بيع أصول الدولة يتسارع.. هل تمهّد صفقة الشركات الست لمرحلة جديدة من التخارج؟

- ‎فيتقارير

في الوقت الذي أثار فيه حديث المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء بسلطة الانقلاب ، ورجل الأعمال حسن هيكل بشأن مقايضة جزء من الديون المصرية بأصول مملوكة للدولة، بينها حقوق مرتبطة بقناة السويس، جدلًا واسعًا في الشارع المصري، أعلنت وزارة المالية عن بيع حصص مملوكة للدولة في عدد من الشركات الاستراتيجية، في خطوة أعادت ملف التخارج الحكومي من الأصول إلى واجهة النقاش الاقتصادي.

وبحسب بيانات نقلتها نشرة «إنتربرايز» الاقتصادية، جمعت وزارة المالية نحو 5.52 مليارات جنيه من عمليات بيع حصص في شركات مدرجة بالبورصة خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، دون الكشف بشكل واضح عن تفاصيل حصص البيع أو أسماء المشترين أو الآليات التي تمت بها الصفقات.

وشملت العمليات شركات تعمل في قطاعات حيوية، من بينها الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، وأبوقير للأسمدة، ومصر لإنتاج الأسمدة «موبكو»، وسيدي كرير للبتروكيماويات، والإسكندرية للزيوت المعدنية «أموك»، إضافة إلى شركة «فالمور القابضة».

ويثير تزامن الإعلان عن هذه العمليات مع تجدد الحديث عن مقايضة الديون بالأصول تساؤلات حول مستقبل برنامج التخارج الحكومي، وما إذا كانت الدولة تتجه إلى تسريع عمليات بيع حصصها في الشركات والأصول بهدف توفير العملة الأجنبية وخفض أعباء الديون المتراكمة.

 

5.52 مليارات جنيه من بيع حصص حكومية

وفق البيانات المتداولة، بلغت قيمة الحصص التي جرى بيعها نحو 1.55 مليار جنيه في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، و1.63 مليار جنيه في أبوقير للأسمدة، و1.57 مليار جنيه في شركة مصر لإنتاج الأسمدة «موبكو».

كما شملت الصفقات نحو 135.3 مليون جنيه من سيدي كرير للبتروكيماويات، و338 مليون جنيه من الإسكندرية للزيوت المعدنية «أموك»، إلى جانب نحو 294.8 مليون جنيه من «فالمور القابضة».

وتطرح هذه الأرقام تساؤلات بشأن طبيعة الحصص التي خرجت من ملكية الدولة، وقيمة الأصول التي تم التخارج منها مقارنة بالعوائد التي حققتها الخزانة العامة، خاصة مع عدم الإعلان التفصيلي عن هوية المشترين في البيانات المتاحة.

ويأتي ذلك بينما تواصل الحكومة تنفيذ برنامج لطرح الشركات والأصول المملوكة للدولة أمام القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، في إطار التزامات مرتبطة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي.

 

سباق مع الديون

تسعى حكومة الانقلاب، وفق التصريحات والبيانات الرسمية المتداولة، إلى زيادة حصيلة التخارج من الأصول خلال الفترة المقبلة، في وقت تواجه فيه الموازنة العامة ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أقساط وفوائد الديون المحلية والخارجية.

وتشير البيانات  إلى أن الدولة جمعت نحو 526.3 مليون دولار من عمليات بيع الأصول حتى يوليو 2026، بينها 420 مليون دولار من صفقة مزرعة رياح جبل الزيت، ونحو 106.3 مليون دولار من بيع حصص مملوكة لوزارة المالية.

وتستهدف الحكومة جمع نحو 1.5 مليار دولار إضافية من عمليات التخارج قبل نهاية برنامج القرض الحالي مع صندوق النقد الدولي، وسط توجه لطرح حصص تتراوح بين 10 و30% في عدد من الشركات والجهات الحكومية.

لكن هذه السياسة تفتح نقاشًا أوسع حول جدوى استخدام بيع الأصول في التعامل مع أزمة الديون، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشركات تعمل في قطاعات إنتاجية أو توفر للدولة تدفقات مالية مستمرة.

