«مستقبل مصر» يتمدد في سوق الأسمدة.. هل تتحول الدولة إلى مؤسسات موازية؟

- ‎فيتقارير

يتوسع جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» في سوق الأسمدة المصرية، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول حدود الدور الاقتصادي للأجهزة التابعة للدولة، وطبيعة علاقتها بالمؤسسات المدنية القائمة، ومستقبل القطاع الزراعي في ظل إعادة هيكلة منظومة الأسمدة المدعمة.

وبحسب تقرير نشره موقع «مدى مصر» مؤخرًا، بدأ الجهاز إدارة عمليات توريد وتوزيع الأسمدة المدعمة في خمس محافظات هي الدقهلية والشرقية والبحيرة وبورسعيد والإسماعيلية، تمهيدًا لتعميم التجربة على مستوى الجمهورية في أكتوبر المقبل.

ولم يقتصر تمدد الجهاز على الأسمدة المدعمة، إذ دخل منذ يوليو الماضي سوق الأسمدة الحرة عبر الجمعيات الزراعية، التي تتولى بيع الأسمدة لحسابه. ويأتي هذا التوسع في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للمزارعين، بعد إعادة الحكومة هيكلة منظومة الأسمدة في سبتمبر 2025، بما أدى إلى تغيير نسب توزيع الإنتاج بين السوق المحلية والتصدير.

 

إعادة توزيع الأسمدة.. والمزارع يدفع الثمن

أعادت الحكومة في سبتمبر 2025 هيكلة منظومة الأسمدة، من خلال رفع حصة الإنتاج المخصصة للتصدير من 45% إلى 53%، مقابل خفض حصة الأسمدة المدعمة من 55% إلى 37%، بحسب المعطيات الواردة في التقرير.

وأدى ذلك إلى تراجع الكميات المتاحة من الأسمدة المدعمة من نحو أربعة ملايين طن إلى قرابة 2.4 مليون طن، وهو ما انعكس على حصص عدد من المحاصيل الزراعية.

وشملت التداعيات إلغاء الأسمدة المدعمة لمحاصيل مثل الموالح والفراولة، إلى جانب خفض الحصص المقررة لمحاصيل أخرى، من بينها البصل والبطاطس.

وفي الوقت الذي كان فيه المزارعون يواجهون نقصًا في الأسمدة المدعمة وارتفاعًا في تكاليف الإنتاج، دخل"مستقبل مصر" إلى سوق الأسمدة الحرة، وبدأ بيع اليوريا بسعر يتجاوز ألف جنيه للشيكارة زنة 50 كيلوجرامًا، والنترات بنحو 975 جنيهًا، وفق الأرقام الواردة، وهي أسعار تقل عن مستويات السوق الحرة التي تراوحت بين 1400 و1600 جنيه للشيكارة.

وقد يوفر هذا التدخل، على المدى القصير، متنفسًا لبعض المزارعين في مواجهة ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، لكنه في الوقت نفسه يثير أسئلة أكبر حول طبيعة السوق وآليات التسعير والشراء وهوامش الربح.

 

جهاز بلا مصانع.. فمن أين تأتي الأسمدة؟

لا يمتلك "مستقبل مصر"، وفق المعلومات المتاحة في المادة، مصانع خاصة لإنتاج الأسمدة، كما أنه ليس مستوردًا رئيسيًا لها في سوق تنتج مصر فيه كميات كبيرة موجهة للتصدير، وبالتالي، فإن النموذج القائم يبدو قائمًا على شراء الأسمدة من الشركات المنتجة ثم إعادة بيعها عبر الجمعيات الزراعية.

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة وشفافة: هل يحصل الجهاز على الأسمدة بأسعار تفضيلية؟ وهل يرتبط ذلك بإعادة توزيع الحصص بين السوق المحلية والتصدير؟ ومن يحدد السعر النهائي للمزارع؟ وما حجم هامش الربح؟ وكيف تتم تسوية الفروق بين سعر الشراء وسعر البيع؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالجهاز وحده، وإنما بطبيعة إدارة سوق استراتيجية تمس الأمن الغذائي وتكاليف الإنتاج الزراعي بصورة مباشرة.

