قدم العقيد بهاء الغنام المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة تعريفاً مختزلاً للأمن الغذائي، وتحدث عن تحويل 100% من الفوائض إلى الموازنة، بينما ينص القانون على موازنات مستقلة وآلية محددة لأيلولة نسب من الفوائض والعوائد.. وامتيازات تثير أسئلة عن تكافؤ المنافسة والرقابة على المال العام.
كانت تصريحات الغنام، خلال مشاركته في «منتدى مصر 2026»، قد أثارت تساؤلات بشأن طبيعة الدور الاقتصادي للجهاز، وحدود اختصاصاته، ومدى خضوع أمواله وأنشطته للرقابة والإفصاح، خصوصاً في ظل اتساع حضوره في قطاعات الزراعة والغذاء واستصلاح الأراضي والتجارة.
وخلال جلسة بعنوان «الأمن الغذائي: تحديات اليوم وضمانات المستقبل»، قدم المدير التنفيذي للجهاز تصوراً للأمن الغذائي يركز على استمرار توافر السلع عبر المواسم والسنوات، كما أعلن أن 100% من فوائض الجهاز تؤول إلى الموازنة العامة للدولة، مؤكداً أن الجهاز لا يحصل على مزايا إضافية تخلّ بالمنافسة مع بقية الأطراف في السوق.
لكن هذه التصريحات تفتح الباب أمام مراجعة قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الصادر بالقانون رقم 147 لسنة 2026، والذي نشر في الجريدة الرسمية في 26 يوليو الماضي، بعد موافقة مجلس النواب عليه.
القانون حدد بصورة واضحة ملامح الاستقلال المالي والإداري للجهاز والصناديق التابعة له، ونظم أيلولة نسب من الفوائض والعوائد إلى الخزانة العامة، كما منح بعض الكيانات والمناطق التابعة له مزايا وإعفاءات خاصة.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بالاختلاف حول تعريف الأمن الغذائي أو تفسير تصريح بعينه، بل تمتد إلى سؤال أوسع: كيف يمكن تقييم أداء جهاز يدير مشروعات وأصولاً عامة ويعمل في قطاعات استراتيجية، بينما تظل الحاجة قائمة إلى نشر بيانات مالية تفصيلية تتيح للرأي العام معرفة حجم موارده وأرباحه والتزاماته؟
أولاً: الأمن الغذائي ليس مجرد توافر السلع على مدار العام
استهل بهاء الغنام حديثه في المنتدى بتقديم تعريف للأمن الغذائي قال فيه: «الأمن الغذائي ليس مفهومه أن أوفر السلعة للمواطن، الأمن الغذائي ليس مفهومه أن السلعة تكون على قدر احتياج المواطن، الأمن الغذائي ليس دوره جودة السلعة، الأمن الغذائي دوره أن السلعة تكون متوفرة مواسم كثيرة وسنوات طويلة».
ويثير هذا التعريف إشكالاً جوهرياً؛ لأنه يختزل الأمن الغذائي في استمرارية الإمدادات، ويستبعد عناصر أساسية تتعلق بقدرة المواطنين على الحصول على الغذاء، وكفايته وجودته، ومدى ملاءمته للاحتياجات الغذائية والصحية.
فوفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو»، يتحقق الأمن الغذائي عندما يتمكن جميع الناس، في جميع الأوقات، من الوصول المادي والاقتصادي إلى غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ، يلبي احتياجاتهم وتفضيلاتهم الغذائية، بما يتيح لهم حياة صحية ونشطة.
ويقوم هذا المفهوم على أربعة أبعاد مترابطة:
-
توافر الغذاء: وجود كميات كافية من الغذاء وبجودة مناسبة، سواء من خلال الإنتاج المحلي أو المخزونات أو التجارة.
-
الوصول إلى الغذاء: قدرة الأفراد والأسر على الحصول عليه مادياً واقتصادياً، وهو ما يرتبط بالدخل والأسعار والقدرة الشرائية.
-
الاستفادة الغذائية: أن يكون الغذاء آمناً ومغذياً، وأن تتوافر المياه النظيفة والرعاية الصحية والصرف الصحي والظروف اللازمة للاستفادة من عناصره الغذائية.
-
استقرار الإمدادات: ضمان استمرار توافر الغذاء وإمكانية الوصول إليه بمرور الوقت، وعدم تعرضهما لانقطاعات حادة بسبب الأزمات الاقتصادية أو النزاعات أو الكوارث المناخية.
