تفاعلت تصريحات وروايات رموز نظام المخلوع حسني مبارك، ومنهم عمرو موسى، مع الذكرى الثالثة عشرة لأحداث 30 يونيو؛ حيث يمكن ربط تلك التحركات بجزء بسيط للغاية من دور إشرافي ووظيفي يلعبه وزير الخارجية الأسبق لصالح معسكر "الثورة المضادة".
تجلّى هذا الدور الوظيفي في زيارته يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 إلى مقر جامعة الدول العربية، ولقائه بصفته أميناً عاماً أسبق للجامعة مع زميله أحمد أبو الغيط، والأمين العام الحالي نبيل فهمي (وزير خارجية ما بعد يوليو 2013). ظهر موسى في هذا اللقاء مزهواً، فبدا في مشهد وظيفي راديكالي رغم تجاوزه سن التسعين عاماً، وكأنه أحد رعاة المناصب التي تحتكرها الثورة المضادة.
ويأتي هذا اللقاء امتداداً لتحركات سابقة ضمت موسى ونبيل فهمي والسفير محمد العرابي مع وزير خارجية إيران "عباس عراقجي" في أحد مقاهي ومطاعم منطقة الحسين بالقاهرة؛ ما يعكس استمراره في تقديم فروض الولاء والطاعة لمعسكره السياسي، محاولاً تلافي هذه الأمور الواضحة التي تغيب تماماً عن أسئلة الإعلام المحلي، الذي يركز بدوره على تصريحاته التي تُصوّر ثورة يناير كمؤامرة "إخوانية".
لذلك، لم يكن عجيباً أن ينسخ أمين عام الحزب الوطني المنحل، الدكتور حسام بدراوي، تصريحات عمرو موسى ويعيد تصديرها "بالمقاس"، بل وزاد عليها قائلاً:
"عمرو موسى يصلح لرئاسة الجمهورية ويُرفع له القبعة ".
أثار هذا الطرح تفاعلاً واسعاً ومتضاداً على منصات التواصل الاجتماعي تحت وسم (#استقالة_السيسي_مطلب_شعبي)، وفي المقابل، انتقد محللون هذا التوجه، مؤكدين أن عمرو موسى كان يملك هذا الخيار في عام 2012 كأحد نتاجات الثورة، والتي خسر فيها بشدة أمام الدكتور محمد مرسي؛ فكان من أصعب الأمور على عقله استيعاب تلك الخسارة، ليكون الانقلاب على الصناديق هو الخيار الأقرب لقلوب الحاقدين، أما الآن في عام 2026، فقد تجاوز الرجل التسعين من عمره، ولم يعد هناك أي منطق سياسي أو عملي أو عقلي لتقديمه كبديل.
يبدو أن الدكتور عصام العريان (رحمه الله) قد فهم هذا الدور الوظيفي لعمرو موسى مبكراً؛ حيث كان يوجه رسائل لمعسكر الثورة المضادة في أبوظبي والرياض منذ يناير 2011 وحتى قبيل اعتقاله في 2013، محذراً من لقاءات موسى مع المندوبين الدبلوماسيين لثورة المضادة.
تشويه ثورة يناير ونزع صفة المواطنة
رغم أن ما حدث في يناير كان ثورة شعبية خالصة شاركت فيها قوى وطنية متعددة، إلا أن موسى يعود مع كل ذكرى لـ 30 يونيو ليدعي أن مشكلة الإخوان تتلخص في "عدم القدرة على الحكم"، وهو ادعاء لا سند له إلا إعلام الثورة المضادة، زاعماً أن الجماعة "خطفت الثورة" ثم فشلت في إدارة لحظة تاريخية فارقة، وعجزت عن الحفاظ عليها نتيجة لصعوبة الحكم في مصر.
