1.4 مليون حالة عقر خلال عام واحد.. الكلاب الضالة تهدد المصريين فى الشوارع

- ‎فيتقارير

هجمات الكلاب الضالة  على المواطنين لم تعد مجرد وقائع فردية، بل تحولت إلى مشاهد متكررة تسقط ضحايا يومياً بين أطفال ومسنين وشباب، ففى محافظة بورسعيد، تعرض طفل لهجوم شرس من كلب ضال أمام منزله، بعدما انقض عليه بشكل مفاجئ، ما أسفر عن إصابته بجروح بالغة والتهم جزءاً من ذراعه، ليخضع بعدها لسلسلة من العمليات الجراحية وسط حالة من الصدمة والغضب بين الأهالى.

وفى واقعة مأساوية أخرى، لقى مسن مصرعه بعد تعرضه لهجوم من الكلاب الضالة أثناء عودته إلى منزله حاملاً كيساً فيه لحم، ما تسبب فى إصابته بعقرات متعددة أودت بحياته، وسط مطالبات من الأهالى بسرعة التدخل للسيطرة على الظاهرة.

كما أصيبت سيدة بعقر وجروح متفرقة بعدما هاجمتها مجموعة من الكلاب الضالة أثناء توجهها إلى عملها فى الصباح الباكر، ما تسبب فى حالة من الذعر بين سكان المنطقة.

يُشار إلى أن وزارة الصحة بحكومة الانقلاب كانت قد أكدت في بيان لها أن مصر سجلت نحو مليون و400 ألف حالة عقر خلال عام، بتكلفة علاج تجاوزت 1.7 مليار جنيه، لتوفير الأمصال واللقاحات.

 

خلل التوازن البيئى

من جانبه أكد الدكتور مصطفى الجعفرى، الأستاذ المساعد بكلية الطب البيطرى فى جامعة القاهرة، أن أزمة الكلاب الضالة فى مصر تفاقمت بشكل كبير بسبب إطعامها فى الشوارع والمناطق السكنية، مشيراً إلى أن هذا السلوك غيَّر طبيعتها الفطرية وجعلها أكثر جرأة وعدوانية تجاه المواطنين.

وقال «الجعفرى» فى تصريحات صحفية إن الكلاب بطبيعتها كانت تعيش قديماً على أطراف المدن والمناطق الصحراوية، وتتحرك ليلاً فقط للبحث عن بقايا الطعام ثم تعود لأماكنها، لكنها بعد اعتياد الطعام المقدم لها أسفل العقارات وفى الشوارع فقدت خوفها الطبيعى من الإنسان، وأصبحت تعتبر المكان الذى يقدم لها فيه الطعام منطقة نفوذ خاصة بها، وهو ما يفسر انتشارها بأعداد كبيرة داخل الأحياء السكنية وتكرار هجماتها على المارة.

وأضاف أن الإطعام العشوائى لا يقتصر ضرره على زيادة أعداد الكلاب فقط، بل يؤدى أيضاً إلى خلل واضح فى التوازن البيئى، موضحاً أن الحيوان الأنسب للعيش داخل المدن هو القطط، لأنها تلعب دوراً مهماً فى القضاء على الفئران والعرس والثعابين والعقارب، بينما تؤدى زيادة أعداد الكلاب إلى مهاجمة القطط وتقليل أعدادها بشكل ملحوظ، وهو ما يسمح بانتشار القوارض بصورة أكبر.

وحذر «الجعفرى» من خطورة هذه الظاهرة، خاصة مع المخاوف العالمية المرتبطة بفيروس «هانتا»، الذى ينتقل عن طريق الفئران وإفرازاتها، مؤكداً أن تراجع أعداد القطط مقابل انتشار الفئران قد يفتح الباب أمام مخاطر صحية وبيئية خطيرة إذا لم يتم التعامل مع الملف بشكل علمى وسريع.

 

بيزنس أسود

وأشار إلى أن العديد من الدول تجرم إطعام الكلاب والحيوانات الضالة فى الشوارع حفاظاً على التوازن البيئى والصحة العامة، لافتاً إلى أن دولاً مثل السعودية والإمارات والكويت، وأيضاً أوروبا وأمريكا، تفرض غرامات مالية على إطعام الحيوانات فى الطرق العامة، باعتبار أن ذلك يؤدى إلى توطينها داخل المدن وجذب الحشرات ونقل الأمراض.

وأكد «الجعفرى» أن تجمع الكلاب فى مجموعات يزيد من سلوكها العدوانى، مشيراً إلى أن بعض الكلاب أصبحت تهاجم المارة بشكل متكرر بعد فقدانها رهبة الإنسان.

