اختطاف مسؤول جهاز الأمن  الداخلي “مُعين العرابيد” من قلب غزة.. لماذا أرادته إسرائيل حيًا؟

- ‎فيعربي ودولي

لا تزال عملية اختطاف معين العرابيد، المسؤول في جهاز «الأمن الداخلي» التابع لحركة حماس في قطاع غزة، تثير صدى واسعًا في الأوساط الفلسطينية والإسرائيلية، وسط تساؤلات حول الهدف الحقيقي من العملية التي نُفذت في عمق مدينة غزة، وما تحمله من دلالات بشأن طبيعة المواجهة الأمنية والعسكرية في القطاع.

وتكتسب العملية أهمية خاصة بالنظر إلى الطريقة التي جرى بها تنفيذها، إذ تشير الرواية الإسرائيلية إلى أن إسرائيل كانت تخطط في البداية لاغتيال العرابيد من الجو، قبل أن تغير خطتها وتقرر اعتقاله حيًا ونقله إلى إسرائيل للتحقيق معه.

ويطرح ذلك سؤالًا أساسيًا حول قيمة المعلومات التي كانت إسرائيل تسعى للحصول عليها من الرجل، وما إذا كان اعتقال شخصية أمنية فلسطينية في ظل الظروف الحالية يمكن أن يوفر لها اختراقًا استخباريًا يتجاوز قيمة عملية اغتيال تقليدية.

من الاغتيال إلى الاختطاف

قالت هيئة البث الإسرائيلية: "إن إسرائيل خططت في البداية لاغتيال العرابيد من الجو، لكنها عدلت عن الخطة خلال الأسابيع الأخيرة، وقررت تنفيذ عملية خاصة لاعتقاله واستجوابه، بمشاركة جهاز «الشاباك» والقيادة الجنوبية."

وبحسب الهيئة، جرى التخطيط للعملية منذ أشهر، بإشراف مقر العمليات الخاصة التابع للشاباك، وبمشاركة عناصر من الجهاز، إلى جانب ميليشيات قالت إنها تعمل بالتعاون مع إسرائيل.

وفي المقابل، قالت وزارة الداخلية في غزة: "إن العملية بدأت بغارات إسرائيلية مكثفة على منطقة الكتيبة، قبل أن تتسلل قوة خاصة باستخدام مركبات مدنية."

وبحسب الرواية الفلسطينية، اشتبك العرابيد مع القوة المتسللة قبل إصابته واختطافه، فيما قُتلت زوجته وأصيب عدد من أبنائه خلال الهجوم.

وتتفق الروايتان الفلسطينية والإسرائيلية على أن العملية انتهت بإصابة العرابيد ونقله إلى إسرائيل، لكنهما تختلفان في تفاصيل التنفيذ والجهات التي شاركت فيه.

وقال جيش الاحتلال و"الشاباك" في بيان رسمي "إن قوات خاصة تابعة للشاباك داهمت مبنى في مدينة غزة واعتقلت العرابيد، من دون الإشارة إلى مشاركة ميليشيات متعاونة، بينما أكدت وزارة الداخلية في غزة أن منفذي العملية قوة خاصة إسرائيلية".

لماذا أرادته إسرائيل حيًا؟

يرى المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل أن طبيعة الدور الذي كان يؤديه العرابيد قد تفسر قرار إسرائيل عدم اغتياله والاكتفاء باعتقاله.

وبحسب هارئيل، كان العرابيد يرأس مجموعة أمنية متخصصة في تحديد العملاء العاملين لصالح إسرائيل، مشيرًا إلى أن حماس تدير عددًا من المجموعات المعنية بالأمن الداخلي.

وأوضح أن إحدى هذه المجموعات تركز على جمع المعلومات المتعلقة بالجيش الإسرائيلي و"الشاباك"، بينما تتخصص المجموعة التي كان يرأسها العرابيد في تحديد العملاء والجواسيس الذين يعملون لصالح إسرائيل.

وقال هارئيل: "إن اعتقال العرابيد يمثل فرصة كبيرة لإسرائيل، لأن استجوابه يمكن أن يكشف ما تعرفه حماس عن الشبكة التي تديرها إسرائيل داخل قطاع غزة".

ومن هذا المنظور، يبدو أن الهدف من العملية لم يكن الحصول على شخص بعينه، بقدر ما كان محاولة للوصول إلى معلومات قد تساعد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في كشف شبكاتها السرية داخل القطاع، أو معرفة حجم ما تمكنت حماس من جمعه عنها.

استعراض عسكري في موسم انتخابي

ويرى المحلل السياسي وسام عفيفة أن العملية حملت مجموعة من الرسائل السياسية والأمنية، سواء إلى الداخل الإسرائيلي أو إلى قطاع غزة.

ويضع عفيفة العملية في سياق الموسم الانتخابي الداخلي في إسرائيل، معتبرًا أن الائتلاف الحاكم يحتاج إلى تقديم إنجازات عسكرية وأمنية للمجتمع الإسرائيلي والناخبين، خصوصًا في ظل استمرار الحرب وتداعياتها السياسية.

وبحسب هذا التفسير، فإن تنفيذ عملية نوعية داخل مدينة غزة يمكن أن يقدم للداخل الإسرائيلي باعتباره إنجازًا أمنيًا واستخباريًا، حتى في ظل استمرار تعقيدات الحرب وعدم حسمها عسكريًا.

تجديد بنك الأهداف

ويرى عفيفة أن إسرائيل تحاول خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة إعادة بناء بنك أهدافها في قطاع غزة، عبر عمليات الاغتيال والاعتقال والاختطاف.

