تسعي حكومة الانقلاب للتخلص من أي التزام تجاه الفئات الضعيفة في المجتمع وربما وجدت ضالتها في التحول من الدعم العيني المعمول به منذ عام 1941 وطوال هذه الفترة حافظ علي الحد الأدنى من الأمان المعيشي لأكثر من نصف سكان مصر الي الدعم النقدي الذي يري خبراء الاقتصاد صعوبات تقنية في تنفيذه بصورة عادلة.
ويخشى اقتصاديون ومراقبون ومنتقدون من أن تتحوّل هذه الاجراءات إلى أكبر عملية استبعاد للمستفيدين منذ بدء نظام البطاقات التموينية، في ظل وضع اقتصادي هش وانعدام برامج حماية اجتماعية كافية وفي ظل تضخم يلتهم أي مخصصات مالية مهما كانت قيمتها.
وسط شكاوى ملايين المصريين من ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل دخولهم بفعل التضخم التي تسببت فيه السياسات الاقتصادية الفاشلة لحكومة الانقلاب، من تعويم الجنيه امام العملات الدولية، واغراق البلاد في دوامة الديون التي تستحوذ فوائدها على أكثر من 60% من النتاج القومي.
أكد رئيس حكومة الانقلاب قبل أيام ان حكومته تمضي قدماً نحو إعادة تشكيل منظومة الدعم الغذائي التي يعتمد عليها أكثر من نصف سكان البلاد، في خطوة يزعم أنها تستهدف القضاء على الهدر وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. ويشمل المشروع إعادة صياغة منظومة يعتمد عليها حالياً نحو 69 مليون مواطن للحصول على الخبز المدعم، إضافة إلى نحو 61 مليون مواطن يستفيدون من بطاقات التموين للحصول على السلع الأساسية.
ووفقاً لوثائق الموازنة الجديدة للعام المالي 2026/ 2027، خصصت الحكومة ما يقرب من 170 مليار جنيه لدعم الخبز والسلع التموينية، مقارنة بنحو 160 مليار جنيه في موازنة العام السابق، سبقها حذف ملايين المصريين من قوائم الدعم السلعي، بعد تشديد شروط منح الدعم للأسر والأفراد؛ ما يحيل نحو 10 ملايين مواطن إلى خارج دائرة الدعم، ممن ينطبق عليهم شرط واحد من الشروط الثمانية المحددة من قبل وزارة التموين، وهو الحصول على حد أدنى من الدخل يوازي 8 آلاف جنيه" 150 دولاراً" شهرياً.
وأكدت أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، يمن الحماقي، "أن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تراجع القيمة الحقيقية للدعم"، بما يثير تساؤلات حول قدرة أي نظام نقدي جديد على الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين. في المقابل، تقول الحكومة إن "النظام الحالي سمح، على مدار عقود مضت، بتسرب جزء من الدعم إلى غير المستحقين، كما يخلق تشوهات سعرية وسوقاً موازية للسلع المدعمة".
وقالت مصادر مطلعة على المشروع بوزارة التموين، أن المنظومة الجديدة سوف تعتمد على بطاقات إلكترونية تحمل أرصدة مالية أو نقاطاً شرائية يمكن استخدامها داخل شبكة موحدة من المنافذ التموينية والمخابز والسلاسل التجارية المتعاقدة مع الدولة، تمنح حامل البطاقة 220 جنيهاً شهرياً لشراء احتياجاته من الخبز والسلع الضرورية.
وتواجه خطة إلغاء الدعم معارضة واسعة داخل البرلمان وبين عدد من الخبراء الاقتصاديين الذين يحذرون من تنفيذها في ظل استمرار الضغوط التضخمية، وعلّق عشرات الأعضاء بمجلس النواب في طلبات إحاطة قدموها للمجلس، بربط نجاح التجربة بوجود آلية تلقائية لزيادة قيمة الدعم كلما ارتفعت الأسعار، محذرين من أن المبالغ النقدية قد تفقد قيمتها خلال أشهر قليلة إذا لم تكن مرتبطة بمعدلات التضخم، التي لن تقل عن 20% في العام المالي المقبل، التي تتجه إلى الصعود لمعدلات قياسية بلغتها عام 2023 عند 40% على أساس سنوي، حينما تعرض الجنيه المصري للانهيار أمام الدولار وارتفعت قيمة السلع الأساسية بالأسواق المحلية والدولية.