 

من بيع الأسمدة إلى إدارة الدعم

التوسع الأكبر يتمثل في انتقال "مستقبل مصر" من سوق الأسمدة الحرة إلى إدارة جانب من منظومة الأسمدة المدعمة نفسها.

وبحسب ما أورده "مدى مصر" سيتولى الجهاز توريد الأسمدة وسداد قيمتها للشركات المنتجة، ثم تحصيل قيمتها من المزارعين، والإشراف على عمليات التوزيع، بينما تستمر الجمعيات الزراعية في حصر الأراضي وتحديد المساحات والمحاصيل المستحقة للدعم.

وهذا الترتيب يعني أن الجهاز سيصبح طرفًا رئيسيًا في سلسلة تمتد من الشركة المنتجة إلى المزارع، بينما تحتفظ الجمعيات بجزء أساسي من الوظيفة المتعلقة بتحديد المستحقين وكميات الدعم.

وتبرر الرواية الرسمية أو المتداولة حول هذا التوسع بوجود مشكلات فساد وتلاعب في منظومة الأسمدة المدعمة.

 

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

بحسب مصادر تحدثت إلى "مدى مصر"، فإن أحد أبرز أوجه الخلل يتمثل في التلاعب ببيانات الحصر الزراعي، من خلال إدراج مساحات مخالفة أو غير مستحقة، بما يؤدي إلى صرف كميات من الأسمدة تتجاوز الاحتياجات الفعلية، قبل أن يتسرب جزء منها إلى السوق السوداء.

لكن إذا كانت المشكلة الأساسية تكمن في دقة بيانات الحصر، فإن نقل مسئولية التوريد والتوزيع إلى جهة أخرى لا يُعالج بالضرورة أصل المشكلة، فالجمعيات الزراعية ستظل مسئولة عن حصر الأراضي وتحديد المساحات والمحاصيل المستحقة، وهي المرحلة التي يمكن أن يحدث فيها التلاعب بالبيانات وفق هذه الرواية.

ومن ثم، فإن وجود جهة جديدة في مرحلة التوريد والتوزيع قد يحد من بعض صور الفساد المرتبطة بهذه المرحلة، لكنه لا يلغي تلقائيًا إمكانية التلاعب في البيانات التي تحدد من يستحق الدعم أصلًا.

 

مستقبل مصر والجمعيات الزراعية.. من يحل محل من؟

المشكلة هنا ليست في مكافحة الفساد، بل في الطريقة التي تُدار بها عملية الإصلاح. فالجمعيات الزراعية تعاني بالفعل من مشكلات متراكمة، من بينها البيروقراطية وضعف الكفاءة في بعض الحالات، وهي مشكلات تؤثر على قدرتها على القيام بدورها في خدمة المزارعين.

لكن مواجهة هذه المشكلات لا تعني بالضرورة نقل اختصاصاتها تدريجيًا إلى جهاز آخر، ثم ترك المؤسسات الأصلية تعاني من التآكل وفقدان الصلاحيات. فالبديل الأكثر استدامة يتمثل في إصلاح الجمعيات نفسها، ورقمنة قواعد البيانات الزراعية، وربطها بالخرائط والمساحات الفعلية، وتحديث بيانات الحيازة والمحاصيل، وإجراء مراجعات ميدانية مستقلة، إلى جانب توفير آليات واضحة لتلقي شكاوى المزارعين والتظلم من قرارات الاستحقاق.

كما تحتاج المنظومة إلى رقابة مستقلة على مراحل الإنتاج والتوريد والتوزيع، بحيث لا تصبح مكافحة الفساد مبررًا لغياب الشفافية أو تركيز الاختصاصات في جهة واحدة.

 

خطر "الحلول السهلة"

المشكلة الأوسع لا تتعلق بالأسمدة وحدها، وإنما بنمط في إدارة مؤسسات الدولة يقوم على التعامل مع ضعف مؤسسة ما من خلال نقل اختصاصاتها إلى جهاز آخر أكثر قوة ونفوذًا.

