كشفت عملية الخليل مأزق الاحتلال الأمني.. وتحذيرات إسرائيلية من أن هدم المنازل وتهجير الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات وإضعاف السلطة الفلسطينية لن تمنع تكرار الهجمات المسلحة
في الوقت الذي تنشغل فيه الأوساط السياسية الإسرائيلية بالانتخابات وتداعياتها، أعادت عملية إطلاق النار الأخيرة في مدينة الخليل، التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، الجدل حول جدوى السياسات الأمنية التي تتبعها حكومة بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية المحتلة، ومدى قدرتها على تحقيق الأمن عبر الاقتحامات العسكرية وهدم المنازل وتهجير السكان والتوسع الاستيطاني.
ورغم الرد الإسرائيلي الذي شمل إجراءات عسكرية مشددة وتهديدات بتوسيع العمليات داخل الأحياء الفلسطينية، فإن أصواتًا بحثية إسرائيلية بدأت تحذر من أن هذه السياسة لا تعالج الأسباب الحقيقية للتصعيد، بل قد تسهم في توفير الظروف التي تؤدي إلى تجدد العمليات المسلحة.
وفي هذا السياق، قدم الباحث الإسرائيلي في السياسات والجغرافيا السياسية، عيران تسيديكياهو، قراءة نقدية للسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، معتبرًا أن حكومة الاحتلال تعمل، تحت شعار تحقيق الأمن، على إضعاف إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في منع الهجمات، وهي وجود سلطة فلسطينية فاعلة تتمتع بالقدرة والشرعية.
وتكشف هذه القراءة عن تناقض جوهري في السياسة الإسرائيلية، إذ تؤدي الإجراءات العسكرية والاستيطانية إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية وزيادة الاحتقان الشعبي، ثم تستخدم حكومة الاحتلال الهجمات الناتجة عن هذا المناخ مبررًا لتشديد إجراءاتها وتوسيع سيطرتها على الأراضي الفلسطينية.
عملية الخليل تعيد أزمة الأمن الإسرائيلي إلى الواجهة
بحسب التفاصيل التي أوردها تسيديكياهو في مقال نشره موقع «زمان إسرائيل»، وقعت عملية إطلاق النار عند نقطة تفتيش في منطقة فرش الهوى، بالقرب من المدخل الشمالي الغربي لمدينة الخليل والطريق السريع رقم 35.
وأسفرت العملية عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، فيما قُتل منفذا الهجوم.
وأشار الباحث إلى أن تقديرات الجيش الإسرائيلي رجحت أن المنفذين كانا يعتزمان مواصلة الهجوم باتجاه مستوطنين في المنطقة.
غير أن تسيديكياهو اعتبر أن التعامل مع العملية باعتبارها حادثًا أمنيًا منفصلًا لا يقدم تفسيرًا كافيًا لأسباب وقوعها، مؤكدًا ضرورة النظر إلى الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية.
وأوضح أن هذه الظروف تشمل التوسع المتواصل للمستوطنات، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، وتدهور مصادر رزقهم، وتهجير التجمعات السكانية، فضلًا عن التراجع المستمر في قدرة مؤسسات السلطة الفلسطينية على أداء وظائفها.
وبحسب هذا التحليل، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية قد تنجح في فرض السيطرة على منطقة معينة بصورة مؤقتة، لكنها لا تعالج البيئة التي تسمح بظهور مجموعات مسلحة جديدة.
1600 اعتداء استيطاني وآلاف المهجرين خلال 2026
استند الباحث الإسرائيلي إلى بيانات نسبها إلى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، لإبراز حجم الضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية.
ووفق الأرقام التي أوردها عن تقرير أممي صدر في سبتمبر 2026، سُجل أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين أسفر عن سقوط ضحايا فلسطينيين أو إلحاق أضرار بممتلكاتهم، وذلك في أكثر من 275 تجمعًا سكانيًا منذ بداية العام.