وبالتالي، فإن زيادة الإنتاج أو توفير الفاكهة والخضراوات خارج مواسمها، أو التوسع في الزراعة داخل الصوب، قد تمثل مؤشرات على النشاط الإنتاجي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على تحقق الأمن الغذائي.
فقد ترتفع كميات الغذاء المتاحة في الأسواق، بينما تعجز قطاعات من السكان عن شرائه بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول. وقد تتوافر السلع بكميات كبيرة، لكنها لا تحقق احتياجات غذائية متوازنة، أو يكون إنتاجها مصحوباً بتكاليف بيئية ومائية مرتفعة تهدد استدامة الإنتاج مستقبلاً.
لذلك، فإن تقييم أداء جهاز مستقبل مصر في ملف الأمن الغذائي ينبغي ألا يقتصر على المساحات المستصلحة أو حجم المحاصيل المنتجة أو عدد السلع المتاحة على مدار العام، بل يجب أن يشمل تكلفة الإنتاج، وأثر المشروعات على الأسعار، ومدى استفادة المواطنين منها، وحجم مساهمتها في تحسين القدرة الشرائية والاستدامة الزراعية.
ثانياً: هل تذهب 100% من فوائض الجهاز إلى الموازنة العامة؟
كان التصريح الأكثر إثارة للتساؤلات ما أعلنه الغنام بشأن فوائض الجهاز، إذ قال إن نسبة ما كان يؤول إلى الموازنة العامة بلغت 20%، قبل صدور توجيهات من السيسي بأن تصبح النسبة 100%.
لكن المادة 89 من قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر تضع إطاراً مختلفاً من حيث آلية تحويل الفوائض والعوائد إلى الخزانة العامة.
فالمادة تنص على عدم سريان القوانين المنظمة لأيلولة نسب محددة من أرصدة بعض الجهات أو فوائضها إلى الخزانة العامة على الجهاز والصندوق السيادي والصندوق الخدمي. ثم تجيز لرئيس الجمهورية، بناءً على عرض وزير المالية وبعد أخذ رأي مجلس الإدارة، تقرير أيلولة نسبة من الفوائض أو العوائد أو الأرصدة إلى الخزانة العامة، وفق قواعد تختلف بحسب طبيعة كل كيان.
وتحدد المادة نسبة لا تقل عن 10% من صافي فائض العمليات الجارية السنوي لمنطقة التنمية المستدامة، ونسبة لا تقل عن 7% من العوائد الحقيقية السنوية لاستثمار الأموال المخصصة للاستثمار بالصندوق السيادي، إلى جانب مبلغ مقطوع من صافي فائض رصيد حساب الصندوق الخدمي، مع جواز زيادته من سنة إلى أخرى.
وهنا تبرز نقطتان أساسيتان الأولى أن القانون لا يقرر تلقائياً تحويل 100% من جميع فوائض الجهاز والصناديق التابعة له إلى الموازنة العامة، بل يربط أيلولة نسب أو مبالغ منها بقرار يصدر وفق الإجراءات المحددة في المادة 89.
والثانية أن النسب الواردة في المادة هي حدود دنيا في الحالات التي نصت عليها، وليست سقوفاً قصوى تمنع تقرير نسب أعلى. ولذلك لا يكفي الاستناد إلى أرقام 10% و7% للقول إن تحويل 100% مستحيل قانوناً، كما لا يجوز اعتبار تصريح الغنام دليلاً على أن هذه النسبة أصبحت مطبقة فعلياً على جميع فوائض الجهاز.
والفصل في هذه المسألة يحتاج إلى الاطلاع على القرار الرئاسي الذي أشار إليه الغنام، إن كان قد صدر، وتحديد نطاقه والكيانات التي يشملها، إلى جانب مراجعة الحسابات الفعلية التي توضح المبالغ المحولة إلى الخزانة العامة خلال الفترات المالية المعنية.
أما المادة 22 من القانون، فتنص على أن لكل من الجهاز والصندوق السيادي والصندوق الخدمي موازنة مستقلة وقوائم مالية، تُعد وتُعتمد وتُنفذ وتُراقب وفق القواعد التي تحددها اللوائح والأنظمة الداخلية، وبما يتفق مع المعايير المحاسبية المصرية والدولية.