هذا النوع من الحلول قد يبدو سريعًا وفعالًا في المدى القصير، خصوصًا عندما تكون المؤسسة الأصلية مثقلة بالبيروقراطية أو الفساد، لكنه قد يؤدي على المدى الطويل إلى إفراغ المؤسسات المدنية من أدوارها بدلًا من إصلاحها.

وفي حالة الجمعيات الزراعية، فإن نقل أجزاء متزايدة من اختصاصاتها إلى "مستقبل مصر" قد يحولها تدريجيًا من مؤسسات تقدم خدمات فعلية للمزارعين إلى هياكل إدارية محدودة الصلاحيات.

وفي المقابل، تتوسع الجهة الجديدة في ممارسة أدوار اقتصادية وإدارية كانت موزعة تاريخيًا بين وزارات وهيئات وشركات وجمعيات.

 

من جهاز اقتصادي إلى دولة داخل الدولة!!

هنا يبرز السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا التوسع؟ فإذا امتد دور "مستقبل مصر" إلى قطاعات الإنتاج والتوريد والتوزيع والتجارة وإدارة الموارد، فإن القضية لم تعد مرتبطة بنشاط اقتصادي واحد، وإنما أصبحت متصلة بشكل الدولة نفسها وطريقة توزيع الاختصاصات بين مؤسساتها.

الخطر لا يكمن بالضرورة في دخول جهة حكومية أو سيادية إلى نشاط اقتصادي، وإنما في غياب الحدود الواضحة بين دورها وبين أدوار المؤسسات المدنية، وفي ضعف الشفافية المتعلقة بمصادر التمويل، وآليات التعاقد، وأسعار الشراء والبيع، وهوامش الربح، وآليات الرقابة والمحاسبة.

والدولة القوية ليست التي تنقل أكبر عدد من اختصاصاتها إلى جهة واحدة، وإنما التي تمتلك مؤسسات قادرة على أداء وظائفها بكفاءة، وتخضع جميعها للقواعد نفسها من الرقابة والمساءلة.

 

الأسمدة تكشف الأزمة الأكبر

يكشف ملف الأسمدة، في النهاية، عن معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد نقص في كميات السماد أو مشكلة فساد داخل الجمعيات الزراعية، فالمزارع يحتاج إلى سماد متاح بسعر مناسب وفي التوقيت المناسب، ويحتاج في الوقت نفسه إلى منظومة عادلة وشفافة تحدد مستحقي الدعم، وتحميه من السوق السوداء ومن تقلبات الأسعار.

أما الدولة، فتحتاج إلى حماية الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، مع ضمان عدم تحول الدعم إلى باب للتلاعب أو إهدار الموارد.

وهذا لا يتحقق بمجرد تغيير الجهة التي تدير عملية التوريد والتوزيع، بل بإصلاح قاعدة البيانات والرقابة وآليات التوزيع، وإعادة بناء المؤسسات الزراعية نفسها.

وبينما يتوسع "مستقبل مصر" في سوق الأسمدة الحرة والمدعمة، يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل نحن أمام حل لمشكلات مؤسسات الدولة، أم أمام نقل تدريجي لاختصاصاتها إلى مؤسسات موازية؟ فإذا أصبح الحل المعتاد لكل مؤسسة متعثرة هو سحب اختصاصاتها وإسنادها إلى "مستقبل مصر" فإن النتيجة المحتملة لن تكون مجرد جهاز اقتصادي أكثر نفوذًا، بل دولة تتوزع وظائفها خارج هياكلها التقليدية، ومؤسسات رسمية تفقد تدريجيًا خبراتها وصلاحياتها وقدرتها على أداء أدوارها.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: ما حدود توسع «مستقبل مصر»؟ وإنما يصبح السؤال: ما الحدود التي ستبقى للدولة نفسها إذا استمر هذا النمط من نقل الاختصاصات؟