كما أشار إلى نزوح أكثر من 2600 فلسطيني في سياق اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والممتلكات، إلى جانب تهجير أكثر من 1500 فلسطيني آخرين نتيجة عمليات هدم المباني بحجة عدم الحصول على تراخيص بناء.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب التحليل، واقعًا يتجاوز المواجهات المسلحة المباشرة، ليشمل ضغوطًا يومية تمس حياة الفلسطينيين ومساكنهم وأراضيهم وقدرتهم على العمل والتنقل.
فالتوسع الاستيطاني لا يقتصر على إقامة وحدات سكنية جديدة للمستوطنين، وإنما يرتبط أيضًا بتغيير طبيعة السيطرة على الأرض، وتقييد حركة السكان الفلسطينيين، وتهديد استقرار التجمعات السكانية.
وفي ظل هذه الأوضاع، تتزايد احتمالات الاحتكاك والمواجهة، بينما تتراجع قدرة المؤسسات الفلسطينية على احتواء الغضب الشعبي أو معالجة تداعياته.
دراسة ترصد تصاعد العنف السياسي في الضفة الغربية
لم يكتفِ تسيديكياهو بالإشارة إلى الظروف المعيشية للفلسطينيين، بل استند إلى دراسة صادرة عن منظمة بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة «ACLED»، أظهرت زيادة بنحو 50% في العنف السياسي بالضفة الغربية خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2022 إلى سبتمبر 2023.
وربط الباحث بين تصاعد العنف وبين مجموعة من العوامل، أبرزها ضعف السلطة الفلسطينية، واعتداءات المستوطنين، والإجراءات الإسرائيلية القسرية.
وبحسب تحليله، فإن العلاقة بين هذه العوامل ونشاط المجموعات المسلحة لا ينبغي تجاهلها عند تقييم أسباب الهجمات ضد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.
ومع ذلك، أوضح أن هذه الظروف لا تقدم تفسيرًا حصريًا لكل عملية مسلحة، لكنها تشكل إطارًا مهمًا لفهم اتجاهات التصعيد.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن قدرة إسرائيل على تحقيق الاستقرار الأمني عبر الإجراءات العسكرية وحدها، في وقت تتواصل فيه السياسات التي تزيد التوتر وتضعف فرص التهدئة.
إضعاف السلطة الفلسطينية.. سياسة ترتد على الاحتلال
تتمثل إحدى أبرز النقاط التي طرحها الباحث الإسرائيلي في أن حكومة نتنياهو تسهم في إضعاف السلطة الفلسطينية، رغم أن وجود مؤسسات فلسطينية قادرة على العمل يمثل، من منظور أمني إسرائيلي، عاملًا مهمًا في الحد من نشاط التنظيمات المسلحة.
وأوضح تسيديكياهو أن السلطة الفلسطينية عندما تعجز عن حماية السكان أو توفير الخدمات الأساسية أو ممارسة صلاحياتها بصورة فعالة، فإنها تفقد جانبًا من شرعيتها لدى المواطنين.
وفي هذه الحالة، تصبح البيئة أكثر ملاءمة لظهور مجموعات مسلحة تسعى إلى ملء الفراغ الناتج عن تراجع دور المؤسسات الرسمية.
وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بقدرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على تنفيذ عمليات اعتقال أو منع هجمات، وإنما ترتبط أيضًا بوجود مؤسسات تعمل بصورة طبيعية، وموظفين يتقاضون رواتبهم، ومجتمع يرى أن السلطة قادرة على تمثيل مصالحه.
ومن هنا، وصف الباحث السياسة الإسرائيلية بأنها تدخل في حلقة مفرغة؛ إذ يؤدي إضعاف السلطة الفلسطينية إلى تقليص قدرتها على ضبط الأوضاع الأمنية، ثم تستخدم إسرائيل تزايد الهجمات مبررًا لممارسة مزيد من الضغوط عليها.