وأشار إلى تنفيذ عمليات توغل واختطاف خلال الفترة الماضية، بعضها عبر ميليشيات، معتبرًا أن إسرائيل تنظر إلى بيئة المقاومة بعد استهداف أعداد كبيرة من المستويات القيادية باعتبارها بيئة تحتاج إلى معلومات وأهداف جديدة.

وبحسب هذا التقدير، فإن إسرائيل لا تعتمد على الاغتيالات وحدها، وإنما تتجه أيضًا إلى الاعتقالات والاختطافات، لأن التحقيق مع المعتقلين يمكن أن يوفر معلومات تساعد أجهزة الأمن والاستخبارات على تحديث قاعدة معلوماتها بشأن بنية المقاومة وتحركاتها وشبكاتها.

ومن هنا، يصبح إبقاء العرابيد على قيد الحياة أكثر أهمية من قتله، إذا كانت المعلومات التي يمتلكها مرتبطة بشبكات أمنية تعمل داخل القطاع.

محاولة فرض أمر واقع

ولا يفصل عفيفة العملية عن التطورات السياسية المرتبطة بما يُطرح من خرائط أو خطط لإنهاء الحرب، معتبرًا أن استمرار العمليات العسكرية والأمنية الإسرائيلية يمثل، من وجهة نظره، محاولة لفرض أمر واقع على الأرض.

ويرى أن استمرار التوغلات والضربات الجوية والعمليات الخاصة يحمل رسالة مفادها أن الحرب لم تنته، وأن إسرائيل لا تزال قادرة على تنفيذ عمليات داخل مناطق من القطاع رغم الحديث السياسي عن ترتيبات أو خطط لوقف الحرب.

وبحسب هذا التصور، فإن العمليات الميدانية تصبح وسيلة لتثبيت الوقائع قبل الوصول إلى أي ترتيبات سياسية نهائية، خصوصًا مع استمرار الخلافات بشأن مستقبل قطاع غزة والجهة التي ستدير شؤونه الأمنية والسياسية.

غزة.. بيئة أمنية مختلفة

يشير عفيفة إلى أن البيئة الأمنية في غزة تغيرت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، نتيجة سنوات من المواجهة والاستنزاف، وما خلفته العمليات العسكرية من تغيرات جغرافية وديموغرافية واسعة.

ويشير في هذا السياق إلى ما قال إنه اعتراف من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالسيطرة على نحو 70% من مساحة قطاع غزة، بما يعني أن الكثافة السكانية تتركز في مساحة محدودة.

ويرى عفيفة أن هذه البيئة أصبحت أكثر عرضة للمراقبة الجوية والبرية والبحرية، إلى جانب الاعتماد على مصادر بشرية، وهو ما يجعل العمل الأمني للمقاومة أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل الحرب.

وتطرح هذه المعطيات، وفق رؤيته، تحديًا أمام المقاومة يتعلق بقدرتها على إعادة تنظيم منظومتها الأمنية في مساحة جغرافية محدودة وتحت مراقبة مستمرة.

محاولة استباق إعادة تنظيم المقاومة

ويرى عفيفة أن إسرائيل حاولت من خلال عملية اختطاف العرابيد أن تسبق المقاومة بخطوة، وأن تعيد ترتيب وضعها الأمني قبل أن تتمكن الفصائل من استيعاب المعطيات الجديدة وإعادة بناء منظوماتها الأمنية.

ويعتبر أن العملية تمثل "ضوءًا أحمر" للمقاومة، وقد تدفعها إلى مراجعة الإجراءات الأمنية واستخلاص الدروس مما حدث.

وبحسب هذا التفسير، فإن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على اعتقال شخصية أمنية، وإنما يرتبط أيضًا بمحاولة إبقاء المنظومة الأمنية للمقاومة تحت ضغط مستمر، ومنعها من التقاط أنفاسها وإعادة بناء قدراتها في بيئة مختلفة جذريًا عن تلك التي سبقت الحرب.

عملية أمنية بأبعاد تتجاوز شخص العرابيد

وتكشف العملية، في نهاية المطاف، عن انتقال متزايد في طبيعة المواجهة داخل غزة من العمليات العسكرية واسعة النطاق إلى عمليات أمنية أكثر دقة تستهدف الأشخاص والمعلومات والشبكات.

فإذا صحت الرواية الإسرائيلية بشأن الدور الأمني للعرابيد، فإن قرار اختطافه حيًا يمكن فهمه في إطار الرغبة في الحصول على معلومات حول شبكات التجسس والعملاء داخل القطاع، وهي معلومات قد تكون أكثر قيمة من تصفيته.

وفي المقابل، فإن الرواية الفلسطينية بشأن حجم القوة المستخدمة والغارات التي سبقت العملية ومقتل زوجته وإصابة أبنائه تضيف بُعدًا آخر إلى الحادثة، باعتبارها عملية عسكرية خاصة داخل منطقة مكتظة بالسكان.

وبين الروايتين، تبدو عملية اختطاف العرابيد جزءًا من مواجهة أمنية جديدة في غزة، لا تقتصر أهدافها على تصفية القيادات أو السيطرة على الأرض، وإنما تمتد إلى السيطرة على المعلومات وكشف الشبكات وإعادة تشكيل ميزان العمل الاستخباري.

وفي قطاع أنهكته الحرب وتغيرت فيه الخريطة السكانية والجغرافية، قد تصبح المعلومات الأمنية أكثر أهمية من السيطرة الميدانية نفسها، وهو ما يفسر، وفق الرواية الإسرائيلية والتحليلات التي رافقت العملية، لماذا اختارت إسرائيل هذه المرة أن تأخذ هدفها حيًا بدلًا من قتله.