وأعرب عن أسفه لوجود «بيزنس أسود» مرتبط بدماء الكلاب وبلازمتها، موضحاً أن هناك استخدامات طبية وبيطرية لبنوك دم الحيوانات، وأن بعض فصائل دم الكلاب النادرة تباع بأسعار مرتفعة تصل إلى مئات الدولارات للكيس الواحد، خاصة فى الأسواق الخارجية.

وأوضح «الجعفرى» أن الكلب البلدى المصرى يتمتع بخصائص مناعية تجعله مطلوباً فى بعض الاستخدامات البيطرية، مشيراً إلى أن بعض الجهات والجمعيات، تستفيد اقتصادياً من استمرار أزمة الكلاب الضالة، عبر أنشطة مرتبطة بجمع الدم والبلازما والتعامل مع بنوك دم خارجية، حيث تستخدم فى تصنيع أدوية ومنتجات بيطرية فى الخارج.

وطالب بوضع قوانين حاسمة تنظم التعامل مع الحيوانات الضالة، مع منع الإطعام العشوائى فى الشوارع، وتطبيق حلول علمية تحقق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على الصحة العامة والبيئة.

 

سلوك عدوانى

وقال الدكتور علاء عبدالعال، نقيب الأطباء البيطريين إن ملف الكلاب الضالة من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل، مشيراً إلى أن أى مسئول يتحدث فيه يتعرض للهجوم من طرفين؛ المتضررين من الكلاب من جهة، وبعض المتعاطفين وجمعيات الرفق بالحيوان من جهة أخرى.

وأوضح «عبدالعال» فى تصريحات صحفية أن إطعام الكلاب فى الشوارع يؤدى إلى «توطينها» داخل المناطق السكنية، حيث يعتبر الكلب المكان الذى يحصل فيه على الطعام موطناً دائماً له، فيبقى منتظراً من يطعمه بدلاً من البحث عن غذائه بطبيعته المعتادة .

ولفت إلى أن الكلاب تبدأ ربط أى شخص يحمل أكياساً بالطعام، ما يزيد من احتمالات الهجوم على المواطنين، خاصة مع اعتياد بعض الأشخاص على تقديم لحوم نيئة وهياكل فراخ، وهو ما يساهم فى زيادة شراسة الكلاب وسلوكها العدوانى.

وأضاف «عبدالعال» أن قانون حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب الضالة يتضمن مواد تنظم التعامل مع الظاهرة، منها المادة 11 الخاصة بمكافحة الكلاب الضالة، وتنص على التحصين والتعقيم وإنشاء «شلاتر» أو ملاجئ، إلى جانب السماح بالتخلص الرحيم من الكلاب الشرسة وفقاً للمعايير البيطرية العالمية، من خلال أدوية وحقن تؤدى إلى الوفاة دون ألم.

وكشف أن تنفيذ هذه المواد يواجه صعوبات كبيرة بسبب ارتفاع التكلفة ونقص الإمكانيات، موضحاً أن عمليات التعقيم وحدها تتراوح تكلفتها بين 300 و1000 جنيه للحيوان الواحد، وبذلك تحتاج حكومة الانقلاب إلى مليارات الجنيهات لتغطية الأعداد الحالية من الكلاب الضالة، فضلاً عن تكلفة إنشاء الشلاتر وتوفير الأطباء والأدوية.

 

مصالح اقتصادية

وأكد «عبدالعال» أن العديد من دول العالم، بينها الولايات المتحدة وأستراليا، تطبق نظام «التخلص الرحيم» للسيطرة على الحيوانات الضالة والخطرة، معتبراً أن الاعتماد على التطعيم والتعقيم فقط لن يكون كافياً مع الزيادة الكبيرة فى أعداد الكلاب بالشوارع.

وأعرب عن أسفه لوجود مصالح اقتصادية مرتبطة بالملف، مشيراً إلى أن بعض الجهات والجمعيات تجمع تبرعات من الداخل والخارج، إلى جانب وجود شركات تجمع عينات دم من الكلاب ذات الفصائل النادرة لاستخدامها أو تصديرها للخارج فى أغراض علاجية وبيطرية.

وحذر «عبدالعال» من خطورة استمرار الأزمة على الصحة العامة، لافتاً إلى أن الكلاب الضالة تحمل أمراضاً وطفيليات وفيروسات قد تنتقل للإنسان، فضلاً عن التلوث البيئى الناتج عن مخلفاتها، مؤكداً أن أعداد حالات العقر ارتفعت بصورة كبيرة وأصبحت تمثل عبئاً ضخماً بسبب ارتفاع تكلفة الامصال والعلاج.

وشدد «عبدالعال» على ضرورة تفعيل القانون بشكل كامل، وتنظيم عملية إطعام الحيوانات من خلال تصاريح وأماكن محددة ، مع إخضاع الجمعيات العاملة فى المجال للرقابة البيطرية والقانونية، حفاظاً على صحة المواطنين والتوازن البيئى.