وبذلك تتحول السياسة التي ترفع شعار منع الهجمات إلى أحد العوامل التي قد تسهم في استمرارها.
مؤسسات أمنية إسرائيلية تحذر من تقويض السلطة
المفارقة أن التحذير من إضعاف السلطة الفلسطينية لا يقتصر على باحثين مستقلين، وإنما يستند أيضًا إلى تقديرات وردت في وثائق وتقارير أمنية.
فقد أشار تسيديكياهو إلى تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2023، تناول دور التعاون الأمني بين الأجهزة الفلسطينية والإسرائيلية في الحد من قدرة حركة حماس وتنظيمات فلسطينية أخرى على تنفيذ هجمات، بما في ذلك من خلال اعتقال عناصر تابعة لها.
كما استشهد بوثيقة تتعلق بالمفهوم الأمني الإسرائيلي للفترة 2025-2026، صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي، اعتبرت أن استمرار وجود سلطة فلسطينية يمثل مصلحة أمنية إسرائيلية، وأوصت بالحفاظ على التنسيق مع أجهزتها.
وتكشف هذه التقديرات عن تباين بين بعض التوصيات البحثية والأمنية الإسرائيلية وبين الممارسات السياسية والميدانية لحكومة نتنياهو.
فبينما تدعو تلك التوصيات إلى الحفاظ على المؤسسات الفلسطينية باعتبارها عنصرًا يساعد على الاستقرار، تتواصل الإجراءات التي تؤدي إلى إضعافها سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا.
ومن المنظور الفلسطيني، يظل التنسيق الأمني نفسه موضع خلاف وانتقاد، خاصة في ظل استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني، وهو ما يجعل الحديث عن تعزيز السلطة الفلسطينية مرتبطًا أيضًا بقدرتها على استعادة ثقة المواطنين وتحقيق مطالبهم الوطنية.
نتنياهو وكاتس يردان بالتهجير وتوسيع العمليات
في مقابل هذه التحذيرات، اتجهت التصريحات الصادرة عن القيادة الإسرائيلية عقب عملية الخليل نحو مزيد من التصعيد العسكري.
فبحسب ما نقله الباحث، تحدث وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن إجلاء نحو ألفي فلسطيني من منازلهم، وربط السماح بعودتهم باستكمال العمليات ضد حركة حماس في المدينة، دون تحديد موعد واضح لإنهاء هذه الإجراءات.
كما أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو توجهًا لنقل نمط العمليات العسكرية التي نفذها الجيش الإسرائيلي في مخيمات شمال الضفة الغربية إلى أحياء مدينة الخليل، مع احتمال توسيعها لاحقًا لتشمل مدنًا فلسطينية أخرى.
وتثير هذه التوجهات مخاوف من تكرار سيناريوهات التهجير الواسع وتدمير البنية التحتية التي شهدتها مناطق في شمال الضفة الغربية.
كما تطرح تساؤلات بشأن النتائج الأمنية المتوقعة من نقل العمليات العسكرية بين المدن والمخيمات، إذا كانت العوامل التي تغذي التصعيد لا تزال قائمة.
فالانتقال من منطقة إلى أخرى قد يوسع نطاق المواجهة، دون أن يضمن إنهاء التهديدات المسلحة أو منع ظهور مجموعات جديدة.
التوسع الاستيطاني يقوض فرص الاستقرار
تكتسب تحذيرات الباحث الإسرائيلي أهمية إضافية في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وما يصاحبه من اعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
فكلما توسعت المستوطنات وازدادت القيود على حركة السكان، تراجعت المساحات المتاحة للحياة الاقتصادية والاجتماعية الطبيعية في الضفة الغربية.
وتؤدي هذه التطورات إلى إضعاف فرص التوصل إلى تسوية سياسية، كما تعزز الشعور الفلسطيني بأن الاحتلال يواصل فرض وقائع جديدة على الأرض دون أفق واضح لإنهائه.
