شهد الشارع المصري حالة عارمة من الغضب والهيستيريا الجماعية إثر ما وُصف بـ "الظلم التحكيمي الفاحش" في مباراة كرة القدم التي جمعت بين منتخب مصر والأرجنتين.
هذا الغضب الرياضي سرعان ما تحول إلى منصة سياسية وحقوقية واسعة لتشريح واقع العدالة الغائبة؛ حيث قاد الكاتب الصحفي ممدوح الولي، نقيب الصحفيين الأسبق، هجوماً فكرياً لاذعاً يربط فيه بين بكاء الجماهير على مظلمة كروية دامت ساعتين، وصمتهم المزمن عن مظالم أعمق تفتك بالمجتمع منذ ثلاثة عشر عاماً تحت وطأة حكم المنقلب عبد الفتاح السيسي.
ممدوح الولي: جلد الوعي المشوه
دوّن نقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي كلماته الكاملة كاشفاً زيف البكاء على الملاعب في ظل صمت القبور، حيث قال:
"تشكون من مرارة الظلم من تصرفات حكم مباراة كرة استمرت حوال ساعتين،
وماذا يقاس ما تعرضتم له بالمقارنة لمن تعرضوا لظلم الاعتقال منذ 13 عاما؟
وما تعرضت له أسر المعتقلين من معاناة وتشويه طوال تلك السنوات؟
وما تعرضت له أسر من قُتلوا بميادين رابعة و النهضة ورمسيس وغيرها؟
وظلم من خسروا أملاكهم وأعمالهم ؟ وظلم من تم تشويه صورتهم جورا؟
وظلم من اضطروا للفرار للخارج ولا يستطيعون حضور جنازات أقاربهم؟
كيف تطلبون التوفيق في أي أمر ولديكم كل تلك المظالم ؟"
ولم يكتفِ الولي بذلك، بل أتبعها بمنشور آخر يجلد فيه الوعي المشوه قائلاً: "تشكون من عنصرية حكم مباراة كرة وممارسة العنصرية تملأ حياتكم، كل يوم في الإعلام والأغاني والمسلسلات والأحزاب والسياسة والوظائف العامة".
ويمكن الوصول للأصل عبر الرابط الرسمي المباشر على سطر مستقل:
العدالة لا تتجزأ
واستقبل مرتادو صفحة "الولي" ما كتب باهتمام، حيث علق ناشطون بالقول إن الظلم شديد القسوة، وإن ما حدث في مباراة كرة القدم تافه جداً بجانب ما يتعرض له المعتقلون وأهاليهم منذ 13 سنة، وكتب الكاتب عامر شماخ معقباً بأنه طالما ظل الأمر هكذا فلن تبرح الهزيمة الواقع ولن تنفرج الغمّة حتى يأتي الله بأمر من عنده.
وفي المقابل، دخل الناشط محمد زويل (Muhamed Zewail) في استدراك طويل من ثمانية نقاط، معتبراً أن إدانة ظلم "الفيفا" لا يعطل إدانة السجون، وأن الاستشهاد بانتهاكات حرية التعبير يؤكد ضرورة العدالة ولا ينفي حق الجماهير في رفض ظلم القوي للضعيف في الملاعب، محذراً من خذلان الشعب الذي وقف في طوابير ليعطي أهل العدل صوتهم يوم امتلك الفرصة الآمنة.
بينما تفاعل آخرون مثل حسنين القصاص ووفاء أحمد بتأكيد رفض الظلم بكل صوره محلياً ودولياً، وشبهت عزة جعفر (Aza Gafar) مظالم الملاعب بـ "الألم الحاد" المؤقت، مقابل المظالم السياسية التي تمثل "الألم المزمن" الذي لا يشعر به الكثيرون.
