دراسة: كيف استخدمت حماس الخداع ومفاوضات الأسرى لإرباك استخبارات الاحتلال قبل 7 أكتوبر؟

- ‎فيعربي ودولي

عملاء مزدوجون ورسائل طمأنة وقناة سرية للتفاوض.. دراسة تبحث كيف تشكلت صورة زائفة عن نوايا حماس عشية الهجوم

كشفت دراسة أعدها المقدم" الإسرائيلي" في الاحتياط يوناثان داحوح هاليفي، ونشرها مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، عن تفاصيل ما وصفته باستراتيجية التضليل التي اتبعتها حركة حماس قبل هجوم 7 أكتوبر 2023، بهدف تعزيز اعتقاد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بأن الحركة لا تستعد لمواجهة عسكرية واسعة، وأنها تركز على تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في قطاع غزة.

وبحسب الدراسة، لم يقتصر التضليل المزعوم على الرسائل السياسية والإعلامية، بل امتد إلى استغلال مصادر بشرية سبق أن جندتها الحركة، وإلى قناة اتصالات بشأن صفقة محتملة لتبادل الأسرى، تزامنت مع استمرار التحضيرات العسكرية للهجوم.

وتستند الدراسة إلى روايات وشهادات وتصريحات لمسؤولين وشخصيات فلسطينية وإسرائيلية، وتطرح فرضية مفادها أن حماس عملت على استثمار انشغال إسرائيل بأزماتها الداخلية، وإقناع أجهزتها الأمنية بأن سياسة التهديدات العسكرية والتسهيلات الاقتصادية نجحت في احتواء الحركة.

لكن بعض الاستنتاجات، ولا سيما ما يتعلق باعتبار مفاوضات الأسرى جزءاً مخططاً منهجياً لتغطية الاستعدادات للهجوم، تظل تفسيرات يقدمها معدّ الدراسة، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها حقائق مستقلة محسومة.

من «العصا والجزرة» إلى بناء صورة زائفة

تقول الدراسة: "إن أحد الأهداف الرئيسية لاستراتيجية حماس، التي تبلورت مطلع عام 2022، كان تعزيز قناعة إسرائيل بأن الجمع بين التهديد باستخدام القوة وتقديم تسهيلات اقتصادية لغزة يؤدي إلى احتواء الحركة وإبعادها عن المواجهة العسكرية".

وبموجب هذه السياسة، تعاملت إسرائيل مع القطاع من خلال مزيج من التهديدات باستهداف قيادات حماس، والتسهيلات المرتبطة بالعمالة والتجارة والتحويلات المالية والمساعدات، في محاولة للحفاظ على الهدوء الأمني.

وترى الدراسة أن حماس سعت إلى استثمار هذا التصور، بحيث تبدو منشغلة بأزمات القطاع واحتياجات سكانه، بينما تحافظ على سرية خططها العسكرية.

وفي هذا السياق، تشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تلقت، حتى مساء 6 أكتوبر 2023، معلومات أو مؤشرات توحي بأن النشاط داخل غزة يسير بصورة اعتيادية، رغم وجود إشارات أخرى إلى استعدادات غير مألوفة.

وتسلط هذه الرواية الضوء على أحد جوانب الإخفاق الاستخباراتي الإسرائيلي السابق للهجوم: ليس فقط عدم اكتشاف الاستعدادات العسكرية، بل أيضاً تفسير المعلومات المتاحة في إطار افتراضات مسبقة عن نوايا حماس وسلوكها.

عملاء مزدوجون داخل شبكة التجسس الإسرائيلية

بحسب الدراسة، تعود إحدى حلقات استراتيجية التضليل إلى عام 2017، عندما اكتشفت حماس، وفق رواية أحد قيادات جناحها العسكري، شبكة تجسس إسرائيلية داخل القطاع، وتمكنت من تجنيد بعض أفرادها للعمل عملاء مزدوجين تحت توجيه الحركة.

وإذا صحت هذه الرواية، فإن استخدام مصادر بشرية مزدوجة كان من شأنه أن يمنح حماس وسيلة للتأثير في المعلومات التي تصل إلى الأجهزة الإسرائيلية، وإظهار النشاط داخل القطاع على نحو لا يكشف حقيقة الاستعدادات العسكرية.

وتشير الدراسة إلى أن تحقيقات إسرائيلية أعقبت هجوم 7 أكتوبر كشفت عن تناقض بين بعض المؤشرات التحذيرية التي ظهرت قبل الهجوم، ومعلومات أخرى نقلت صورة أكثر اطمئناناً عن تحركات حماس.