وتنص كذلك على ترحيل الفائض المحقق سنوياً من سنة مالية إلى أخرى، دون الإخلال بأحكام المادة 89.
وهذا يعني أن القانون يجمع بين الاستقلال المالي وإمكانية تحويل نسب من الفوائض إلى الخزانة العامة وفق آلية محددة. أما تحديد ما إذا كان الجهاز يحول بالفعل جميع فوائضه، فلا يمكن حسمه من نص القانون وحده، وإنما يتطلب الإفصاح عن القرارات والبيانات المالية ذات الصلة.
ثالثاً: موازنات مستقلة.. وأين تنتهي الرقابة وتبدأ المساءلة؟
تتعلق المسألة التالية بطبيعة الرقابة على أموال الجهاز والصناديق التابعة له. فالمادة 22 تمنح هذه الكيانات موازنات وقوائم مالية مستقلة، وتُخضع إعدادها واعتمادها وتنفيذها ومراقبتها للوائح والأنظمة الداخلية، من دون التقيد بالقواعد والنظم الحكومية العامة المشار إليها في النص.
ويثير هذا التنظيم أسئلة بشأن مدى كفاية الإفصاح المالي والرقابة الخارجية، خصوصاً مع اتساع الأنشطة التي يباشرها الجهاز في قطاعات ترتبط بالأراضي والموارد العامة والإنتاج الزراعي والغذائي.
ولا تعني الموازنة المستقلة، في حد ذاتها، غياب الرقابة أو انعدام المساءلة؛ فالقانون يتضمن أحكاماً للحوكمة والمراجعة. لكن الاستقلال المالي يفرض أهمية أكبر لنشر بيانات مفصلة تسمح بتقييم الأداء، ومعرفة حجم الاستثمارات والإيرادات والمصروفات والأرباح والالتزامات.
ومن الضروري هنا التمييز بين وجود مراجعة للحسابات وبين إتاحة نتائجها للرأي العام، وبين الرقابة الداخلية أو مراجعة مراقب الحسابات وبين الرقابة المؤسسية الأوسع على استخدام الموارد العامة.
فالسؤال الذي يستحق إجابة واضحة ليس مجرد ما إذا كان الجهاز يُعد قوائم مالية، وإنما ما إذا كانت هذه القوائم متاحة بصورة تسمح للجهات الرقابية والجمهور بفهم حقيقة الوضع المالي، وتقييم مدى كفاءة استخدام الأموال والأصول التي يديرها الجهاز.
وتزداد أهمية هذا السؤال إذا كانت الدولة تنقل إلى الجهاز أصولاً أو موارد أو اختصاصات ذات طبيعة استراتيجية، في وقت تحتاج فيه الموازنة العامة إلى موارد إضافية لتغطية نفقات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
رابعاً: هل ينافس جهاز مستقبل مصر القطاع الخاص بشروط متكافئة؟
نفى بهاء الغنام أن يكون الجهاز قد حصل على فرص أو مزايا إضافية مقارنة بالجهات الأخرى العاملة في السوق. لكن القانون يمنح بعض الكيانات والمناطق التابعة له مزايا قانونية خاصة تستحق المناقشة عند تقييم تكافؤ المنافسة.
فالمادة 59 تنص على تمتع الصندوق السيادي التابع للجهاز بالمزايا والإعفاءات والحوافز والضمانات والتيسيرات الضريبية والجمركية والمالية، وأوجه المعاملة الأخرى المقررة لصندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية.
كما تنص المادة 72 على تمتع الصندوق الخدمي بالمزايا والإعفاءات والتيسيرات المقررة لصندوق تحيا مصر، وفقاً للأحكام القانونية ذات الصلة.
أما المادة 33، فتقرر سريان الإعفاءات والحوافز والمزايا وأوجه المعاملة الضريبية والجمركية المقررة للمناطق الحرة العامة أو الخاصة، بحسب الأحوال، على منطقة التنمية المستدامة والمشروعات والأنشطة المقامة داخلها.
وتعني هذه الأحكام أن القانون يمنح الكيانات والمناطق المعنية معاملة قانونية خاصة، تختلف عن النظام العام المطبق على جميع الشركات والأنشطة الاقتصادية.
