كرّرها للمرة الرابعة.. السيسي يدعو لـ”تطوير الإعلام” والواقع يُترجمها: مفاقمة القيود وإحكام السيطرة!

- ‎فيتقارير

جدد المنقلب السفيه، عبد الفتاح السيسي دعوته لفتح المجال الإعلامي وإتاحة الفرصة للرأي الآخر، موجهاً بعقد اجتماع سنوي في ديسمبر لمراجعة أوضاع الإعلام المصري، وذلك في الرابع من يوليو 2026، وخلال افتتاحه مقر القيادة الاستراتيجية "الأوكتاجون" بالعاصمة الإدارية الجديدة.

ورغم "إعلان" حكومي بالاستجابة السريعة للقاء وبحث آليات التنفيذ، إلا أن هذه الدعوة -التي تعد الرابعة من نوعها على الأقل خلال فترة حكمه- تواجه تشكيكاً حقوقياً وصحفياً واسعاً؛ إذ يرصد الواقع الفعلي تناقضاً صارخاً بين الخطاب الرسمي الشفوي المؤيد للحوار، وبين الممارسات على الأرض التي قادت الإعلام المصري نحو مزيد من التراجع والتقييد.

بنية التشريعات المقيدة

بدأت ملامح التناقض بين الوعود والواقع منذ عام 2016، فبعد تأكيدات رسمية على حرص الدولة على استقلال وسائل الإعلام، شهدت المنظومة التشريعية تحولاً جذرياً نحو تشديد الرقابة. وصدر القانون رقم 92 لسنة 2016 بإنشاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لتبدأ فلسفة جديدة تقوم على منح المجلس صلاحيات عقابية واسعة تشمل مراقبة المحتوى وتوقيع الجزاءات.

 وتلا ذلك إقرار القانون رقم 180 لسنة 2018، الذي وسع من تلك الصلاحيات لتشمل الحق في حجب المواقع الإلكترونية والمدونات والحسابات الشخصية، مما رسخ بنية قانونية واجهت اعتراضات واسعة من الجماعة الصحفية لكونها تحاسب الإعلاميين جنائياً على ممارساتهم المهنية.

الآلة الإعلامية ضد المعارضة

وعن آليات توظيف النظام لهذه الترسانة الإعلامية والقانونية، يرى المستشار وليد شرابي (@waleedsharaby) أن المنظومة الإعلامية الرسمية تُوجه طاقاتها القصوى بشكل دعائي مبالغ فيه لتصفية المعارضين بدلاً من مناقشة الأزمات الحقيقية؛ حيث يعلق قائلاً: "السيسي لما بيقبض على معارض بيعمل في الإعلام أكتر من اللي اتعمل يوم 6 أكتوبر 1973؛ أفلام ومسلسلات ومشهد اقتحام شقة المعارض يصرف عليه أكتر من مصاريف اقتحام خط بارليف!".

ويضيف شرابي مستنكراً ترتيب أولويات النظام الذي ينفق ببذخ على هذه التغطيات الأمنية الموجّهة، في حين "ماعندوش مشكلة إن العملة تروح في داهية، أو البلد تضلم، أو الذهب يتهرب، أو الحدود تقل، أو النيل يضيع".

وترتبت على هذه السياسات والقوانين موجة واسعة من القرارات التي استهدفت الفضاء الرقمي والمؤسسات الصحفية المستقلة؛ وتُشير تقديرات المنظمات الحقوقية، ومنها مؤسسة حرية الفكر والتعبير ولجنة حماية الصحفيين الدولية، إلى أن عدد المواقع الإلكترونية المحجوبة في مصر قفز من 558 موقعاً في عام 2023 ليصل إلى نحو 630 موقعاً بحلول فبراير 2026، من بينها عشرات المنصات والمواقع الإخبارية.

وتزامن هذا الحصار الرقمي مع تنامي نفوذ "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" المملوكة للدولة، والتي فرضت احتكاراً شبه كامل على المشهد الإعلامي والقنوات التلفزيونية، وسط تقارير تؤكد توجيه التغطيات الصحفية عبر تعليمات أمنية مباشرة، ما أدى إلى غياب التنوع وهيمنة نبرة احتفالية وتعبوية موحدة.

مقصلة الإغلاق
ولم تتوقف حدود التقييد عند الداخل، بل امتدت لتشمل الضغوط على المنصات الإعلامية المعارضة التي تبث من الخارج وتواجه شبح التوقيف والحجب المستمر، وفي هذا السياق، يقدّم الإعلامي أيمن عزام (@AymanazzamAja) رأياً مهنياً متجرداً يعتبر فيه أن "توقيف القنوات لا يعني بشكل مطلق انعكاس موقف الجماهير ولا الشعوب، بل ربما يعكس مواقف حكومية لأنظمة دول تخشى الكلمة وحرية الرأي"، مستدلاً بنسب المشاهدة المليونية اليومية لهذه المنصات.