فقد أشار تحقيق الجيش الإسرائيلي إلى وجود مؤشرات على استعداد الحركة لتنفيذ هجوم في 6 أكتوبر، بالتزامن مع إشارات أخرى لم تدفع الأجهزة إلى التعامل مع التهديد باعتباره وشيكاً، كما أفاد تحقيق جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» بأن مصادر استخباراتية بشرية نقلت معلومات توحي بأن نشاط الحركة يسير بصورة طبيعية.

ويعكس هذا التناقض مشكلة أوسع في العمل الاستخباراتي؛ إذ قد لا يكون نقص المعلومات وحده سبب الإخفاق، بل قد يؤدي الاعتماد على مصادر غير موثوقة أو تفسير المعلومات الجديدة وفق تصورات سابقة إلى التقليل من شأن التحذيرات.

خالد مشعل: التضليل كان استراتيجياً وتكتيكياً

وفي مقابلة أُجريت أواخر عام 2023، قال القيادي في حماس خالد مشعل إن الحركة استخدمت التضليل الاستراتيجي والتكتيكي قبل هجوم 7 أكتوبر، من خلال تمرير رسائل طمأنة وإظهار أن اهتمامها الأساسي ينصب على شؤون قطاع غزة الداخلية.

وبحسب مشعل، فإن الانطباع الذي سعت الحركة إلى ترسيخه كان أنها تركز على توفير الوقود والكهرباء والمساعدات وتحسين الأوضاع المعيشية، وأنها لا تتجه إلى مواجهة عسكرية وشيكة.

وأضاف أن عدم رد حماس على بعض التطورات في القدس والمسجد الأقصى خلال رمضان 2023، رغم التصعيد الإسرائيلي، ساهم في تعزيز هذا التصور لدى الجانب الإسرائيلي.

ورأت قيادة الحركة، وفق الرواية التي نقلتها الدراسة، أن امتناعها عن الرد في بعض المحطات قد يدفع إسرائيل إلى الاعتقاد بأن حماس باتت أكثر اهتماماً بإدارة شؤون القطاع، وأقل استعداداً للدخول في مواجهة واسعة.

ولا تقدم هذه الرواية وحدها تفسيراً كاملاً للإخفاق الإسرائيلي، لكنها تشير إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الافتراضات المسبقة بشأن سلوك الخصم في تشكيل التقديرات الأمنية، حتى في ظل وجود مؤشرات تحذيرية.

استلهام حرب أكتوبر 1973

ربط مشعل استراتيجية التضليل التي تحدث عنها بالتجربة المصرية في حرب أكتوبر 1973، حين نجحت مصر في إخفاء استعداداتها للهجوم عن إسرائيل رغم حجم التحضيرات العسكرية التي سبقته.

وتشير المقارنة إلى فكرة أساسية في التخطيط العسكري: أن إخفاء النوايا لا يعتمد بالضرورة على منع الخصم من رؤية كل التحركات، بل على دفعه إلى تفسيرها باعتبارها أنشطة اعتيادية لا تشير إلى هجوم وشيك.

وفي حالة حرب أكتوبر، تزامنت الاستعدادات المصرية مع مؤشرات وإجراءات لم تُقرأ في إسرائيل بوصفها دليلاً حاسماً على قرب الحرب، أما في رواية مشعل، فقد حاولت حماس تقديم صورة مغايرة لنواياها العسكرية، مستفيدة من اهتمام إسرائيل بالتسهيلات الاقتصادية والهدوء النسبي في بعض الجبهات.

وتلفت الدراسة كذلك إلى أن حماس استفادت من شبكة الأنفاق ومن إخفاء التحضيرات الميدانية، بما صعّب على إسرائيل تكوين صورة كاملة عن توقيت الهجوم وطبيعته.

غير أن المقارنة بين الحالتين لا تعني تطابق الظروف العسكرية والسياسية أو الأهداف؛ فهي تتعلق أساساً بمفهوم التضليل وإدارة تصورات الخصم قبل بدء العمليات.

مفارقة «الدرع والسهم» والتسهيلات الاقتصادية

وتورد الدراسة تصريحات للمعلق السياسي المقرب من حماس عصام شاور، تحدث فيها عن تجربة سابقة سبقت عملية «الدرع والسهم» الإسرائيلية ضد حركة الجهاد الإسلامي في مايو 2023.

وبحسب شاور، أبلغت إسرائيل حماس قبل العملية بيوم واحد بأنها ستسمح بتحويل المنحة المالية القطرية لصرف رواتب موظفي القطاع العام، وهو ما اعتبره جزءاً من سياق ساهم في ترسيخ توقعات معينة بشأن السلوك الإسرائيلي.