ويرى محللون أن تصريحات موسى، رغم اعترافها الظاهري بشعبية الثورة، تقع في مغالطة مكشوفة تحاول "تبييض صفحة نظام مبارك" عبر تحميل فصيل سياسي واحد مسؤولية الفشل اللاحق، ومحاولة نزع صفة "المواطنة" أو الحق في المشاركة السياسية عنهم كمواطنين مصريين انخرطوا كغيرهم في حراك يناير.
أبريل 2026: أزمة الهجوم الخليجي والمصري المضاد
في أبريل 2026، اندلعت موجة هجوم واسعة وضارية ضد عمرو موسى عقب تصريحاته وردوده على الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله (مستشار محمد بن زايد). وكانت الوظيفة التي كلفه بها النظام هي تبني ردود غير مباشرة بشأن دور دول الخليج في حماية الأمن القومي العربي، وسخريته من أن دورهم يقتصر على "شراء الأسلحة"، وجاءت تعليقات موسى رداً على ندوة "منطقة الخليج. القدرات والاحتمالات" في ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس المنعقد بتاريخ 11 نوفمبر 2019، والذي زعم فيه عبد الله أن القرن الـ21 هو قرن خليجي وأنهم مسؤولون عن أمن 16 دولة عربية.
وعلى خلفية ذلك، تتابعت موجات الهجوم الخليجي والمصري؛ حيث علق الإعلامي الإماراتي عبد الله النعيمي عبر منصة (X) رابطاً بين شخص موسى والعجز الهيكلي للمؤسسة التي قادها سابقاً قائلاً:
"كلما رأيت عمرو موسى، أتذكر على الفور جامعة الدول العربية، فهو حالة بشرية، شديدة الشبه بها… نفس العجز، والانفصال عن الواقع!"
وفي الداخل المصري، هاجمه إبراهيم عيسى (عضو مجلس أمناء مؤسسة تكوين) بشدة، واصفاً إياه بأنه "رجل كبير السن وابن دولة عبد الناصر وتراث الستينات"، معتبراً منهجه السياسي متجاوزاً للزمن. كما فتحت عليه الكاتبة فريدة الشوباشي النار واصفة إياه عبر منصة (X) بأنه "من أسوأ النماذج السياسية في تاريخ مصر".
وعلى الصعيد الخليجي، سخر كتاب كويتيون، منهم سعد العجمي، من تصريحاته الأخيرة، معتبرين أنه سقط سقطة دبلوماسية عندما أورد في ثنايا كلامه ما يُفهم منه أن "إيران دولة عربية"، مشيرين إلى انفصاله عن الواقع. واعتبر الدكتور مبارك الناهض تصريحات موسى مؤشراً على "توجه عربي خفي" وتواطؤ غير معلن لدعم إيران ضد الخليج.
واستشهد الكاتب السعودي فيصل بن ناصر بمذكرات وزير الخارجية الإيراني الراحل أمير عبد اللهيان، متهماً موسى بأنه كان بمثابة "ساعي البريد" بين مصر وإيران بعد وصول السيسي للحكم، وأنه حمل ثلاث رسائل لطهران تفيد بأن مصر لن تكون أداة ضدها، ولن تقف ضد بشار الأسد.
وشنّ الدبلوماسي القطري الدكتور عمر غانم هجوماً شخصياً حاداً، واصفاً إياه بـ "المتملق الرخيص والوضيع"، وسرد اتهامات شخصية تتعلق بسلوكه الدبلوماسي مثل الاستيلاء على السيجار وفواتير السفر، كما أعاد الكاتب السعودي عضوان الأحمري نشر تصريح قديم لموسى يحذر فيه من توسع "إسرائيل" لتضم أراضي من السعودية والأردن، واصفاً إياه بـ"التصريح الكارثي".
استدعاء العسكر لعمل توازن سياسي
في فبراير 2025، ظهر عمرو موسى بعد صمت طويل دام 15 شهراً عبر "بودكاست" مع الدكتورة رباب المهدي، ثم مع الإعلامي عمرو أديب. واعتبر المراقبون هذا الظهور بمثابة استدعاء من السلطة لعمل توازن سياسي، والتلويح بورقة الإسلاميين، وتوجيه انتقادات مبطنة لسياسات واشنطن وتل أبيب.
