شهدت الجزائر الخميس 02 يوليو 2026 إجراء الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء المجلس الشعبي الوطني، في موعدٍ سياسي استثنائي طغت عليه لغة الأرقام الصادمة الصادرة عن الهيئات الرسمية، والتي أكدت دخول البلاد في حالة "عزوف تاريخي" غير مسبوق عن صناديق الاقتراع.
أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات الجزائرية رسمياً عقب اختتام عملية التصويت، أن نسبة المشاركة الأولية الإجمالية داخل البلاد استقرت عند 20.79% موزعة عبر 69 ولاية، في حين لم تتجاوز النسبة في الخارج حدود 10.67%.
هذه الأرقام قُرئت في الأوساط الإعلامية والسياسية بوصفها مؤشراً قطيعاً على اتساع الهوة بين الشارع والمؤسسات الرسمية؛ إذ علّق الكاتب الصحافي علي بوخلاف على هذا المشهد بالقول: إن "الجزائر تشهد حالة عزوف سياسي، والتقديرات الأولية تشير إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية لن تتجاوز 20%".
وفي إطار رصد ردود الفعل الميدانية والأكاديمية، والوقوف على خلفيات هذا العزوف، يتحدث هنا السياسيون والمراقبون والناشطون الجزائريون ليقدموا تشريحاً سوسيولوجياً وسياسياً متكاملاً للمشهد.
المادة 200 والإقصاء السياسي
شكلت البيئة القانونية المنظمة للانتخابات، ولا سيما آليات "الفلترة" المسبقة للمرشحين، حجر الزاوية في تفسير طابع هذه الانتخابات. وفي هذا السياق، قدمت السيدة ليندة فارح (عضو المكتب الوطني مكلفة بالتنظيم) تحليلاً سوسيولوجياً معمقاً حول خلفيات وآثار رفض المترشحين بموجب المادة 200 من قانون الانتخابات.
حيث نشرت عبر حسابها الرسمي قراءة سوسيولوجية وسياسية معمّقة حول خلفيات وآثار المادة 200 من قانون الانتخابات الجزائري، وذلك بالتزامن مع التحضير للانتخابات التشريعية المقررة في 02 يوليو 2026.
وترى الكاتبة أن المادة 200 (التي تمنع ترشح كل من يُعرف صِلاته بأوساط المال والأعمال المشبوهة) ليست مجرد نص قانوني تقني، بل هي أداة سوسيولوجية اعتمدتها الدولة بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بهدف؛ تفكيك شبكات النفوذ والزبائنية السياسية التي هيمنت على المشهد قبل 2019، وإعادة احتكار الدولة لشرعية التمثيل، والانتقال من مرحلة "التحالف مع رجال المال" إلى مرحلة "ضبط المجال السياسي قانونياً"، ومحاولة إعادة إنتاج "الشرعية الأخلاقية" عبر تقديم نخب جديدة ونظيفة للمواطن.
الغموض القانوني
وتوضح أن الغربلة الناجمة عن هذه المادة أدت إلى إعادة تشكيل القوائم الحزبية والحرة؛ حيث تم إقصاء نخب تقليدية مقابل تصعيد وجوه جديدة وشابة كبديل سياسي يتماشى مع خطاب التجديد ومحاربة الفساد.
وتتوقع الكاتبة أن تؤدي هذه الإجراءات الصارمة إلى نتيجتين مزدوجتين:
إيجابياً: تعزيز صورة الدولة كمحاربة للفساد ورفع منسوب الثقة في نزاهة الصندوق.
سلبياً: شعور بعض الأطراف بالإقصاء، مما قد يغذي العزوف الانتخابي لدى فئة من المواطنين وينشر تشكيكاً في حيادية القانون.
وتختتم السيدة ليندة فارح تحليلها بالتأكيد على أن الجزائر تعيش مخاضاً سوسيولوجياً حقيقياً يحاول الإجابة على معادلة صعبة: كيف يمكن تطهير الحقل السياسي وبناء تمثيل نيابي نزيه، دون الوقوع في فخ الإقصاء السياسي بسب التفسيرات الواسعة للقانون؟ معتبرة أن النجاح مرهون بضمان المساواة التامة ووضوح المعايير.
من جهته، ذهب الناشط السياسي عبد الكريم زغليش إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ما جرى ليس مقاطعة إرادية بقدر ما هو إبعاد ممنهج للمعارضة، وقال زغليش خلال مشاركته في برنامج "تغطية خاصة لتشريعيات 2 يوليو 2026":
"النظام الجزائري لا يريد المعارضة أن تشارك في الانتخابات، وتجلّى ذلك بوضوح من خلال الإطار القانوني المنظم للعمل الحزبي ولا سيما قانون الأحزاب والمادة 200، إضافة إلى متابعة النشطاء والمعارضين قضائياً. السلطة أوصلت رسالة واضحة مفادها أنها لا ترغب في مشاركة معارضيها، وبالتالي فإن الحديث عن 'مقاطعة الانتخابات' من قبل المعارضة لا يعكس حقيقة الوضع، لأن النظام هو من 'يقاطع' المعارضة ويمنعها؛ والقول بالمقاطعة في ظل المنع القانوني والسياسي يسهّل مهمة السلطة ويمنحها الرواية التي تريدها. المعارضة لم تختر عدم المشاركة، بل وُضعت أمام واقع يمنعها من خوض الاستحقاق منذ البداية."
أزمة النظام
تعددت قراءات الفاعلين السياسيين والحقوقيين لظاهرة العزوف التاريخي التي طبعت هذا اليوم الانتخابي، حيث انقسمت الآراء بين من يراها أزمة بنيوية في النظام السياسي، ومن يرجعها لضعف الأداء الحزبي.
