متطلبات الزواج وتكاليفه من مسكن وأثاث وأجهزة كهربية وأدوات منزلية ونفقات الزفاف من قاعة أفراح وملابس ووجبات غذائية وانتقالات وخلافه، أصبحت عقبة تحول بين الكثير من الشباب وبين الزواج.
وتتكشف أزمة الزواج عند مطالعة الدخول الشهرية، فبافتراض حصول الشاب على راتب شهري يدور حول 8 آلاف جنيه، فإن القدرة الادخارية، حتى مع توفير 30% من الدخل لن تتجاوز 3 إلى 4.5 آلاف جنيه شهريًا، وهو ما يعني أن تجميع تكلفة زواج في حدود مليون جنيه قد يحتاج إلى ما بين 18 و30 عامًا من الادخار الكامل دون احتساب التضخم أو المصروفات المعيشية.
تحمل المسئولية
في هذا السياق كشفت دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن أسباب رفض فكرة الزواج، مشيرة إلى أن الخوف من تحمل المسئولية جاء على رأس هذه الأسباب، وهو أمر لا يقتصر على الشباب الذين قد يتخوفون من تحمل المسئولية عن بيت وأسرة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع الأسعار ونسبة البطالة التي بلغت نحو 8.1% في الربع الأول من العام الجاري، بل يشمل العديد من الفتيات اللاتي يخشين المسئولية الكاملة عن الأطفال والزوج.
وأكدت الدراسة أن مصر من أغلى الدول في تكاليف الزواج في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مشيرة إلى أنه مع انكماش الطبقة المتوسطة وتزايد معدلات الفقر، يبدو أن العزوف عن الزواج بات شكلًا صامتًا من الاحتجاج على الوضع الاقتصادي، حيث أصبح الحب والزواج رفاهية لا يقدر عليها الجميع.
وأشارت إلى عدد كبير ممن يرفضون الزواج يتبنون أفكارهم من حالات الزواج المحيطة بهم التي لا يمل أصحابها من الشكوى من تدهور أحوالهم بعد الزواج وتعاسة حياتهم والمسئوليات الملقاة على عاتقهم وكيف أصبحوا لا يهتمون سوى بتوفير متطلبات المعيشة والبحث عن عمل إضافي، أكثر من التفكير في الاستمتاع أو تحقيق طموحاتهم، حتى أصبح لسان حال كثير من الشباب يقول «لماذا أتزوج وحال أغلب من سبقوني إلى الزواج لا يسر ولا يشجع؟» وهو أيضًا حال الفتيات اللاتي رأين أن المتزوجة مسئولياتها كثيرة وبعد الزواج تفقد حيويتها، وبعضهن تطلقن وأصبح لديهن أطفال وتغيرت حياتهن للأسوأ.
مواقع التواصل
وأوضحت الدراسة أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا في تضخيم المخاوف من الزواج عبر تشجيع صورة الفتاة المستقلة والشاب المستقل، والتركيز على ما قد تعتبره جوانب سلبية في حياة المتزوجين خاصة بالنسبة للفتيات، وحياتهن بعد الزواج مع تحملهن مسئولية الأطفال والأعمال المنزلية، دون تسليط الضوء على الجانب الآخر من الحياة الزوجية.
وشددت على أن الزواج لم يعد أهم أولويات الشباب، وحدث تراجع في إقبال الكثير من الذكور عليه في مقابل رغبتهم في تحقيق المزيد من النجاح في العمل؛ أما الإناث فانخراط البعض منهن في استكمال الدراسات العليا جعلهن يفضلن النجاح ويؤجلن فكرة الزواج الذي تعتبره الفتاة معوقًا لنجاحها وقيدًا لحريتها واستقلالها.
ولفتت الدراسة إلى أن الحاصلين على شهادات عليا يميلون إلى تأجيل الزواج لأن الكثير منهم منشغل بسوق العمل وتطلعاته الشخصية وتحقيق ذاته، بجانب أن هناك نسبة كبيرة منهم عاطلة عن العمل .
فرص عمل
وقالت مستشارة الصحة النفسية، هالة سمير: إن "تيسير الزواج للشباب في سن مبكرة، يعد من العلامات الصحية لأي مجتمع مطالبة حكومة الانقلاب بدعم الشباب وتوفير فرص عمل لهم حتى يتمكنوا من الحياة بصورة طبيعية ولا يشعرون بالتهميش ".
وشددت هالة سمير ، في تصريحات صحفية ، على أن المبادرات الشعبية التي تعمل على تيسير الزواج تساعد بشكل قوي وفعال في القضاء على مشكلة العنوسة، والحد من أضرار تأخر الزواج مجتمعيا وانتشار الحلول غير الشرعية.
وأضافت أنه من المعتقدات الخاطئة لدى البعض التمسك بغلاء المهور وترسيخ مفهوم الأعلى مهرا هي الأفضل، متناسين ما روي عن النبي ﷺ "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة"، معربة عن أسفها لأن المغالاة في متطلبات الزواج أصبحت هي السائدة في المجتمع المصري.
وأشارت هالة سمير إلى أن العامل الاقتصادي يأتي في المقدمة بسبب ارتفاع الأسعار وتزايد معدلات الفقر بين المصريين وتراجع القدرة الشرائية.
انحراف أخلاقي
وأكدت الباحثة الاجتماعية، رويدا خالد، أن تأخر سن الزواج له آثار وخيمة على المجتمع، لافتة إلى أنه يؤدي لزيادة نسبة الزواج العرفي والانحراف الأخلاقي، فضلا عن ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات والإدمان نتيجة الفراغ وإحباط الشباب.
وطالبت رويدا خالد في تصريحات صحفية الأهالي بضرورة تفهم التحولات الاقتصادية وحجم الضغوط على الشباب ، والعمل على تيسير تكاليف الزواج، مؤكدة أن هناك الكثير من المتطلبات التي يمكن الاستغناء عنها .
ورحبت بانطلاق الكثير من المبادرات الشعبية التي تعمل على تيسير الزواج وتوعية الأهالي والشباب والفتيات، مؤكدة أن هذه المبادرات تستطيع أن تفكك أزمة المغالاة في المهور، لأنها تعد من ضمن الأسباب الرئيسية لتأخر سن الزواج.
الزواج العرفي
وحذرت الخبيرة في العلاقات الأسرية، فاطمة سيد، من أن تأخر الزواج أدى إلى تفشي ظواهر مقلقة، مثل انتشار الزواج العرفي والديون والتوتر الأسري وارتفاع معدلات الانتحار وزيادة نسب الطلاق.
وقالت فاطمة سيد في تصريحات صحفية : "رغم إطلاق حملات اجتماعية ودينية لتيسير الزواج، مثل "أقل النساء مهرًا أكثرهن بركة"، و"لا للشَّبكة الغالية"، إلا أن تأثير هذه المبادرات لايزال محدودًا".