في الوقت الذي تروج فيه الماكينة الإعلامية لما يُسمى بـ "الإجراءات الاستباقية المدروسة"، التي ركز عليها رئيس الإنقلاب السيسي يبدو أن مفهوم "الدراسة" هنا قد انحصر في فنون استنباط رسوم جديدة وتجديد دفاتر الاستدانة، حيث أكد السيسي أن هذه السياسات حظيت بإشادات دولية، بينما يرى المواطن البسيط أن أثر هذه الإشادات لم يتجاوز شاشات التلفزيون ليصطدم بواقع مرير قوامه الجباية والقروض.
الفلسفة الاقتصادية التي تعتمد على "تسكين الألم" بجرعات من الديون قصيرة الأجل والضرائب التصاعدية، باتت هي المحرك الوحيد لموازنة عام 2026، حيث يتم تدبير تدفقات مالية بقيمة 1.4 مليار دولار مخصصة لاستيراد السلع الأساسية، يبرز فيها الاعتماد الصارخ على القروض الخليجية التي بلغت نصف هذا المبلغ، مما يعكس استمرار الارتهان للدعم الإقليمي (الذي عاود على ما يبدو بأوامر أمريكية بعدما شهدت منصات التواصل معايرات وملاسنات) لتجاوز فجوة السيولة الدولارية وتأمين رغيف الخبز، في حين غابت الخطط الإنتاجية التي تحمي السيادة الغذائية من تقلبات "المال الساخن" وهزات السوق العالمي.
تأمين السلع الأساسية عبر التمويلات الخليجية
أعلنت المصادر الرسمية عن نجاح الحكومة في تدبير تدفقات مالية بقيمة 1.4 مليار دولار مخصصة بشكل عاجل لاستيراد السلع الغذائية الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والزيوت والسكر، لضمان استقرار الاحتياطي القومي وتجنب أي نقص في الأسواق. اللافت في هذا التحرك هو الاعتماد الكبير على الدعم الإقليمي، حيث كشفت التقارير أن نصف هذا المبلغ، أي ما يعادل 700 مليون دولار، تم الحصول عليه في شكل قروض وتسهيلات ائتمانية من بنوك ومؤسسات مالية خليجية، وهو ما يشير إلى استمرار الاعتماد على الشركاء الإقليميين لتجاوز فجوة العملة الصعبة وتأمين لقمة عيش المواطنين، في ظل ضغوط التضخم العالمي وتذبذب سلاسل الإمداد التي تفرض أعباءً إضافية على الموازنة العامة للدولة.
رسوم "التحسين" الزراعي
ويبدو أن الأراضي الزراعية لم تكن ببعيدة عن مقصلة هذه الإجراءات، إذ جاء قرار فرض رسوم "تحسين" بواقع 15 ألف جنيه عن كل فدان ليزيد من أوجاع الريف المصري الذي يعاني أصلاً من ارتفاع جنوني في أسعار الأسمدة والطاقة. وتبرر الحكومة هذه الخطوة بأنها ثمن للمشروعات القومية وتطوير الطرق، لكن حساب المجلس الثوري المصري @ERC_egy وصف هذا المشهد بأنه صراع بين "عصابة الجباية ومنع الإنتاج وعصابة عمولات الاستيراد".
مؤكداً أن هذه الرسوم ستمثل رصاصة الرحمة على هوامش ربح الفلاحين الضئيلة. إن هذا التوجه الذي يعصر المنتج الصغير لتمويل مشاريع الأسفلت والخرسانة، يهدد بدفع المزارعين للعزوف عن زراعة المحاصيل الاستراتيجية كالقمح، مما يعيد الدولة مرة أخرى إلى حلقة مفرغة من الاقتراض للاستيراد، وهو ما يجعل "الضربة الاستباقية" موجهة لصدر الفلاح بدلاً من أن تكون درعاً للاقتصاد.
جيب المواطن هو المورد الاستراتيجي الوحيد
أصبحت الأرقام تتحدث بلغة "الجباية" الصريحة، حيث كشف حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) عن استهداف الموازنة الجديدة لزيادات ضخمة في حصيلة الضرائب تصل إلى 51% من المرتبات و42% من رخص السيارات، مما يؤكد أن الحكومة استسهلت الحلول الأمنية والمالية لسد عجز الموازنة عبر ملاحقة دخول المواطنين المتهالكة.
ويضيف الحساب أسيرا سورات (@Aserasorat15) تفاصيل أكثر قتامة حول زيادة حصيلة ضريبة القيمة المضافة على المقاولات بنسبة 217% لتصل إلى 19 مليار جنيه، وهو ما يوضح أن الدولة قررت تعويض تراجع مواردها السيادية عبر فرض "إتاوات" قانونية على كل ما يتحرك أو يُبنى، مما يعزز حالة الركود التضخمي ويجعل من شعار "تحيا مصر" عبئاً ثقيلاً يدفعه المواطن من قوت يومه دون أن يلمس تحسناً حقيقياً في الخدمات الأساسية.
"على النوتة" والفوائد الفلكية
يتجلى التخبط الاقتصادي في اللجوء لاستدانة قصيرة الأجل بفوائد "انتحارية"، حيث اقتراض الحكومة لـ 45 مليار جنيه لمدة 3 أشهر فقط وبفائدة 25% لسد فجوة السيولة اللحظية، متسائلاً عن مصير تريليونات الجنيهات الناتجة عن بيع الأصول التي أعلن عنها البنك المركزي. ويعتبر مراقبون إن هذا النمط من الإدارة الذي يستدين لسداد ديون سابقة بفوائد أعلى، يضع الدولة في حالة انكشاف مالي دائم، وهو ما لخصته رانيا الخطيب (@ElkhateebRania) بالإشارة إلى موافقة البرلمان على قروض بمليارات اليوروهات بالتوازي مع زيادة الرسوم القنصلية بالخارج، مؤكدة أن القادم "ألعن" في ظل برلمان يشرعن الجباية.
الخبير اسحاق (@isaac30208171) أشار إلى أن هذه القروض ليست دليل ثقة كما تدعي وزارة التعاون الدولي، بل هي دليل عجز تام عن خلق موارد من الصناعة والتصدير، مما يترك الاقتصاد رهينة لـ "المال الساخن" الذي هرب مع أول بادرة خطر.
اقتصاد "الخدمات الموقوفة" والعملة الهاربة
تكتمل الصورة القاتمة برصد انهيار مصادر العملة الصعبة التقليدية، حيث لخص حساب (عازف الليل) (@voyage011291) الوضع بعبارة "Out of Service" لكل من السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج وخروج الأموال الساخنة. إن هذا الانهيار الجماعي للموارد الأساسية يكشف زيف "الإجراءات الاستباقية" التي لم تنجح في تأمين بدائل حقيقية، بل تركت الاقتصاد مكشوفاً تماماً أمام تقلبات الجيوسياسة. إن الاعتماد الكلي على جباية الضرائب وقروض الأشقاء لن يبني اقتصاداً مستداماً، بل سيؤدي في النهاية إلى تآكل الطبقة الوسطى وانحسار الإنتاج، ليجد المواطن نفسه في مواجهة دولة تطلب منه كل شيء ولا تقدم له سوى "بيانات الثقة" وإشادات المؤسسات الدولية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
https://x.com/voyage011291/status/2030732909812888064