 

مقايضة الديون بالأصول تعود إلى الواجهة

جاء الإعلان عن الصفقات الجديدة بعد أيام من إعادة حسن هيكل طرح فكرة مقايضة جزء من الالتزامات المالية المصرية بأصول أو حقوق انتفاع مرتبطة بمشروعات وأراض مملوكة للدولة، في تصور شمل الحديث عن قناة السويس.

وأثار الطرح ردود فعل واسعة، ما دفع مجلس الوزراء إلى التأكيد أن قناة السويس ليست مطروحة للبيع أو الرهن أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات.

ورغم ذلك، أعاد التصريح فتح ملف طالما أثار حساسية كبيرة لدى المصريين، يتعلق بمستقبل الأصول السيادية ومصادر الدخل الرئيسية للدولة، خاصة في ظل استمرار برنامج بيع الأصول والتخارج من عدد من القطاعات الاقتصادية.

ويرى محللون أن توقيت طرح مقايضة الديون بالأصول يستحق التوقف عنده، خصوصًا مع تزامنه مع الإعلان عن عمليات بيع جديدة لحصص الدولة في شركات استراتيجية.

 

انتقادات بسبب غياب الإفصاح

من بين أبرز الانتقادات التي طالت عمليات البيع الجديدة مسألة الشفافية والإفصاح، حيث أثيرت تساؤلات حول أسماء المستثمرين الذين حصلوا على الحصص، ونسب الملكية التي تم التخارج منها، وما إذا كانت عمليات البيع تمت من خلال السوق المالية وفق قواعد التداول المعتادة أم عبر صفقات مباشرة.

كما أثار محللون مخاوف من تزايد حضور المستثمرين الإماراتيين في عدد من القطاعات الاقتصادية المصرية، خصوصًا بعد سلسلة من الصفقات الكبرى التي شهدتها السنوات الأخيرة.

وأشار المحلل الاقتصادي محمد النجار، في تعليقاته، إلى ضرورة الكشف عن هوية المشترين وآليات تنفيذ الصفقات، متسائلًا عما إذا كانت الحصص قد طرحت أمام المستثمرين في البورصة، أم جرى بيعها لصناديق وشركات استثمارية محددة.

وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظل امتلاك مستثمرين إماراتيين بالفعل حصصًا في عدد من الشركات التي شملها برنامج التخارج.

 

حضور إماراتي متزايد

لم تقتصر عمليات التخارج خلال السنوات الأخيرة على بيع حصص محدودة في الشركات المدرجة، وإنما امتدت إلى صفقات ضخمة شملت أراضي ومشروعات وشركات تعمل في قطاعات مختلفة.

وكانت صفقة رأس الحكمة، التي حصلت بموجبها شركة « ADQ » القابضة الإماراتية على حقوق مرتبطة بتطوير المنطقة، واحدة من أكبر الصفقات الاستثمارية في تاريخ مصر، بقيمة معلنة بلغت 35 مليار دولار.

كما شهدت الفترة الماضية صفقات أخرى شملت قطاعات الأدوية والأسمدة والتبغ والأغذية والموانئ والفنادق، كان من بينها بيع حصص لمستثمرين وصناديق إماراتية.

وتثير هذه الصفقات تساؤلات حول مدى تأثير انتقال ملكية حصص كبيرة في شركات استراتيجية إلى مستثمرين أجانب على طبيعة ملكية الدولة للقطاعات الإنتاجية، وعلى قدرتها المستقبلية على تحقيق إيرادات مستدامة من هذه الأصول.

 

هل بيع الأصول حل لأزمة الديون؟

يرى منتقدو سياسة التخارج أن بيع أصل منتج للحصول على سيولة لسداد الديون يوفر للدولة موردًا ماليًا فوريًا، لكنه يحرم الخزانة العامة من العوائد التي كان يمكن أن يدرها الأصل مستقبلًا.

ويزداد الجدل عندما تكون الأصول المباعة شركات تحقق أرباحًا أو تعمل في قطاعات حيوية، إذ يتحول التخارج في هذه الحالة من مجرد إعادة هيكلة للملكية إلى وسيلة لتوفير السيولة اللازمة لمواجهة الالتزامات المالية قصيرة الأجل.

وفي المقابل، تدافع حكومةالانقلاب عن برنامج التخارج باعتباره جزءًا من إصلاح هيكل الاقتصاد، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتوفير العملة الصعبة، وتقليص الدور المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي.