لكن وجود هذه المزايا لا يثبت وحده أن الجهاز يخلّ بالمنافسة في كل نشاط يباشره؛ فذلك يتطلب مقارنة عملية بين المعاملة التي يحصل عليها الجهاز والشركات الأخرى، وطبيعة الإعفاءات المطبقة، وتكلفة التمويل والأراضي والمدخلات، وأثرها على الأسعار والحصة السوقية.
ومع ذلك، فإن نفي وجود مزايا استثنائية بصورة مطلقة لا يعكس ما ينص عليه القانون بشأن المزايا والإعفاءات الخاصة ببعض الكيانات والمناطق التابعة للجهاز.
والسؤال هنا: كيف يمكن ضمان المنافسة العادلة عندما تعمل كيانات اقتصادية في السوق ضمن إطار قانوني خاص، بينما تخضع الشركات الأخرى لأعباء ضريبية ومالية وإجرائية مختلفة؟
خامساً: إعفاءات واسعة وصلاحيات اقتصادية.. من يراجع النتائج؟
تمنح المواد المنظمة لمناطق التنمية المستدامة الجهاز صلاحيات تتعلق بإقامة المشروعات والأنشطة الاقتصادية، وتخصيص العقارات اللازمة لها، وتسجيل الشركات والمنشآت والترخيص بمزاولة الأنشطة داخل المناطق التابعة للنظام القانوني الذي وضعه القانون.
وتنظم المادة 32 تخصيص العقارات اللازمة للمشروعات والأنشطة داخل منطقة التنمية المستدامة، من خلال البيع أو الإيجار أو الإيجار المنتهي بالتملك أو الترخيص بالانتفاع، وفق اعتبارات تتعلق بتصنيف المنطقة وطبيعة المشروع وحجم الاستثمار والعائد المتوقع.
أما المادة 33، فتتناول الإعفاءات والحوافز والمزايا الضريبية والجمركية المقررة للمنطقة والمشروعات المقامة فيها.
وهذه الصلاحيات تجعل من الضروري نشر معلومات دقيقة عن الأراضي التي يجري تخصيصها، وشروط التصرف فيها، والقيمة المالية للانتفاع بها، والعوائد المتوقعة من المشروعات، ومدى التزامها بالخطط المعلنة.
كما تبرز الحاجة إلى بيان كيفية تقييم الأصول العامة قبل تخصيصها، وما إذا كانت المعاملات تتم وفق معايير واضحة تمنع تضارب المصالح، وتضمن حصول الدولة على عائد يتناسب مع قيمة الموارد التي تتيحها.
ولا يكفي الإعلان عن حجم الاستثمارات أو الإنتاج لإثبات نجاح هذه السياسات؛ إذ يجب أن يكون التقييم قائماً على مقارنة التكلفة بالعائد، وقياس الأثر على فرص العمل والأسعار والموارد العامة والقطاع الخاص.
سادساً: جهاز اقتصادي يتوسع في قطاعات الدولة.. أين حدود الاختصاص؟
تتمثل إحدى القضايا الأساسية في اتساع الدور الاقتصادي لجهاز مستقبل مصر، الذي بات نشاطه يتقاطع مع ملفات تتولاها جهات حكومية أخرى، من بينها الزراعة والتموين وهيئة السلع التموينية واستصلاح الأراضي.
ومن حيث المبدأ، لا يوجد ما يمنع الدولة من امتلاك شركات عامة أو الاستثمار في الزراعة واستصلاح الأراضي أو التدخل في الأسواق لتأمين السلع الأساسية وتحقيق الاستقرار السعري.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتداخل الاختصاصات بين الجهاز والوزارات والهيئات العامة، من دون وضوح كافٍ بشأن حدود المسئولية، وطبيعة العلاقة المالية والإدارية، وآليات التنسيق والمحاسبة.
فإذا كان الهدف هو دعم المؤسسات القائمة وزيادة قدرتها على الإنتاج، فإن من حق الرأي العام أن يعرف لماذا تُمنح جهة بعينها صلاحيات وامتيازات خاصة، بينما تعاني جهات أخرى من نقص التمويل أو ضعف الإمكانات أو القيود الإدارية.
كما ينبغي توضيح ما إذا كانت أنشطة الجهاز مكملة لعمل الوزارات والهيئات أم أنها تحل محل بعضها، وما الأثر الذي يترتب على ذلك في توزيع الموارد العامة وفي قدرة المؤسسات المدنية على تنفيذ مهامها.