وفي الوقت نفسه، تستخدم الحكومة الإسرائيلية الاعتبارات الأمنية لتبرير إجراءات تشمل الإغلاق والاقتحامات والهدم والتهجير، رغم التحذيرات من أن هذه الإجراءات قد تزيد احتمالات التصعيد على المدى الطويل.
وهنا تبرز المفارقة التي يقوم عليها تحليل تسيديكياهو: فالحكومة التي تقول "إنها تسعى إلى منع الهجمات تتبنى سياسات قد تؤدي إلى زيادة العوامل المرتبطة بوقوعها".
مأزق الاحتلال.. القوة العسكرية لا تصنع حلًا سياسيًا
تكشف القراءة الإسرائيلية لعملية الخليل عن أزمة أعمق من مجرد إخفاق أمني في منع هجوم مسلح.
فبعد سنوات من الاقتحامات والاعتقالات والتوسع الاستيطاني، لا تزال الضفة الغربية تشهد مواجهات متكررة، بما يطرح تساؤلات حول حدود الاعتماد على القوة العسكرية في إدارة الصراع.
ولا يعني ذلك أن الظروف السياسية والاجتماعية تفسر كل هجوم أو تحدد بالضرورة توقيته وطبيعته، لكنها تؤكد أن تجاهل هذه الظروف يجعل أي معالجة أمنية محدودة النتائج.
كما أن إضعاف السلطة الفلسطينية، دون توفير مسار سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية، لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار الأوضاع، بل قد يوسع الفراغ السياسي والأمني ويزيد صعوبة احتواء التوترات.
ويضع هذا الواقع حكومة نتنياهو أمام تناقض واضح بين خطابها الأمني وممارساتها على الأرض؛ فهي تطالب بمنع الهجمات، بينما تستمر في تبني سياسات يحذر باحثون إسرائيليون من أنها تقوض بعض مقومات الاستقرار.
اعتراف من الداخل بفشل سياسة العقاب الجماعي
الأكثر دلالة في مقال تسيديكياهو أنه لا يصدر عن جهة فلسطينية أو منظمة مناهضة للاحتلال، وإنما يقدم نقدًا من داخل النقاش الإسرائيلي نفسه، انطلاقًا من تقييم لنتائج السياسات الأمنية.
ويشير ذلك إلى أن الاعتراض على الإجراءات الإسرائيلية لا يرتبط فقط بتداعياتها الإنسانية والقانونية على الفلسطينيين، بل يمتد إلى التساؤل عن قدرتها الفعلية على تحقيق الأهداف الأمنية التي تعلنها الحكومة.
فإخلاء الأحياء وهدم المباني وتشديد القيود وتوسيع المستوطنات قد يفرض واقعًا عسكريًا جديدًا، لكنه لا يقدم ضمانة لعدم تكرار العمليات المسلحة.
بل إن استمرار هذه الإجراءات، بالتوازي مع تراجع المؤسسات الفلسطينية وانسداد الأفق السياسي، قد يجعل المواجهات أكثر تعقيدًا.
وفي المحصلة، تعيد عملية الخليل طرح السؤال الذي تتجنب حكومة نتنياهو مواجهته: هل يمكن للاحتلال أن يحقق أمنًا مستدامًا عبر توسيع السيطرة العسكرية والاستيطانية، بينما تتواصل السياسات التي تسلب الفلسطينيين الاستقرار والحقوق والأفق السياسي؟
إن التحذيرات التي يطلقها باحثون إسرائيليون تكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في قدرة الجيش على إحباط عملية هنا أو اعتقال منفذي هجوم هناك، وإنما في سياسة تجعل الحل العسكري بديلًا دائمًا عن معالجة جذور الصراع.
وبينما تراهن الحكومة الإسرائيلية على مزيد من القوة والردع، تشير هذه التحليلات إلى أن استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني وإضعاف المؤسسات الفلسطينية قد يبقي الضفة الغربية في دائرة متجددة من التوتر والعنف، مهما اتسع نطاق العمليات العسكرية.