العربية ثم إجهاضها، وما رافق ذلك من إعادة تشكيل موازين القوى، وصعود أنماط جديدة من النفوذ الإقليمي تقوم على استخدام الأدوات الاقتصادية والمالية والأمنية كبدائل أو مكمّلات للأدوات العسكرية المباشرة، وبرزت الإمارات كفاعل إقليمي نشط يسعى إلى توسيع نفوذه خارج حدوده الجغرافية، عبر شبكات استثمارية وصناديق سيادية، وشراكات أمنية وعسكرية، وعلاقات سياسية وثيقة مع أنظمة الحكم والنخب المجتمعية في عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر.

 

 وهل يمكن توصيف هذا الدور بوصفه شراكة استراتيجية متكافئة تهدف إلى دعم الاستقرار والتنمية، أم أنه يمثل نمطاً من أنماط النفوذ المتداخل الذي يحمل في طياته انعكاسات على السيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي للدولة المصرية؟

 

وتهدف الدراسة إلى تحليل هذا الدور الإماراتي في أبعاده المختلفة، من خلال تفكيك أدواته الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية، ورصد تطوره الزمني، وقراءة دلالاته الجيوسياسية في إطار البيئة الإقليمية الأوسع، بما يسمح بتقديم تقييم نقدي متوازن يبتعد عن التوصيفات التبسيطية أو الأحكام المسبقة.

 

تعتمد الدراسة على منهجية تحليلية نوعية، تستند إلى مصادر مفتوحة ومتنوعة، تشمل تقارير مراكز الدراسات، والبيانات الرسمية، والتصريحات السياسية، والمواد الصحفية المتخصصة، مع توظيف المقارنة الزمنية لرصد تطور الدور الإماراتي قبل وبعد عام 2013. كما تستفيد الدراسة من مقاربات الاقتصاد السياسي والأمن الإقليمي في تفسير العلاقة بين النفوذ الاقتصادي والتأثير السياسي والأمني.

 

وتنقسم الدراسة إلى عدة فصول؛ يبدأ الفصل الأول بعرض عام للتوجهات الاستراتيجية لدولة الإمارات كفاعل إقليمي ودولي، بشكل عام، وبصرف النظر عن الحالة المصرية، بما يشمل سياستها تجاه الموانئ، والشبكات المالية العالمية، والتدخلات الإقليمية، والعلاقة مع إسرائيل.

 

ثم تنتقل الدراسة إلى تناول الخلفية التاريخية للعلاقات المصرية الإماراتية، قبل التعمق في تحليل الدور الإماراتي الاقتصادي، ثم الأمني والعسكري، وصولاً إلى القضايا الخلافية الحالية بين البلدين.

 

تتناول الدراسة بعد ذلك تأثير الدور الإماراتي على السيادة المصرية والأمن القومي، ثم تتطرق إلى دراسة التمايز بين مواقف الطرفين المواكبة للحملة العسكرية الجارية على إيران، وآثارها المتوقعة على مسار العلاقات بين البلدين. وتختتم الدراسة بخلاصة تحليلية لكل ما تم تناوله حول العلاقة بين البلدين.

 

من دولة صغيرة إلى فاعل إقليمي مؤثّر

 

منذ مطلع الألفية الجديدة، وبوتيرة متسارعة بعد عام 2011، شهدت السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة تحوّلاً نوعياً، من نمط الدولة الخليجية ذات الدور الاقتصادي المحدود سياسياً، إلى فاعل إقليمي نشط يمتلك رؤية توسعية واضحة المعالم، تعتمد على مزيج مركّب من الأدوات الاقتصادية والمالية والأمنية والعسكرية، وهذا التحول لم يكن نتاج ردود فعل آنية بقدر ما جاء نتيجة إدراك استراتيجي إماراتي لفرص الفراغ الإقليمي التي أفرزتها التحولات الكبرى في المنطقة، خاصة عقب تراجع أدوار قوى تقليدية مثل مصر وسوريا والعراق، وانشغال قوى إقليمية أخرى بصراعات داخلية أو خارجية. وفي هذا السياق، سعت الإمارات إلى تقديم نفسها بوصفها قوة استقرار، وشريكاً موثوقاً للغرب، وفاعلاً قادراً على التأثير في مسارات الأحداث الإقليمية.

 

شكّل تراجع أدوار عدد من الدول العربية الكبرى منذ مطلع الألفية، وبصورة أكثر حدة بعد عام 2011، بيئة مواتية لصعود أدوار قوى عربية أصغر نسبياً في الحجم والموارد لكنها أكثر مرونة في توظيف أدواتها، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد أدى تراجع الدور الإقليمي لمصر بعد 2013، والانهيار أو الاضطراب العميق في دول مثل العراق بعد 2003، وسوريا بعد 2011، وليبيا بعد 2011، واليمن بعد 2015، إلى نشوء فراغات استراتيجية في الجغرافيا السياسية العربية، تمثلت في تفكك مراكز القرار، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتراجع قدرة الدولة المركزية على الاحتكار الكامل للقوة وصياغة السياسة الخارجية. في هذا السياق، تحركت الإمارات ليس فقط بوصفها دولة تبحث عن حماية مصالحها، بل كفاعل يسعى إلى ملء بعض هذه الفراغات عبر مزيج متداخل من الأدوات الاقتصادية (الاستثمار وإعادة الإعمار وإدارة الموانئ)، والدبلوماسية النشطة، وأحياناً التدخل الأمني والعسكري غير المباشر أو المحدود. وقد اتسم هذا الدور بالانتقائية والبراغماتية، حيث جرى توظيف الانهيارات الإقليمية ليس بهدف السيطرة المباشرة، بل لضمان بيئات إقليمية أقل تهديداً وأكثر قابلية لإعادة التشكيل بما يتوافق مع تصورات الأمن القومي الإماراتي وشبكات مصالحها الممتدة

 

الموانئ وسلاسل الإمداد كأداة نفوذ

 

تُعد سياسة التوسع في إدارة وتشغيل الموانئ أحد أبرز أعمدة الاستراتيجية الإماراتية، فقد ركزت الإمارات، عبر شركاتها الكبرى، وعلى رأسها موانئ دبي العالمية، ومجموعة موانئ أبو ظبي، على السيطرة أو المشاركة في إدارة موانئ استراتيجية تمتد من البحر الأحمر إلى المحيطين الهندي والهادي، مروراً بالقرن الإفريقي وشرق المتوسط، وحتى من خلال محاولة فاشلة في الولايات المتحدة الامريكية.