 

ويُدافع عزام عن مشروعية هذه النوافذ مثل "قناة الشعوب" و"الشرق" سابقاً، موضحاً أنها مُوّلت بشراكة أسهم شعبية معلنة، ومؤكداً أن التمويل حالها كحال وسائل الإعلام جميعاً، ويرى أن الفيصل المهني الوحيد هو "المصداقية والموضوعية في الأطروحات" وليس ادعاء الحياد المطلق، حيث تعلن هذه القنوات تحيزها السياسي بوضوح، معقباً: "حين يعجز خصمها عن تكذيبها، يلجأ إلى الطعن في وطنيتها والقدح في منتسبيها". ويختم عزام بالإشارة إلى أن تعرض الإعلام المعارض لمثل هذه الأزمات ليس جديداً، وغالباً ما يعاود البث ثانية، متسائلاً: "إذا كان من حق أي إنسان أن يؤمن أو يكفر، فكيف يتم حرمانه من حق التعبير عن فكره وانتمائه أياً ما كان؟".

 

استراتيجيات متعثرة والمحسوبية

لم تفلح المحاولات الرسمية اللاحقة في إحداث أي اختراق حقيقي؛ ففي عام 2020، طُرحت استراتيجية لوزارة الدولة للإعلام اتسمت بالعمومية وغياب آليات التنفيذ، وانتهت بصراع سياسي واستقالة الوزير آنذاك أسامة هيكل، ليبقى المنصب شاغراً لسنوات حتى مطلع 2026 الذي شهد تولّي ضياء رشوان للوزارة.

 

هذا التعيين واجه بدوره انتقادات حادة وسخرية من الأوساط الشعبية والرقمية؛ إذ هاجم حساب "حدث بالفعل" (@7adasBelfe3l) الوزير الجديد واصفاً إياه بـ"النصاب النموذجي" الذي مثّل دور المعارضة في عهد مبارك، وتحول إلى "بولدوج للنظام في عهد السيسي تحت شعار: طالما مش بتاكلوني معكم هسمم عيشتكوا"، وانتقد الحساب تصريحات رشوان المنفصلة عن الواقع الاقتصادي الذي تشهده البلاد من ارتفاع في الأسعار، معتبراً أن تعيينه يعكس "عصر الفشلة"، ومضيفاً أنه مع زيادة ميزانية ماسبيرو بمليار جنيه "كان طبيعياً يزودوا ميزانية وزارة الإعلام ويُسمح لضياء رشوان بتشغيل أصدقاءه ودعمهم مادياً كرد جميل".

 

وفي ذات السياق، طرح حساب "سلامة" (@FattahFattahh) عدة أسئلة مشروعة حول كفاءة إدارة الوزارة والتعيينات بداخلها، مستنكراً كثرة المستشارين المحيطين بالوزير متسائلاً: "هل يعقل أن يكون كل هؤلاء مستشارين لوزير الإعلام؟ فماذا سيفعل الوزير إذن؟ وهل سيتم دفع مكافآت للسادة المستشارين أم أن وجودهم تطوعي لدعم الوزير الذي جاء وزارة الإعلام بدون خطة واضحة للهدف منها ومن وجود سيادته على رأسها؟".

تراجع مستمر في مؤشرات الحرية

والمفارقة الأبرز جاءت عقب دعوة السيسي الثالثة في أغسطس 2025 لتطوير الإعلام، حيث شكلت الحكومة لجنة رفعت تقريرها في فبراير 2026، واعترف التقرير رسمياً بأزمات المنظومة: كأزمة الثقة بين السلطة والجمهور، واستخدام العقوبات السالبة للحرية (الحبس) ضد الصحفيين، وهيمنة الصوت الواحد، وغياب قانون لتداول المعلومات، ورغم توصية اللجنة بنقل سلطة الحجب إلى القضاء وإلغاء الحبس في قضايا النشر، إلا أن التوصيات بقيت حبيسة الأدراج دون أي إجراء رسمي ملموس.

 

وتنعكس هذه البيئة المقيدة بشكل مباشر في التقييمات الدولية؛ إذ تُظهر بيانات منظمة "مراسلون بلا حدود" تدهوراً مستمراً في ترتيب مصر على مؤشر حرية الصحافة العالمي، حيث تراجعت من المركز 159 عام 2014 إلى المركز 170 عامي 2024 و2025، قبل أن تسجل تحسناً طفيفاً وغير جوهري بالوصول للمركز 169 في عام 2026، وعلى صعيد الملاحقات الأمنية، لا تزال مصر تصنف ضمن القوائم السوداء كواحدة من أكثر الدول سجناً للصحفيين عالمياً، مع استمرار حبس 18 صحفياً على الأقل خلال عام 2026 وفقاً للجنة حماية الصحفيين. يضع هذا المشهد الوعود المتجددة أمام اختبار حقيقي، حيث يرى المراقبون أن العبرة لم تعد في إطلاق المبادرات أو تشكيل اللجان، بل في تفعيل المواد الدستورية (70، 71، 72) التي تحظر الرقابة وتضمن حرية الصحافة واستقلالها.