خلال اللقاء، أشاد موسى بالسعودية وأكد أن نتنياهو يقبل الأيادي للتطبيع بينما ترفض المملكة ذلك تماماً إلا بقيام دولة فلسطين. وأضاف أن هجوم 7 أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية لمركز الاهتمام العالمي، وأن الاحتلال كان على علم مسبق به وفشل عسكرياً في غزة، وعقب المحامي الحقوقي جمال عيد على هذا الظهور مؤكداً أن التوقيت غير مناسب، وأن المصداقية تكون وقت الصمت لا وقت الكلام الجماعي.
روايات تاريخية
يصنف مراقبون عمرو موسى ضمن طائفة من تزيف مذكراتهم الواقع؛ إذ تختلف رواياته المكتوبة عما يدلي به للإعلام. وفي مايو 2025، تناقضت رواياته التاريخية التي أدلى بها للصحفي غسان شربل في جريدة "الشرق الأوسط" مقارنة بما قاله سابقاً على الفضائيات وفي مذكراته "كِتَابِي".
ورصد متابعون تناقضاً صارخاً في روايته حول يوم اغتيال رفيق الحريري؛ ففي حواره مع قناة "العربية"، قال إنه سمع بالانفجار عبر قناة "الجزيرة" ثم الوفاة عبر "العربية"، وأنه اتصل بوزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي. بينما قال مع غسان شربل العكس تماماً (سمع الانفجار في العربية والوفاة في الجزيرة)، وأنه اتصل بالرئيس علي عبد الله صالح مباشرة.
وتناقضت الروايتان أيضاً حول مكان سماعه لتكذيب بشار الأسد لوعد الانسحاب عبر شبكة الـ BBC؛ فمرة قال إنه سمعه بعد عودته إلى القاهرة، ومرة قال إنه سمعه وهو في السيارة في الطريق بين دمشق وبيروت، مما جعل المراقبين يشككون في مصداقية تأريخه الدبلوماسي كاملاً.
صدام د.محمود الزهار وعمرو موسى
في شهادة تاريخية نقلها الدكتور إبراهيم الزعفراني عن الدكتور محمود الزهار (وزير خارجية فلسطين آنذاك) تعود لصيف عام 2006، وخلال اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة في ظل حصار غزة، وجّه عمرو موسى (أمين عام الجامعة العربية وقتها) حديثاً حاداً وفجاً للزهار، مطالباً حماس بـ"الواقعية" والقبول بالمبادرة العربية والاعتراف بإسرائيل، واصفاً المتمسكين بتحرير الأرض من النهر إلى البحر بأنهم "إما لا يفهمون السياسة أو مجانين".
وكان رد الزهار حاسماً وقوياً؛ حيث استشهد بالقرآن (سورة الإسراء) وتاريخ حركات التحرر الوطني (عمر مكرم، عمر المختار، ثورة المليون شهيد في الجزائر، والفيتناميين)، معبراً عن أن "المجانين" هم من يحررون الأوطان، ولولا تضحياتهم لما وجد موسى ولا الحضور كراسي جالسون عليها الآن.
وعقب انتهاء الجلسة، لحق موسى بالزهار معتذراً وخائفاً من إساءة الظن به، قائلاً له في الخفاء:
"أنا لم أقل هذا عن قناعة مني إطلاقاً، بل قلته لأن غالبية الحضور يتبنون هذا الرأي وأنت تعرف ذلك".
وهو ما كشف تناقضه الصارخ بين مواقفه المعلنة والسرية.
