عدالة للبيع .. الحكومة تمنح الأغنياء وأصحاب النفوذ فرصة للإفلات من أحكام الإعدام

- ‎فيتقارير

 

 

أثارت المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذى أصدرته حكومة الانقلاب انتقادات خبراء القانون حيث تسمح هذه المادة بتخفيف أحكام الإعدام فى قضايا القتل العمد مستندة إلى التصالح وتقديم أوراق رسمية توثق عفو ورثة المجني عليه.

وحذر الخبراء من استغلال الأغنياء وأصحاب النفوذ هذه المادة للإفلات من أحكام الإعدام مقابل دفع مبالغ من المال لأسر المجنى عليهم.

وقالوا إن هذا التحفيف قد يفتح الباب أمام تأثيرات غير قانونية على قرار الصلح، سواء كانت مادية أو اجتماعية، فى ظل غياب ضمانات للتأكد من أن إرادة أولياء الدم جاءت حرة بالكامل.

وأشار الخبراء إلى أن النص قد يخلق انطباعًا لدى المواطنين بأن العدالة يمكن شراؤها، موضحين أن ميسور الحال على عكس الفقراء قد يتمكن من دفع مبالغ كبيرة لإتمام الصلح، وهو ما يهدد مبدأ المساواة أمام القانون.

كانت محكمة النقض قد أصدرت حكمًا بتخفيف عقوبة الإعدام بحق شقيقين في قضية قتل عمد بالجيزة، إلى السجن المؤبد والمشدد، كأول تطبيق لمبادئ قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، رغم أن تاريخ العمل به رسميًا في أكتوبر المقبل.

يُشار إلى أن المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد تنص على أنه : مع عدم الإخلال باختصاصات رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها، يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أي حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات في الجرائم المنصوص عليها في المواد 230، 233، 234 (الفقرتين الأولى والثانية)، 235، 236 (الفقرة الأولى) من قانون العقوبات، ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة 17 من قانون العقوبات.

 

موقف الورثة 

 

تعليقًا على هذا الحكم قالت المحامية الدكتورة إلهام المهدى، إن القانون رقم 174 لسنة 2025 استحدث نظامًا يسمح بالتصالح فى عدد من جرائم الدم، تشمل القتل العمد بكافة صوره، سواء مع سبق الإصرار أو الترصد أو باستخدام السم، بالإضافة إلى القتل المقترن بجناية أخرى مثل السرقة، وكذلك جرائم الضرب المفضي إلى الموت، وحالات الاشتراك فى القتل التى قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وأضافت «إلهام المهدى» فى تصريحات صحفية أن التصالح يحق لورثة المجنى عليه أو من ينوب عنهم قانونًا، ويمكن إبرامه فى أى مرحلة من مراحل الدعوى، حتى بعد صدور الحكم، بشرط إثباته رسميًا أمام المحكمة.

وأكدت أن القانون يُلزم المحكمة بتخفيف العقوبة درجة أو درجتين وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات، وهو ما قد يؤدي إلى النزول بالعقوبة من الإعدام إلى السجن المؤبد أو المشدد، أو من المؤبد إلى السجن، بل وقد تصل فى بعض الحالات إلى الحبس.

وكشفت  «إلهام المهدى» أن أخطر ما فى النص هو تحويل تخفيف العقوبة من سلطة تقديرية للقاضي إلى التزام قانوني بمجرد تحقق الصلح، ما يعنى أن مصير الجاني لم يعد بيد المحكمة وحدها، بل أصبح مرتبطًا بموقف ورثة المجنى عليه.

 

شراء العدالة 

وحذرت من أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام تأثيرات غير قانونية على قرار الصلح، سواء كانت مادية أو اجتماعية، فى ظل غياب ضمانات كافية للتأكد من أن إرادة أولياء الدم جاءت حرة بالكامل.

وأشارت «إلهام المهدى» إلى أن النص قد يخلق انطباعًا خطيرًا لدى المواطنين بأن العدالة يمكن شراؤها، خاصة مع تفاوت القدرات المالية بين المتهمين، ففى حين قد يتمكن متهم ميسور الحال من دفع مبالغ كبيرة لإتمام الصلح، قد يظل آخر غير قادر على ذلك، وهو ما يهدد مبدأ المساواة أمام القانون.

وتابعت : هذا الوضع قد يدفع بعض الأسر، تحت ضغط الحاجة أو الإغراء المالى، إلى التنازل عن حق القصاص، رغم عدم اقتناعها بالصلح، وهو ما قد يخلق شعورًا بالظلم ويدفع إلى الانتقام خارج إطار القانون.

وأوضحت «إلهام المهدى» أن التطبيق غير المنضبط للمادة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد يلجأ بعض أهالي الضحايا إلى أخذ حقهم بأيديهم، إذا شعروا أن الجانى أفلت من العقوبة الرادعة، مشيرة إلى أن غياب الردع الكافى قد يشجع على تكرار الجرائم، خاصة إذا أصبح الصلح جزءًا من حسابات الجريمة لدى بعض الجناة.

 

قانون الطفل

وأشارت إلى أن من أخطر التداعيات المحتملة هو استغلال الأطفال فى ارتكاب الجرائم، مستفيدين من الحماية القانونية التى يوفرها قانون الطفل، ما قد يؤدى إلى تخفيف العقوبات بشكل كبير.

كما حذرت «إلهام المهدى» من إمكانية التلاعب بحقوق الورثة القُصّر، أو ممارسة ضغوط على أسر الضحايا، سواء من خلال التهديد أو النفوذ الاجتماعى، لإجبارهم على قبول الصلح، فى ظل غياب آليات تَحقق فعالة من سلامة الإرادة.

وطالبت بضرورة إعادة النظر فى المادة 22، من خلال: قصر التصالح على الحالات غير المقترنة بسبق الإصرار والترصد، ووضع حد أدنى للعقوبة لا يمكن النزول عنه، مع جعل تطبيق أثر الصلح جوازيًا للقاضى، وإخضاع إجراءات الصلح لرقابة النيابة العامة.

 

علامات استفهام

وقالت المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة الدكتورة صابرين أحمد مصطفى إن القانون لا يلغى عقوبة الاعدام تمامًا، بل يستبدلها بالسجن المؤبد أو المشدد، مانحًا القاضى سلطة تقديرية للرأفة وفقًا للمادة 17.

ووجهت صابرين مصطفى، في تصريحات صحفية انتقادات حادة للصياغة التشريعية، معتبرة أن وضع المادة (22) ضمن قانون الإجراءات الجنائية بدلًا من قانون العقوبات هو وضع للشيء فى غير موضعه، ويفتح بابًا لعلامات الاستفهام القانونية والدستورية.

وأكدت أن هناك مخاوف مشروعة من شخصنة الحق، وأن يستفيد أصحاب المال فقط من هذا النص، بينما يظل الفقير تحت مقصلة الإعدام لعدم قدرته على الترضية المالية، موضحة ان القانون أغفل حالات الشروع فى القتل، مما يجعله تشريعًا مليئًا بالثغرات التى قد توجب الطعن عليه مستقبلًا.

وتوقعت أن يواجه هذا القانون موجة من الطعون من المتضررين فعليًا، خاصة فى ظل الجدل حول ما إذا كان السجن كافيًا لتحقيق الردع، أم أن إتاحة مفر للمتهمين من الإعدام سيشجع على العنف، مؤكدة أن العدالة يجب ألا تُباع بالمال، والتشريع يحتاج لمراجعة دقيقة لضمان عدم استغلاله.