مع اقتراب موسم امتحانات الثانوية العامة التى تشهد منذ سنوات ابتكار وسائل جديدة للغش، يشهد «سوق الغشاشين» إقبالا كبيرًا، حيث تنتشر إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعى عن وسائل وأدوات جديدة تساعد على الغش، وبضغطة واحدة على أى صفحة تطالع إعلانات «عينى عينك» عن سماعات يصل سعرها لآلاف الجنيهات يتم زرعها داخل الأذن من خلال عملية جراحية، بجانب إعلانات أخرى عن سماعات أقل سعرًا تبدأ من 600 جنيه، بالإضافة إلى أنواع متوسطة تتراوح أسعارها بين 700 إلى 2000 جنيه.
وهناك وسائل أكثر ابتكارًا واحترافية مثل: الأظافر التى تستخدمها الفتيات ومدون عليها المنهج، ويتجاوز سعرها الـ3000 جنيه.
هكذا تطورت رحلة الغش داخل اللجان، بداية من «البرشامة» التى كانت عبارة عن ورقة صغيرة تكتب عليها معلومات بخط صغير جدًا، وتوضع بين طيات الملابس، حتى وصل الأمر إلى سماعات تزرع داخل الأذن من خلال عمليات جراحية، مرورًا بميكروفونات الغش التى كانت تُستخدم فى بعض المحافظات أمام اللجان.
هذه التطورات تطرح التساؤل : هل تستطيع وزارة التعليم بحكومة الانقلاب مواجهة الغش فى الامتحانات ؟
وسائل اتصال متقدمة
حول تطور ظاهرة الغش وصعوبة المواجهة قالت الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبدالرءوف، إن مواجهة ظاهرة الغش فى الامتحانات تتطلب منظومة متكاملة تبدأ من تعزيز وعى الطلاب بقيمة الجهد المبذول، وترسيخ فكرة أن النجاح الحقيقى هو ثمرة الاجتهاد وليس التحايل، مع أهمية إعداد أكثر من نموذج مختلف للاختبار داخل اللجنة الواحدة للحد من فرص الغش وإضعاف دوافعه.
وأوضحت بثينة عبدالرءوف فى تصريحات صحفية أن محاولات الغش كانت تعتمد فى الغالب على وسائل بسيطة وتقليدية، مثل كتابة ملاحظات صغيرة على الورق، أو تبادل الإجابات بين الطلاب داخل اللجنة بشكل مباشر، مشيرة إلى أن هذه الأساليب كانت تعتمد على عنصر السرعة والسرية، مع وجود فرص أكبر للنجاح بسبب محدودية الرقابة وضعف الوسائل التكنولوجية.
وأضافت : مع مرور الوقت وانتشار الهواتف المحمولة فى بداية الألفية، بدأت مرحلة جديدة من التحديات، حيث ظهرت محاولات لاستخدام الرسائل النصية أو الصور لنقل الإجابات، وهو ما دفع وزارة تعليم الانقلاب إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل منع دخول الهواتف إلى اللجان وتفتيش الطلاب قبل الامتحان.
وتابعت بثينة عبدالرؤغوف قائلة: إن عمليات بيع وسائل الغش أصبحت تعتمد على أدوات إلكترونية دقيقة أو وسائل اتصال متقدمة، إضافة إلى استخدام تطبيقات التواصل الحديثة فى تبادل المعلومات، إلا أن هذه المرحلة قابلها تطور مماثل فى أدوات الرقابة، مثل أجهزة كشف المعادن، وأنظمة التشويش على الإشارات، وكاميرات المراقبة داخل اللجان.
تنويع الامتحانات
وشددت على أنّ من الوسائل الفعالة للحد من الغش تقديم تعليمات واضحة للطلاب قبل وأثناء الامتحان تساعدهم على تقليل التوتر، بحيث لا يدفعهم القلق إلى البحث عن طرق غير مشروعة للإجابة، مؤكدة أن بناء بيئة امتحانية هادئة يقلل من السلوكيات السلبية بشكل كبير.
وطالبت بثينة عبدالرءوف بضرورة تنويع أساليب الامتحانات، وألا تقتصر الأسئلة على الاختيار من متعدد فقط، لأن هذا النمط يسهل عمليات الغش، بينما إدراج أسئلة مقالية يُساهم فى قياس الفهم الحقيقى لدى الطالب، ويُعزز قدرته على التعبير وعرض الأفكار وصياغتها بشكل سليم.
وارجعت انتشار الغش إلى عدة أسباب، من أبرزها الخوف والقلق من الامتحان، وضعف الوازع الدينى، وتراجع الإحساس بالمسئولية تجاه الدراسة، وغياب الطموح والأهداف الواضحة لدى بعض الطلاب، إلى جانب تهيئة بيئة تسمح بحدوث الغش، وضعف المستوى التحصيلى، وعدم كفاية الوقت المخصص للإجابة عن الأسئلة، مؤكدة أن معالجة هذه العوامل مجتمعة هو الطريق الحقيقى للحد من الظاهرة بشكل فعال.
لوائح وعقوبات
وطالبت الخبيرة التربوية الدكتورة ولاء شبانة، بضرورة العمل على ترسيخ القيم الدينية والأخلاقية لدى الأبناء منذ الصغر، وتعزيز مفهوم الرقابة الذاتية المرتبطة بالإيمان بأن الله مطلع على كل تصرف، حتى فى غياب الرقابة الخارجية من المعلم أو الأسرة.
وشددت ولاء شبانة فى تصريحات صحفية على ضرورة تفعيل دور الأسرة بشكل أكبر فى متابعة الأبناء من خلال التواصل المستمر مع المدارس والمشاركة فى الاجتماعات التربوية، بما يساهم فى معالجة السلوكيات السلبية مبكرًا.
وأوضحت أهمية التعامل التربوى مع الطالب الذى يثبت تورطه فى الغش، من خلال عدم الاكتفاء بالعقوبة، وإنما إلزامه بالتواصل مع المرشد التربوى لفهم أسباب هذا السلوك ومحاولة تصحيحه بشكل علمى ومنهجى.
ودعت ولاء شبانة إلى ضرورة وضع لوائح واضحة وعقوبات صارمة تطبق بعدالة داخل لجان الامتحانات، بما يضمن تحقيق الانضباط وردع أى محاولات للغش.
كما شددت على ضرورة فرض قواعد صارمة وواضحة داخل لجان الامتحانات، تتعلق بسلوك الطلاب وتنظيم جلوسهم ومراقبة سير الامتحان بشكل دقيق، إلى جانب تعزيز ثقافة الاعتماد على النفس، وبناء شخصية الطالب على أسس من النزاهة والجدية، باعتبار أن القضاء على الغش يبدأ من التربية قبل أن يكون مجرد إجراءات رقابية.