“السيسي” و”عدلي” متلازمة “الكفتة” الممتدة.. “المتحدة” صاحبة السبق في رعاية العلم الزائف والمعلومات المغلوطة

- ‎فيتقارير

لم يكن اختراع "جهاز الكفتة" لعلاج فيروس سي والإيدز عام 2014 على يد اللواء طبيب إبراهيم عبد العاطي مجرد سقطة عابرة في تاريخ الإعلام المصري، بل كان إعلاناً عن تدشين مدرسة إعلامية جديدة تتبنى "العلم الزائف" (Pseudo-science) وتمنحه منصات البث الرسمي لتغيب وعي الجماهير. فبعد سنوات من ترويج تلك الأوهام الطبيعية تحت رعاية أجهزة الدولة، انتقلت قنوات "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" (المملوكة للنظام) إلى تطبيق الاستراتيجية ذاتها على التاريخ والحضارة المصرية القديمة؛ حيث دأبت على تصدير غير المتخصصين والدجالين الأثريين بوصفهم "علماء ومفكرين"، مكرسةً لجهل معرفي يتجاوز تزييف الواقع إلى تدمير الهوية التاريخية.

زاهي حواس والدمياطي

وقرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، إحالة الشكوى الرسمية المقدمة من وزيري الآثار الأسبقين، الدكتور زاهي حواس والدكتور ممدوح الدماطي، ضد الدكتور وسيم السيسي، إلى وزارة السياحة والآثار والجهات العلمية المختصة لإبداء الرأي الفني.

 

وتطالب الشكوى بوقف الظهور الإعلامي للدكتور وسيم السيسي (أستاذ جراحة الكلى والمسالك البولية) بصفة "باحث أثري"، متهمة إياه بنشر "نظريات هامشية وعلم زائف" تشوه الحقائق التاريخية وتفتقر للأدلة المادية، مثل ترويج فرضية أن الأهرامات "محطات لتوليد الطاقة وليست مقابر"، والحديث عن وجود "وادي ملوك مفقود"، والاستشهاد ببرديات ترمز لوجود "كائنات فضائية".

 

في المقابل، أكد مقدمو الشكوى أن الأدلة الأثرية الميدانية، من توابيت ونقوش ومقابر العمال، تثبت قاطعاً الوظيفة الجنائزية للأهرامات، معتبرين أن تصدير هذه الادعاءات عبر وسائل الإعلام يمثل عبثاً بالحضارة المصرية القديمة، في انتظار ما سيسفر عنه التقرير الفني لوزارة الآثار لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.

ترهات وسيم السيسي على شاشة CTV النصرانية

 

في أحدث تجليات هذا المشهد، ظهر طبيب جراحات المسالك البولية، وسيم السيسي، على قناة "CTV" النصرانية عبر منصة يوتيوب، ليدلي بثلاثة تصريحات مضللة تخالف التأريخ الأثري المعتمد والقطعيات العلمية في علم المصريات، مروجاً لمزاعم غريبة حول الحضارة الفرعونية:

وضمن الادعاء بخلو الأهرامات من الكتابة الداخلية، فند المراقبون الزيف العلمي الفاضح الذي يتجاهل "نصوص الأهرام" الشهيرة (Pyramid Texts) المنقوشة على جدران الغرف الداخلية لغالبية أهرامات الأسرتين الخامسة والسادسة في سقارة (مثل هرم أوناس وتيتي).

وعن اعتبار التابوت الفارغ في هرم "سخم خت" دليلاً على أن الأهرامات لم تكن مقابر أشاروا إلى أنها الفرضية التقليدية التي يروّج لها هواة الخوارق والكائنات الفضائية، متجاهلين أن السرقة التاريخية للمقابر أو طقوس الدفن الرمزية لا تنفي الوظيفة الجنائزية للأهرامات المثبتة أثرياً بنصوص دينية ومقابر المحيطين بالملوك.

إضافة لتقديم فرضيات خيالية حول تقنيات بناء الهرم الأكبر، حيث تحرم المصريين القدماء من عبقرية الهندسة اليدوية وتنسبها لعلوم كونية غامضة.

ولذلك استدعت هذه الترهات المكررة تحركاً رسمياً من كبار علماء المصريات، حيث تقدم الدكتور زاهي حواس والدكتور ممدوح الدماطي بشكوى رسمية للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ضد وسيم السيسي، لظهوره المستمر بصفة "عالم وباحث في الآثار" وهو لا يملك أي مؤهل علمي في هذا التخصص. وبناءً عليه قررت لجنة الشكاوى إحالة الأمر لوزارة السياحة والآثار لمواجهة هذا الاختراق الإعلامي وفقاً للمادتين (19 و70) من القانون رقم 180 لسنة 2018، واللتين تحظران بث الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلل.

https://x.com/matsda2sh/status/2072743335333187753

"المتحدة" إلى تكنولوجيا "تليين الحجر"

لم تكتفِ قنوات "المتحدة للخدمات الإعلامية" باستضافة وسيم السيسي لسنوات، بل وسعت الدائرة لتقديم وجوه جديدة تتبنى الرؤى ذاتها. ففي برنامج "بيت مراد" الذي يقدمه الكاتب أحمد مراد على قناة "ON" التابعة للشبكة، تم استضافة المهندس أحمد عدلي (وهو يوتيوبر غير متخصص يبني أفكاره على كتب غربيين من هواة الخوارق)، ليطلق فرضية مضللة تزعم أن الفراعنة امتلكوا تكنولوجيا قادرة على "تليين الحجر" لصناعة الأواني الحجرية المعقدة.