وبين الرؤيتين، يبقى السؤال الرئيسي متعلقًا بكيفية استخدام حصيلة البيع: هل ستذهب إلى تخفيض أصل الدين بصورة مستدامة، أم ستستخدم في تغطية التزامات وأعباء مالية متكررة، بما يجعل الدولة مضطرة إلى بيع أصول جديدة مستقبلًا؟

 

قناة السويس.. الخط الأحمر

يبقى الحديث عن قناة السويس أكثر حساسية من عمليات بيع الشركات، باعتبارها أحد أهم مصادر الدخل بالعملة الأجنبية وأحد أبرز الأصول الاستراتيجية المصرية.

وقد جدد تصريح حسن هيكل المخاوف القديمة بشأن مستقبل القناة، رغم تأكيد الحكومة عدم وجود أي مقترح لنقل ملكيتها أو رهنها أو مقايضتها بالديون.

وتعود حساسية هذا الملف إلى الجدل الذي رافق خلال السنوات الماضية تعديلات قانون هيئة قناة السويس وإنشاء صندوق تابع للهيئة لإدارة واستغلال بعض الأصول، وهي تعديلات أثارت آنذاك مخاوف سياسية وشعبية بشأن طبيعة الأصول التي يمكن إدارتها أو استثمارها.

كما تزامن ذلك مع استمرار أزمة الديون وارتفاع احتياجات الدولة من النقد الأجنبي، ما جعل أي حديث عن أصول سيادية أو مصادر مستدامة للعملة الصعبة محل اهتمام واسع.

 

ديون ضخمة وضغوط متزايدة

تواجه المالية العامة المصرية ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع حجم الالتزامات المحلية والخارجية، في وقت تستحوذ فيه خدمة الدين على جانب كبير من موارد الموازنة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الالتزامات المستحقة على مصر من أقساط وفوائد القروض الخارجية خلال 12 شهرًا من أبريل 2026 إلى مارس 2027 تقدر بنحو 62.8 مليار دولار، وفق بيانات منسوبة إلى البنك الدولي.

كما تقدر أعباء أقساط وفوائد الدين المحلي والخارجي في موازنة العام المالي 2026/2027 بنحو 5.23 تريليونات جنيه.

وفي ظل هذه الأرقام، يصبح بيع الأصول أحد الخيارات التي تلجأ إليها الحكومة للحصول على موارد استثنائية، لكن استمرار الاعتماد عليه يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة الاقتصاد على تجاوز أزمة الديون من دون استنزاف قاعدة الأصول المملوكة للدولة.

 

ما بعد البيع؟

المشكلة التي يطرحها الجدل الحالي لا تتعلق فقط بقيمة الصفقات أو هوية المشترين، وإنما بمستقبل الدور الاقتصادي للدولة المصرية.

فإذا استمرت عمليات التخارج من الشركات والأراضي والمشروعات الإنتاجية، بالتوازي مع ارتفاع أعباء الدين، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحًا هو: ماذا يتبقى للدولة من الأصول القادرة على توليد دخل مستدام بعد انتهاء عمليات البيع؟

وبينما ترى حكومة الانقلاب أن التخارج يفتح المجال أمام القطاع الخاص ويجذب استثمارات جديدة، يرى منتقدو السياسة أن بيع الأصول لسداد الديون لا يعالج جذور الأزمة المالية، وإنما يؤجلها إذا لم يصاحبه خفض حقيقي للإنفاق غير المنتج، وزيادة في الإيرادات، ووقف التوسع في الاقتراض.

وهكذا، يعيد تزامن بيع حصص الدولة في شركات استراتيجية مع تجدد الحديث عن مقايضة الديون بالأصول طرح السؤال الأهم: هل تمثل عمليات التخارج الحالية إعادة هيكلة للاقتصاد المصري، أم أنها أصبحت وسيلة اضطرارية لتوفير السيولة وسداد الالتزامات المتراكمة؟

وفي الحالتين، تبقى الشفافية الكاملة بشأن قيمة الأصول، ونسب الحصص المباعة، وهوية المشترين، وأوجه استخدام حصيلة البيع، العامل الحاسم في تقييم ما إذا كانت هذه الصفقات تخدم الاقتصاد المصري على المدى الطويل، أم تنقل أعباء الأزمة الحالية إلى المستقبل.