لا تتوقف حكومة المنقلب عن الجباية، فتخرج كل يوم على الشعب بمشروع جباية، وهذه الأيام تفتق فكرها عن فكرة جديدة للجباية ليست ضرائب ولكنها هذه المرة تحت مسمى "رسوم تحسين".
نشر موقع الشرق تقريرا تناول فرض هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التابعة لوزارة الإسكان، رسومًا جديدة على أراضي النشاط الزراعي الواقعة على جانبي طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي غرب القاهرة.
تصل الرسوم لحوالي 15 ألف جنيه لكل فدان من الأراضي الزراعية، ويتم تحصيلها تحت مسمى "رسوم تحسين" مقابل أعمال تطوير طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي، كذلك الرسوم سوف تفرض على الأراضي الواقعة على طريق وادي النطرون-العلمين بعد تطويره.
فكرة الحكومة من الرسوم أنها طورت البنية التحتية، بما في ذلك الطرق السريعة التي تخترق الأراضي في هذه المناطق، والأراضي سعرها زاد، بحكم زيادة الطلب على الاستثمار العقاري في محيطها، وبالتالي الحكومة تحاول الاستفادة من قيمة هذه الزيادة، وهذه أصبحت فلسفة الدولة حاليا أنها تحمل المستفيدين جزءًا من تكلفة البنية التحتية اللي كلفت مليارات.
فرض الرسوم بحد ذاته ليس مشكلة، وأكيد من حق الدولة أنها تستفيد من ارتفاع قيمة الأرض بسبب مشروعات مولتها من الموازنة العامة، وبالتالي تغطي جزءًا من تكلفة التطوير، فهذا شيء مشروع ومهم لتمويل مشروعات البنية التحتية بدون اللجوء للاقتراض الخارجي، إلى جانب تحقيق قدر من العدالة في توزيع مكاسب الأرض التي معظمها بيعت بأسعار متواضعة، ومسألة أخيرة أن فرض رسوم على الأراضي يحد من المضاربات.
فكرة الدفع مقابل التطوير موجودة في العديد من الدول من بريطانيا حيث يدفع المطور فيها مقابل تطوير المنطقة، إلى الهند فتشارك الدولة المالك في قيمة الأرض بعد التطوير إلى أمريكا نفسها التي تفرض رسومًا على المستثمر العقاري لتمويل الطرق والخدمات.
لماذا الأراضي المستخدمة في الرزاعة فقط؟
المشكلة الوحيدة في القرار أن هذه الرسوم تستهدف أرضًا زراعية بحتة، وبالتالي المالك المستمر في النشاط الزراعي سوف يكون مستفيدًا أقل عملياً من تطوير البنية التحتية من صاحب الأراضي الاستثمارية المخصصة للمباني.
من حق الدولة فرض رسوم على الأراضي الزراعية عندما تدخل كردون مباني، لكن فرض رسوم على نشاط زراعي؟ نحن في حاجة إلى دعم القطاع الزراعي وليس فرض أعباء عليه.
توفيق الأوضاع
بالتوازي مع فرض رسوم التحسين على الأراضي الزراعية، الحكومة وضعت آلية لتنظيم أوضاع الأراضي التي تم استخدامها في أنشطة غير زراعية، وهي آلية، وبموجبها يتم فرض رسوم مالية، مع إجبار المالك على التنازل عن نسبة من مساحة الأراضي لصالح الدولة، وتختلف هذه النسبة حسب حجم الأرض.
التنازل عن 75% من الأراضي مقابل توفيق الاوضاع
نسبة التنازل تصل لـ 75% للأراضي الصغيرة حوالي 5 فدادين وتنخفض تدريجيًا إلى 50% للأراضي الأكبر، وتشترط الحكومة أن حصتها في الأرض تكون من أفضل أجزائها حتى تستطيع الاستفادة من العائد الاستثماري.
كما قلنا إن من حق الدولة أن تقاسم المستثمرين جزءًا من مكاسبهم في أراضٍ اشتروها بقيمة بأسعار مدعومة تحت لافتة الاستثمار الزراعي ومن ثم حولوا النشاط لنشاط عقاري أو غيره، وكذلك من الضروري تقنين أوضاع هذه الأراضي، وتنظيم التوسع العمراني فيها حتى لا تتسرب إليها العشوائية في البناء والتخطيط.
في المقابل الآلية تبدو معكوسة ومخالفة لأي منطق اقتصادي، لأنها تفرض نسبة أعلى من التنازل على المساحات الأصغر ونسبة أقل من التنازل على المساحات الأكبر، وبالتالي هذا كفيل بمصادرة الجزء الأكبر من أراضي صغار الملاك.
فكرة أن الحكومة تجبر المالك على التنازل عن 75% من أرضه صعب نتصورها كتقنين أوضاع، لأنها في حقيقتها أقرب للتأميم خصوصاً أنها تستهدف صغار الملاك، إلى جانب أن الحكومة تشترط أن تأخذ القطعة الممتازة من الأرض التي بالبداهة تكون على الطريق، وتترك للمالك أرضًا شبه حبيسة، فأياً كان المشروع الذي سوف يبنيه ستقل قيمته وجدواه.
مصر بالأساس تعاني من مشكلة البناء المخالف في كافة أرجائها، وهذا وضع يحتاج معالجة رشيدة تشجّع المواطن على توفيق أوضاع أرضه.
في المقابل التكلفة العالية من الرسوم والتنازل سوف تجعل صغار المستثمرين يحجمون عن تقنين أوضاعهم واستمرار البناء المخالف، وبالتالي يكون للقرار الجديد آثار عكسية تعقد الموضوع أكثر مما هو معقد.
وحتى تصل الدولة لحل مقبول مفيد في قضية الأراضي يجب أن تعكس نسبة التنازل فتبقى أكبر للمساحات الواسعة وأقل للمساحات المحدودة، مع تقديم بدائل للتنازل مثل دفع مقابل القيمة السوقية، وخيارات تقسيط وخلافه، لو الهدف التقنين وليس الجباية المعتادة.