ولا تتعلق المسألة هنا بضرورة منع الجهاز من ممارسة النشاط الاقتصادي، وإنما بوضع قواعد معلنة تمنع ازدواجية الاختصاصات، وتحدد المسؤوليات، وتضمن خضوع جميع الجهات لمعايير قابلة للقياس والتقييم.
سابعاً: الأمن الغذائي يحتاج إلى بيانات.. لا إلى تعريفات جديدة
إذا كان جهاز مستقبل مصر يضع الأمن الغذائي في صدارة أهدافه، فإن تقييم أدائه ينبغي أن يستند إلى بيانات تفصيلية تتجاوز حجم الإنتاج أو عدد المشروعات المنفذة.
ومن بين المؤشرات التي يتعين إعلانها: تكلفة إنتاج المحاصيل والسلع الأساسية، وحجم الإنتاج الفعلي مقارنة بالمستهدف، ونسب الفاقد، واستهلاك المياه والطاقة، وأثر المشروعات على أسعار السلع، وحجم ما يصل منها إلى الأسواق المحلية، ومدى استفادة الأسر محدودة الدخل.
كما ينبغي الكشف عن العائد المالي من المشروعات، وحجم ما تتحمله الموازنة العامة من تمويل أو ضمانات أو إتاحة للأصول، وطبيعة الإعفاءات الممنوحة، والعلاقة بين الجهاز والجهات الحكومية التي تعمل في القطاعات نفسها.
فالأمن الغذائي لا يتحقق بمجرد وجود السلع في الأسواق، وإنما بقدرة المواطنين على شرائها، وبجودتها وسلامتها، واستمرار توافرها، واستدامة إنتاجها.
ومن دون هذه المؤشرات، قد يتحول الحديث عن الإنجازات الإنتاجية إلى عرض لأرقام لا تكشف وحدها ما إذا كانت المشروعات قد حسّنت فعلياً أوضاع المواطنين، أو خفّضت اعتماد البلاد على الاستيراد، أو عزّزت قدرتها على مواجهة الأزمات.
الخلاصة.. تصريحات تحتاج إلى مستندات وحسابات منشورة
تكشف مقارنة تصريحات بهاء الغنام بالنصوص القانونية عن تفاوت بين ما أعلنه بشأن تحويل 100% من فوائض الجهاز إلى الموازنة العامة، وبين الآلية التي تحددها المادة 89، التي تتطلب قراراً رئاسياً وفق إجراءات محددة، وتتناول نسباً من الفوائض والعوائد والأرصدة بحسب طبيعة الكيانات المعنية.
لكن القانون لا يضع سقفاً عاماً يمنع تحويل نسب أعلى من الحدود الدنيا الواردة فيه؛ ولذلك فإن الحسم يتطلب الاطلاع على القرار الذي استند إليه الغنام، وعلى البيانات المالية التي تثبت المبالغ المحولة فعلياً.
وفي ملف المنافسة، تنص مواد القانون على مزايا وإعفاءات خاصة لبعض الصناديق ومناطق التنمية المستدامة، وهو ما يستدعي توضيح نطاق هذه المزايا وأثرها الفعلي على تكافؤ الفرص في السوق.
أما في ملف الأمن الغذائي، فإن التعريف الدولي المعتمد لا يقتصر على استمرارية الإمدادات، بل يشمل التوافر والوصول الاقتصادي والاستفادة الغذائية والاستقرار بمرور الوقت.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس الدخول في سجال شخصي مع مدير الجهاز، وإنما إخضاع التصريحات والقرارات والنتائج الاقتصادية لمعايير واضحة، ونشر المستندات التي تسمح بمراجعتها.
فجهاز مستقبل مصر يتعامل مع ملفات ترتبط بأراضٍ وموارد وأنشطة استراتيجية، ومن حق المواطنين أن يعرفوا كيف تُدار هذه الموارد، وما العائد الذي تحققه للدولة، ومن يراقب حساباتها، وكيف يمكن التأكد من أن امتيازاتها القانونية تخدم المصلحة العامة ولا تتحول إلى مصدر لعدم تكافؤ المنافسة.
وفي النهاية، لا تكفي تأكيدات المسئولين بشأن الشفافية أو تحويل الفوائض إلى الخزانة العامة؛ فالشفافية الحقيقية تبدأ بإتاحة الحسابات والقرارات والمستندات، وتنتهي بإمكانية مراجعة النتائج ومساءلة المسئولين عنها.