جمال عيد: أين ربع هذا الجهد؟
وفي سياق متصل، التقت الصرخة الصحفية مع الطرح الحقوقي؛ حيث سارع المحامي الحقوقي البارز الأستاذ جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان السابق، إلى توجيه سؤال حاد وصادم ومباشر للرأي العام الثائر من أجل ساحة الكرة، ونقلت حسابات كموقع مزيد (@MazidNews) تساؤله الكامل دون نقصان: "هل ممكن بذل ربع هذا الجهد ، للإفراج عن مظلومين مصريين مودعين في سجون مصرية ؟! لو زعلت من السؤال ، وشايف أن هؤلاء المظاليم مش موضوعك !! ولا يهمك ، تجاهل سؤالي ، واعتبر نفسك مشفتش حاجة !!! الحرية للمسجونين ظلم في مصر ، وما أكثرهم !" هذا السؤال الحقوقي فتح الباب لتسليط الضوء على سياسات النظام المرعوب الذي يساوم المعتقلين على حريتهم مقابل الاعتذار؛ وهو ما يثبت عجز القزم السيسي وأتباعه عن مواجهة المبادئ، تماماً كما جرى مع الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل الرافض للمساومة خلف الجدران.
مفارقة الساعتين والـ 13 عاماً
وتلاقت هذه الردود مع آراء نخب سياسية وإعلامية صبت جام غضبها على البنية الفاشية الحاكمة، حيث كتب الدكتور محمد محسوب الوزير السابق بوست تضامني عبر معرفه على منصة إكس متطرقاً لملف عائلته المعذبة: @MohammedMAHSOOB
عن شقيقته "
#حسيبة_محسوب سنوات ٧ في اعتقال ظالم دون سبب، ومحاكمات لا تؤدي لعدالة بل لمنح الظلم غطاء، وعشرات آلاف المعتقلين يشكون معاناتهم ومعاناة أسرهم لرب عادل لا يظلم الناس شيئا. #كاس_العالم_
"عالم غير عادل": من الملعب إلى الوطن.
فيما التفت الكاتب قطب العربي إلى العبارة التي رددها المدير الفني حسام حسن عقب الهزيمة التحكيمية وصاغها في إطار سياسي كاشف:
@kotbelaraby عالم غير عادل (Not fair) هكذا تحدث حسام حسن وهكذا يردد الشعب المصري الآن، نعم هو كذلك ، ونعرف هذا من وقت طويل، لكن البعض لا يشعر بالظلم إلا حين يقع عليه مباشرة، ما حدث في مباراة الأرجنتين ظلم فاحش، ظلم القوي للضعيف، وقلبي بالتأكيد مع المنتخب ومدربه، لكنها فرصة لننظر بنفس العين، ونقيس بنفس المسطرة الظلم الذي يتعرض له الشعب المصري داخل وطنه، عشرات آلاف السجناء السياسيين الذين يموتون بسبب الإهمال الطبي والنسيان، آلاف الذين قتلوا في الاعتصامات والشوارع وبأحكام إعدام هزلية غابت عنها العدالة تماما، آلاف المطاردين داخل الوطن، ومثلهم خارجه بحثا عن عدالة وأمان، أظنها فرصة لنعيد النظر في كل ذلك، فالظلم مؤذن بخراب العمران، ومؤذن بالهزائم أيضا.
راعي الرياضة المزيف خلف القضبان
وامتدت المراجعات لتضرب المنظومة الرياضية والسياسية الرسمية؛ حيث وصفت المنصات الثورية تهنئة عبد الفتاح السيسي للمنتخب بـ "قمة الوقاحة والنفاق" من شخص تلطخت يداه بدماء الجماهير، بداية من كونه الذراع الأيمن للمشير طنطاوي الشريك في تدبير مجزرة بورسعيد التي راح ضحيتها 74 مشجعاً من "ألتراس أهلاوي" عام 2012، وصولاً لمجزرة استاد الدفاع الجوي عام 2015 التي راح ضحيتها 20 مشجعاً من "وايت نايتس"، وحبس قادة المدرجات كـ "سيد مشاغب" المعتقل منذ عقد، ومطاردة الأساطير وتصنيف النجم محمد أبو تريكة إرهابياً والحجز على أمواله، ويمكن مراجعة التقرير كاملاً عبر رابطه التاريخي:
https://x.com/sadamisr25/status/2075166385521479850
رسائل الأمل وغزة من قلب الحصار
وفي مقابل هذا النفاق السلطوي، جاءت تهنئة أحمد محمد مرسي، النجل الأكبر للرئيس الشهيد محمد مرسي، لتحمل لغة وطنية أصيلة أشادت باللاعبين الذين زرعوا الأمل وشكرت رسالتهم التضامنية لأهل غزة في سياق يربط بين نضال المظلومين، عبر الرابط الموثق:
https://www.facebook.com/photo/?fbid=27448974971435479&set=a.144069729019372