وقال عضو مجلس النواب السابق، محمد خليل قويطة، إن المشكلة الأساسية التي تتعلق بتحول الدعم من السلعي إلى النقدي لا تتعلق بشكل الدعم، وإنما بقدرة الدولة على تحديد المستحقين بدقة في اقتصاد يضم ملايين العاملين في القطاع غير الرسمي؛ حيث يصعب قياس الدخول الحقيقية لملايين الأسر، خاصة من العاملين في القطاع الخاص وغير الرسمي، مبيناً أن عدد العاملين بالحكومة نحو 5.5 ملايين موظف، والقطاع العام 650 ألفاً، والقطاع الخاص نحو 12 مليوناً، وفي الوقت الذي يستحق فيه أكثر من 70% من هذه الفئات الحصول على الدعم، يتبقى 11 مليوناً من أرباب المعاشات و20 مليوناً آخرين يعولون غيرهم، يستحقون الحصول على الخبز المدعم والسلع الأساسية التي تغنيهم من الجوع.
وأشار قويطة إلى أنه خلال السنوات الماضية نفذت الحكومة عدة موجات لتنقية البطاقات التموينية واستبعدت أسراً اعتبرتها غير مستحقة وفقاً لمعايير تتعلق بالدخل والملكية واستهلاك الخدمات، ولم تضع في حساباتها كيف تعيد الأسر التي أُحيل عائلها إلى التقاعد أو فقد القدرة على الكسب وتغير دخله إلى منظومة الدعم مرة أخرى، تشير تقديرات رسمية إلى خروج نحو 12 مليوناً من منظومة الخبز المدعم وأكثر من 13 مليوناً من منظومة الدعم خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث تُجرى تصفية قوائم المستفيدين للدعم كل ستة أشهر.
وعلّقت الخبيرة الاقتصادية، نادية المرشدي، على مطالبة حكومة الانقلاب المواطنين بتحمل الآثار المترتبة على مسار التحول الاقتصادي، بقولها "خرج علينا رئيس الوزراء مجدداً ليطالب الناس بالصبر، وكأن الزمن وحده يصنع المعجزات، وكأن المطلوب من شعب أنهكته الأسعار أن يبتلع المزيد من المعاناة لعقود أخرى بينما تتآكل قدرته على الحياة يوماً بعد يوم. لكن الحقيقة التي يحاول الخطاب الرسمي القفز فوقها هي أن الدول التي صبرت لنهضت مثل الصين، لم تبنِ نهضتها على القروض، ولم تحبس أموال شعبها داخل كتل خرسانية واستهلاك عقاري متضخم، ولم تحول الاقتصاد إلى ورشة إسمنت مفتوحة، بينما المصانع تتراجع والإنتاج يختنق والاستيراد يلتهم ما تبقى من قيمة العملة".
وأضافت المرشدي "بعد أكثر من عقد من "الإصلاحات"، ماذا حصد المواطن غير تضخم يلتهم الرواتب، وعملة تتراجع بلا توقف، وديون تتضخم بوتيرة مرعبة، وطبقة متوسطة تُسحق ببطء حتى كادت تختفي، ومواطن يعمل أكثر من أي وقت مضى ليشتري أقل من أي وقت مضى".
واستنكرت المرشدي دعوة رئيس حكومة الانقلاب للالتزام بالصبر والتحمل حتى تمضي حكومته في مسار اقتصادي يضمن تحولاً جذرياً في حياة المواطنين، بقولها: "أي إصلاح اقتصادي هذا الذي لا يشعر المواطن بثماره بعد سنوات طويلة؟ وأي نجاح هذا الذي لا يظهر إلا في المؤتمرات واللافتات والأرقام الرسمية بينما الأسواق تحكي قصة أخرى تماماً؟ لو كان هناك نجاح حقيقي، لشعر به الناس خلال أول عامين أو ثلاثة كما حدث في كل التجارب الناجحة؛ فالاقتصاد الحقيقي لا يحتاج إلى ماكينة دعاية كي يثبت نفسه، بل يراه المواطن في زيادة دخله، واستقرار الأسعار، وقوة العملة، وتحسن مستوى معيشته، مضيفة لكن ما جرى هو العكس تماماً".