وقالت الأستاذة الجامعية المتقاعدة صونيا وافق (قسنطينة): "التجربة الانتخابية في الجزائر فقدت بريقها وتحولت إلى دور شكلي، إن مشاركتي في هذا النوع من الاستحقاقات فقدت معناها مع مرور السنوات؛ فالوعود الانتخابية غالباً ما تتكرر دون انعكاس فعلي بعد انتهاء الحملات، التجربة البرلمانية لم تُنتج تحولاً حقيقياً في حياة المواطنين، حيث يغيب التمثيل الفعلي للناخبين بعد الوصول إلى المؤسسة التشريعية، مقابل استمرار نفس الأنماط السياسية. الإشكال لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطبيعة المنظومة السياسية، ومحاولات التغيير من داخل المؤسسات لم تُحققق النتائج المرجوة في التجارب السابقة."
واعتبرت الناشطة السياسية مسعودة شبالة: أن "الإشكال في الجزائر بنيوي… والعملية الانتخابية تعكس أزمة منظومة. لا يمكن فصل الحديث عن الانتخابات في الجزائر عن طبيعة النظام السياسي؛ فالإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بالمشاركة أو النتائج، بل ببنية القرار السياسي ذاته، تقييد المجال السياسي وإقصاء بعض الفاعلين من المنافسة يطرح تساؤلات حول طبيعة التنافس الانتخابي، وينعكس مباشرة على مستوى الثقة في العملية برمتها. أي إصلاح سياسي يبقى غير مكتمل ما لم يمسّ جوهر المنظومة، وليس فقط شكل الاستحقاقات الانتخابية أو آلياتها الإجرائية."
وقال الناشط الحقوقي قاسم سعيد (وهران): "العزوف الانتخابي في الجزائر تعبير عن أزمة ثقة وليست حالة ظرفية. المشهد الانتخابي يتسم بـفتور واضح ومقاطعة واسعة من طرف المواطنين، وما يُقدَّم في الخطاب الإعلامي لا يعكس الواقع داخل مراكز الاقتراع، الفجوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة تتسع مع مرور الاستحقاقات، والبرلمان فقد تدريجياً وظيفته التمثيلية وأصبح في نظر شريحة واسعة أداة للمصادقة أكثر منه فضاءً للتشريع والرقابة. تراجع المشاركة هو رفض شعبي لمسرحية انتخابية بلا برامج حقيقية، والمواطن فقد الأمل بسبب تكرار نفس الوجوه وغياب أي تغيير حقيقي، ولا بد من رفع الوعي لتحقيق التغيير الجذري."
واعتبر الناشط السياسي محند الحسن أكيلال: أن "ضعف المشاركة السياسية يعكس أزمة ممارسة حزبية أكثر من كونه رفضاً مطلقاً. الإشكال لا يقتصر على يوم الاقتراع، بل يمتد إلى بنية الفعل السياسي في الجزائر، خاصة ما يتعلق بضعف التأطير الحزبي وغياب البرامج المقنعة، المواطن لا يجد في المشهد الحزبي ما يدفعه إلى الانخراط الواسع، في ظل محدودية التنافس وضعف تجديد الخطاب السياسي لدى مختلف الفاعلين، معالجة أزمة العزوف تمر حتماً عبر إعادة بناء الثقافة السياسية وتعزيز الثقة في الفعل الحزبي، بدل الاكتفاء بقراءة النتائج الرقمية في يوم الاقتراع فقط."
أصداء وتغريدات
وواكب النشطاء والمراقبون مجريات اليوم الانتخابي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وجاءت قراءاتهم لتعكس تبايناً حاداً وتشكيكاً في شرعية العملية:
غرد الناشط Walid Simo معلقاً على تدني نسب الإقبال في بعض المناطق الحيوية: "فشل ذريع للانتخابات التي نفذها النظام الاستعماري الجزائري في منطقة القبائل المحتلة، هزيمة مُذلة، لم يكن لها أي معنى، المرشحون يتوسلون إلى المواطنين للخروج والتصويت. مستحيل."
وانتقد الحساب الممثل لـ الحراك أمل الشعب الجزائري الاستعانة بالقوات النظامية لرفع الأرقام: "الثكنات تنتخب فضيحة عالمية تأكد ضعف النظام الحاكم، كما كان متوقعاً الجنرالات أجبروا على إخراج ثكنات العسكر والشرطة بالزي المدني للانتخابات بعد عزوف شعبي كبير وتاريخي، وبهذا يؤكد الشعب الجزائري أنه غير راضٍ عن الأوضاع التي تعيشها البلاد وإن الثورة الشعبية قادمة #أنا_لا_أنتخب"
وحول آليات التوزيع المستقبلي للمقاعد وتوقعات ما بعد الفرز، غرد Soulaimane.Amg: "سيضخمون نسبة المشاركة وسيفرقون النسب على المنتخبين حتى تظهر الجزائر كدولة ديمقراطية يصعد رئيسها بالانتخابات يعطوا لتبون نسبة 60% زعما انتخابات شرسة😂 لكن الحقيقة المرّة هي أن عمي تبون سيجلس على عرش الرئاسة إلى مجيء جنرال آخر يسقط سعيد شنقريحة كما سقط الذي قبله الجنرال القايد صالح"
وقدم المغرد Khalid k رؤية تفسيرية لانحراف السلوك الانتخابي للمواطن في ظل غياب البرامج: "اذا فقدت المؤسسات قيمتها في المساهمة في صنع القرار ، وافتقدت الأحزاب والطبقة السياسية لبرامج سياسية حقيقية فإن السلوك الانتخابي يفقد طابعه الوطني ويميل إلى إرضاء العشائرية والمناطقية والمحاباة الشخصية #الجزائر"