من الخارجية إلى خندق الثورة المضادة
شغل عمرو موسى منصب وزير الخارجية المصري بين عامي (1991 – 2001)، وتميزت نبرته بالدبلوماسية الحاسمة في ملفات الصراع العربي الإسرائيلي، ما بنى له رصيداً شعبياً تُوج في بداية الألفية بأغنية المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم "أنا بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى"، وهي الشعبية التي تردد أنها كانت سبباً في نقله صيف 2001 إلى جامعة الدول العربية التي قضى فيها 10 سنوات عاصفة شملت غزو العراق 2003 والعدوان على غزة وصولاً إلى الربيع العربي 2011 وسقوط نظام القذافي.
وبعد ثورة يناير، خاض انتخابات الرئاسة عام 2012 وشهدت تلك الفترة أول مناظرة تلفزيونية تاريخية بينه وبين الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. وفي تلك المرحلة، تميزت علاقته بجماعة الإخوان المسلمين والرئيس مرسي بالخصومة الشديدة؛ حيث قدم نفسه كمرشح للدولة المدنية ضد الإسلام السياسي، وعلى الرغم من انتخابه عضواً في الجمعية التأسيسية لدستور 2012، إلا أنه انسحب منها بعد 4 أشهر بزعم "فرض الرأي الواحد".
انتقل موسى سريعاً ليكون أحد الأقطاب الرئيسية لـ"جبهة الإنقاذ الوطني" عقب الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012. وخلال تلك الفترة، انتقده الفنان أحمد عيد مذكراً إياه بصمته عن القنابل الفسفورية في حرب غزة 2008 قائلاً: "كنت سيادتك أمين مكتبة؟".
وفي شهادة الراحل رفعت السعيد (رئيس حزب التجمع)، أكد أن موسى كان يرفض علناً في اجتماعات الجبهة شعار "إسقاط مرسي" بدعوى أنه رئيس منتخب، لكنه كان يتعمد التسلل والهروب من الاجتماعات ليظهر أول المتحدثين عبر الشاشات والفضائيات لإشعال المشهد قبل صدور أي قرارات رسمية، وهو ما اعتبر تحضيراً لـ"ساعة الصفر" والانقلاب العسكري.
عقب أحداث يوليو 2013، ترأس عمرو موسى لجنة الخمسين لصياغة دستور 2014، وقامت لجنته بإلغاء دستور 2012 وصياغة مادتين تضمنتا التأسيس للحكم الفردي، وكان وراء صياغة المادة 210 التي حددت الإشراف القضائي على الانتخابات بعشر سنوات فقط (انتهت في 17 يناير 2024)، ما أدى لتمرير انتخابات 2025 بلا إشراف قضائي كامل. ودعم موسى ترشح السيسي للرئاسة في أبريل 2014 مطلقاً عبارته الشهيرة: "الشعب سيصبر عليه".
وفي 18 يونيو 2019، وغداة وفاة الرئيس محمد مرسي في محبسه، كتب موسى تغريدة هجومية افتقرت تماماً لـ"شرف الخصومة" السياسي، جاء فيها:
"كان محمد مرسي رمزاً لحكم الإخوان المسلمين لمصر لعام كامل لم يستطع أن يؤدي فيه كرئيس لكل المصريين، سوف يحكم التاريخ على نتائج حكم الجماعة ورئيسها لهذا البلد الكبير، أعتقد أنه سيكون حكماً سلبيّاً.. رحمه الله وغفر له".
ويُوصف موسى في أدبيات الحركة الثورية بأنه أحد "كهنة الثورة المضادة"؛ حيث شاركه الناشط المقرب من السلطة محمد عبد العزيز في مسيرات 30 يونيو 2013، على الرغم من أن عبد العزيز نفسه كان قد هاجمه سابقاً في مقال عنيف بعنوان "مناضلو عمرو موسى"، واتهمه بنفاق نظام مبارك طيلة 10 سنوات، بل وأثبت بالوثائق التاريخية أن وثيقة صياغة وتصدير الغاز لإسرائيل بدأت بخطاب رسمي من مكتب عمرو موسى إلى وزير البترول بتاريخ 12 نوفمبر 1993.