وتستخدم الدراسة هذه الواقعة في إطار تفسيرها لطبيعة العلاقة بين التسهيلات الاقتصادية والتقديرات الأمنية المتبادلة، وكيف يمكن أن تتحول الإجراءات التي تهدف إلى تهدئة الأوضاع إلى عنصر في حسابات الخصم وتوقعاته.

كما تنقل عن صحفيين فلسطينيين روايات بشأن عمليتي تضليل منفصلتين؛ الأولى تتعلق بتصورات عن طبيعة الهجوم المحتمل، والثانية بمحاولة ترسيخ الاعتقاد بأن سياسة التهديدات والتسهيلات الاقتصادية نجحت في احتواء حماس.

ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الروايات باعتبارها أجزاء من تفسير الدراسة، لا دليلاً مستقلاً كافياً على أن كل قرار إسرائيلي متعلق بالتسهيلات كان جزءاً من خطة تضليل متكاملة.

مفاوضات الأسرى.. قناة خلفها غازي حمد والسنوار

أحد أكثر محاور الدراسة إثارة للجدل يتعلق بقناة الاتصالات التي أدارها وزير شؤون الأسرى الفلسطيني السابق سفيان أبو زايدة بين شخصيات من حماس ومسؤولين إسرائيليين، بهدف بحث إمكانية التوصل إلى صفقة لتبادل الأسرى.

وتقول الدراسة إن أبو زايدة التقى القيادي في حماس غازي حمد في غزة، وإن حمد أبلغه بأن يحيى السنوار وافق على المضي في مسار التفاوض. وبعد عودته إلى إسرائيل، تواصل أبو زايدة مع ضابط متقاعد في الشاباك، ساعده على ترتيب لقاء مع مسؤولين في الجهاز بمدينة عسقلان.

وبحسب الرواية التي أوردها هاليفي، التقى أبو زايدة السنوار في غزة خلال يوليو 2022، وناقش معه أولويات حماس بشأن صفقة محتملة. وترى الدراسة أن هذه الاتصالات عززت اهتمام الجانب الإسرائيلي بإمكان التوصل إلى اتفاق، خصوصاً مع الحديث عن إطلاق أسرى فلسطينيين مقابل إسرائيليين كانت حماس تحتجزهم، بمن فيهم جثامين إسرائيليين.

وتضيف الدراسة أن رئيس الشاباك آنذاك رونين بار التقى أبو زايدة شخصياً للاستماع إلى شروط الحركة، وأن الأخير تلقى رسالة إسرائيلية تتعلق بالاستعداد لاتخاذ إجراءات اقتصادية واسعة في القطاع.

وبحسب الرواية نفسها، تطورت الاتصالات إلى مناقشة أسماء أسرى محتمل الإفراج عنهم وتبادل مسودات لاتفاق، ما عزز الاعتقاد بأن هناك مساراً تفاوضياً يمكن أن يؤدي إلى تسوية.

لكن معدّ الدراسة يذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن هذه القناة ربما استُخدمت لإبقاء إسرائيل منشغلة باحتمال التوصل إلى صفقة، في الوقت الذي كانت فيه حماس تستعد لهجومها.

رسالة «الزلزال» قبل الهجوم بثلاثة أسابيع

تمنح الدراسة أهمية خاصة للقاء قيل إنه جمع أبو زايدة بالسنوار في 14 سبتمبر 2023، بعد يومين من مناورة عسكرية كبرى لحماس.

ووفقاً للرواية التي أوردها هاليفي، طلب السنوار من أبو زايدة نقل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها أن حماس ستقدم، بحلول نهاية سبتمبر، أوراقاً من شأنها إحداث «زلزال» في مفاوضات الأسرى، وأن على إسرائيل الاستعداد لإفراغ السجون.

وتقول الدراسة: "إن أبو زايدة نقل الرسالة إلى مسؤولي الشاباك الذين كان يتواصل معهم، وإن موعداً جديداً للقاء السنوار حُدد في 8 أكتوبر، أي بعد يوم واحد من الهجوم".

ويرى هاليفي أن تحديد هذا الموعد ربما ساهم في تعزيز الاعتقاد بأن مسار التفاوض ما زال قائماً، وأن الحركة تسعى إلى تحقيق تقدم في ملف الأسرى، بدلاً من الاستعداد لمواجهة عسكرية واسعة.

غير أن وجود قناة تفاوضية وموعد لقاء لاحق لا يثبتان وحدهما أن جميع الاتصالات كانت جزءاً من خطة تضليل. فإثبات هذه الفرضية يتطلب أدلة مستقلة على طبيعة القرارات التي اتخذها السنوار، ومدى ارتباط مسار التفاوض مباشرة بالتخطيط للهجوم.