 

ولم يقف التضليل عند الضيف، بل أيده مقدم البرنامج أحمد مراد بشكل فج قائلاً: "الناس دي (الفراعنة) عندها مكن، شغال بقى بكهرباء، شغال ببخار، شغال بعفريت، عندهم مكن عشان ينحتوا أواني بالجودة دي"، هذا الطرح يحول مهارة الحرفي المصري القديم الفائقة إلى أساطير تكنولوجية حديثة (كهرباء وبخار) تفتقر لأي دليل مادي أو كشفي داخل المقابر المصرية.

دحض الأكاذيب

تجمع المتاحف والجامعات العالمية المتخصصة على كذب فرضيات "تليين الحجر" والآلات الكهربائية، وتثبت أن سر الجودة يكمن في المهارة اليدوية والأدوات الصارمة الموثقة تاريخياً:

وعن متحف آثار مكتبة الإسكندرية، يصف آلاف الأواني الحجرية المكتشفة أسفل هرم زوسر (المصنوعة من الجرانيت والألباستر) بأنها "قطع تعكس مستوى عاليًا من الحرفية صُنعت باستخدام أدوات حادة ذات مقبض من حجر صلب مثل الصوان"، دون أي ذكر لتليين أو طاقة.

وعن جامعة كامبريدج (متحف فيتزويليام)، تؤكد ورقة تعليمية للمتحف أن العمال استخدموا أدوات من النحاس والحجر، ومثاقب مثقلة، ومواد كاشطة مثل رمل الكوارتز لتفريغ الأواني وصقلها يدوياً.

وأكدت دراسات عن متحف تورينو المصري ومتحف بنسلفانيا أن دراسات الأدوات والمنحوتات أن المناشير ومثاقب النحاس ظهرت منذ الدولة القديمة، وكانت تعتمد على معجون كاشط وطحن يدوي، وهو ما أثبته العالم "فلندرز بتري" عبر تجارب حية لحفر الجرانيت بأنبوب نحاسي ومواد كاشطة سائبة.

ويعرض متحف المتروبوليتان أدلة مادية ملموسة عُثر عليها في تل العمارنة، تشمل جسيمات "كورندوم" ممزوجة بمسحوق حجر جيري وبقايا أداة حفر برونزية.

ويعد أحدث الكشوف (فبراير 2026) حيث أعلنت جامعة نيوكاسل أن إعادة فحص قطعة نحاسية من حضارة البداري أثبتت أنها حُفرت بأقدم مثقاب معدني دوار معروف تاريخياً (المثقاب القوسي)، والذي يعمل يدوياً عبر خيط وقوس لتدوير العمود بسرعة، مما يقطع الشك باليقين حول يدوية وهندسية العقل المصري القديم بعيداً عن أوهام البخار والكهرباء.

ويعد انتقال الإعلام الرسمي والشبكات الاحتكارية التابعة للدولة من الدجل الطبي في قضية "جهاز الكفتة" إلى الدجل الأثري والتاريخي مع وسيم السيسي وأحمد عدلي، يعكس منهجية واضحة في تصدير التجهيل وتسطيح الوعي العام، بدلاً من أن تصبح المنصات القومية حائط صد لحماية الهوية والحضارة المصرية من محاولات السرقة والتزييف العالمية، تحولت – بدافع البحث عن "السبق" والتريند الرخيص – إلى راعٍ رسمي لأطروحات عنصرية تنزع عن المصريين أصالة إنجازاتهم، مما يشكل جريمة قومية مكتملة الأركان تستوجب تفعيل الجزاءات القانونية ضد قنوات "المتحدة" ووقف هذه المهازل فوراً.

متلازمة استعلائية بلبوس محلي

 

يرى الباحثون في علم الآثار الزائف (Pseudoarchaeology) أن الأفكار التي يروج لها عدلي والسيسي ليست جديدة، بل هي استنساخ لكتب غربية من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت بكتاب القس الإسكتلندي جون تايلور (1859) والفلكي تشارلز بيازي (1864) اللذين اعتبرا الهرم وحياً إلهياً ونبوءات توراتية، ثم تطورت مع إغناطيوس دونلي (1882) الذي نسب الأهرامات لحضارة "أطلانتس" المفقودة، وصولاً إلى السويسري إريك فون دانيكن (1968) في كتابه "عربات الآلهة" الذي زعم أن الكائنات الفضائية هي من بنت الأهرامات، والصحفي البريطاني جراهام هانكوك.

 

الخطورة هنا – كما يوضح البروفيسور توماس لاندفاتر من جامعة "Reed College" – أن هذه الفرضيات تنطلق من فكر استعماري وعنصري غربي، يقوم على نظرة استعلائية تصنف شعوب مصر وأمريكا الوسطى كحضارات "بدائية" عاجزة عن تحقيق إنجازات هندسية كبرى دون تدخل خارجي (فضائي، أوروبي، أو تكنولوجي سحري)، والغريب أن تتبنى قنوات "المتحدة" والإعلام المحلي هذه النظرة العنصرية التي تحقر من جهد وإبداع الأجداد، وتنسبه لـ"العفاريت والكهرباء".

https://x.com/SaheehMasr/status/2074479747388657699