ومع ذلك، تطرح الرواية سؤالاً مهماً بشأن كيفية تعامل الأجهزة الإسرائيلية مع الإشارات السياسية والتفاوضية: هل أسهمت توقعات التوصل إلى اتفاق في تقليل وزن المؤشرات العسكرية، أم أن الإخفاق نتج عن مجموعة أوسع من الأخطاء في جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار؟

هل كان «عيون الفحم» جزءاً من الخطة؟

وفي السياق نفسه، تناول تقرير نشرته صحيفة «معاريف» العبرية احتمال أن تكون قناة الاتصالات التي أدارها أبو زايدة جزءاً من استراتيجية السنوار السابقة للهجوم، في إطار ما وصفته التقارير الإسرائيلية بمحاولات تضليل استخباراتي.

وتقول الدراسة إن وثائق وتصريحات ومنشورات لمسؤولين في حماس تشير إلى أن الحركة تابعت عن كثب الأزمة السياسية التي شهدتها إسرائيل عام 2023، بما في ذلك الاحتجاجات المرتبطة بالتعديلات القضائية وإعلانات بعض جنود الاحتياط وقف خدمتهم التطوعية.

ووفقاً لما نقلته «معاريف» عن هاليفي، أوصت الاستخبارات العسكرية لكتائب القسام في يوليو 2023 بتأجيل المواجهة العسكرية، إلى حين تعميق الأزمة الداخلية الإسرائيلية. وترى الدراسة أن التطورات اللاحقة عززت تقديرات لدى قيادة حماس بأن إسرائيل تمر بمرحلة ضعف سياسي وأمني يمكن استغلالها.

وتنسجم هذه الرواية مع فرضية أن حماس لم تعتمد على إخفاء التحضيرات العسكرية وحده، بل راقبت أيضاً الانقسامات داخل إسرائيل وحاولت تقدير أثرها في قدرة الجيش وأجهزة الأمن على الاستجابة.

لكن هذه القراءة تظل مرتبطة بالمصادر التي استندت إليها الدراسة، ولا تكفي وحدها لإثبات أن الأزمة السياسية الإسرائيلية كانت العامل الحاسم في توقيت الهجوم.

إخفاق استخباراتي أم نجاح في التضليل؟

تقدم الدراسة الإسرائيلية تفسيراً يقوم على أن حماس جمعت بين إخفاء الاستعدادات العسكرية، وتمرير رسائل طمأنة، واستثمار التسهيلات الاقتصادية، ومواصلة قناة تفاوضية بشأن الأسرى، بهدف الحفاظ على صورة لا تتوافق مع نواياها العسكرية.

وفي المقابل، تكشف نتائج التحقيقات الإسرائيلية التي تشير إليها الدراسة عن وجود مؤشرات تحذيرية لم تُترجم إلى تقدير صحيح لحجم التهديد وتوقيته.

وهنا تتجاوز القضية مسألة نجاح التضليل إلى سؤال يتعلق بطريقة عمل المؤسسات الاستخباراتية نفسها: كيف يمكن لأجهزة تمتلك مصادر بشرية وتقنيات مراقبة واسعة أن تتلقى إشارات متناقضة، ثم تعجز عن بناء تقدير دقيق للتهديد؟

وتشير الرواية إلى أن المعلومات لا تصبح ذات قيمة بمجرد جمعها؛ إذ يتوقف أثرها على موثوقية المصادر، وطريقة تحليل المؤشرات، وقدرة المسؤولين على مراجعة الافتراضات السائدة وعدم التعامل مع الهدوء النسبي بوصفه دليلاً كافياً على غياب الخطر.

وفي المحصلة، تسعى دراسة هاليفي إلى تفسير جانب من الإخفاق الإسرائيلي السابق لهجوم 7 أكتوبر من خلال فرضية التضليل المتعدد المستويات، لكنها لا تحسم بمفردها جميع الأسئلة المتعلقة بآلية اتخاذ القرار داخل حماس، أو مدى تأثير قناة مفاوضات الأسرى في تقديرات الشاباك والجيش الإسرائيلي.

وتبقى الخلاصة الأهم أن الهجوم كشف عن فجوة كبيرة بين المعلومات التي كانت متاحة للأجهزة الإسرائيلية وبين التقدير الذي بنت عليه استعداداتها؛ وهي فجوة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل تحتاج إلى قراءة متكاملة للمعلومات الاستخباراتية، والافتراضات السياسية، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة التحضيرات التي سبقت الهجوم.